عاجل
الأحد 23 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
اعلان we
يوم افريقيا
البنك الاهلي
يوم إفريقيا.. ميلاد المنظمة الدولية الأم فى القارة العذراء "1-3"

يوم إفريقيا.. ميلاد المنظمة الدولية الأم فى القارة العذراء "1-3"

في مثل هذا اليوم الخامس والعشرين من مايو، منذ ستين عامًا، وُلِدت منظمة الوحدة الإفريقية 1963م.



 

لكنها لم تكن وليدة اللحظة، ولا بالمخاض اليسير، فسبقها جهاد للمفكرين السياسيين الأفارقة في بلاد المهجر، ونضال سياسي، وقتال في دروب القارة للتحرر من الاستعمار الجاثم على أنفاس شعوبها.

 

وقبل ظهور منظمتنا الإفريقية الأم للحياة، بنحو قرن ونصف القرن من الزمان، كان العالم قد شهد ميلاد أولى منظماته الدولية "الإدارة المركزية لنهر الراين" 1815، لتنظيم الملاحة وإدارة مرافقه.

 

والمنظمات الدولية، تبنى على أركان واجبة التحقق، فهي ذات صبغة دولية، الانضمام إليها رضائي، بمحض إرادة الدولة العضو، ومن ثم بالتبعية يُشترط في الدول الأعضاء أن تكون مُستقلة ذات سيادة، وصولًا للركن الأهم، وهو الاستمرارية، فالمنظمات دائمة مستمرة على عكس المؤتمرات التي تعقد بصفة مؤقتة.

 

وللمنظمات الدولية شخصية قانونية دولية، بمعنى أنه لا يقتصر حضور اجتماعات المنظمة على الدول الأعضاء فقط، بل يحق لدول غير أعضاء من خارج الإقليم حضور اجتماعاتها كمراقب، ومؤخرًا شاهدنا الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي مشاركًا كمراقب في اجتماع الجامعة العربية في جدة بالمملكة العربية السعودية.

 

ورغم أن القاعدة في الانضمام للمنظمات الدولية، أن تكون الدول الأعضاء مُستقلة ذات سيادة، إلا أن مصر في عهد الاحتلال البريطاني حظيت باستثناء من تلك القاعدة، فكانت أحد 37 دولة مؤسسة لعصبة الأمم، التي نشأت بموجب معاهدة "فرساي" 1919، كمحاولة لمنع تكرار مآسي الحرب العالمية الأولى.

 

والمفارقة أن أمريكا لم تنضم لعصبة الأمم في بداية تأسيسها، لرفض الكونجرس- رغم أن مقرها في نيويورك- وألمانيا تلكأت، ثم انسحبت بعد انضمامها المُتأخر، فيما كانت الصين بين 13 دولة شاركت في التأسيس، غير أنها لم توقع على ملحق عهد العصبة، الشرط الأساسي للعضوية الفاعلة.

 

وهنا يتضح قوة وحنكة الدبلوماسية والسياسة الخارجية لمصر، أقدم دولة في التاريخ، وتاريخها الحضاري في تأسيس المنظمات الدولية العامة "عصبة الأمم" والإقليمية جامعة الدول العربية 22 مارس 1945، والقارية "منظمة الوحدة الإفريقية"، وغيرها من المنظمات الإقليمية والقارية المتخصصة.

 

فلم تحُل معاناة مصر من الاحتلال البريطاني وجهادها من أجل التحرر، دون مشاركتها في تأسيس أهم وأكبر منظمة عالمية، نشأت بعد أن ذاقت البشرية ويلات الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار عصبة الأمم- بفشلها في تحقيق هدفها الرئيسي إحلال السلم والأمن الدوليين، اللذين تلاشيا مع إشعال أدولف هتلر الحرب العالمية الثانية- فإن مصر كانت عضوًا مؤسسًا في منظمة الأمم المتحدة.

 

مفكرو الشتات والجامعة الإفريقية 

 

مخطئ من يظن أن الاتحاد الإفريقي وليد لحظة سياسية آنية صادفت الاستقلال، اجتمع فيها قادة التحرر الإفريقي وفي القلب منهم الزعيم جمال عبدالناصر ونكروما وغيرهما، بل هو نتاج لجهاد وتطور الفكر السياسي الإفريقي لمفكري الشتات في عقود الاستعمار، ومع ثورات التحرر تشكل الجنين ليولد بكامل عافيته مع الاستقلال.

 

فقد كان سلفستر وليام (1869-1911)، أول مفكري الشتات الإفريقي استخدامًا لمصطلح "الجامعة الإفريقية"، ساعيًا لوضع أسس المساواة بين الزنوج والبيض، في ظل نضال أحفاد الأفارقة الذين ساقهم الاستعمار في أقفاص إلى أوروبا للعمل عبيدًا في مزارعهم ومصانعهم.

 

فقد تبنى سلفستر فكرة وحدة الانتماء الزنجي، لخلق هوية جامعة لأحفاد الأفارقة، الذين اقتلعهم الاستعمار من جذورهم وأوطانهم الأصلية، لكنها ظلت مجرد حركة احتجاج لأفارقة الشتات ضد اضطهاد البيض.

 

وفي سبيل ذلك عقد المؤتمر الأول للجامعة الإفريقية 1900 في العاصمة البريطانية لندن، والجامعة هنا كانت محاولات لجمع الأفارقة في بلدان أوروبا، دفاعًا عن حقوق الزنوج السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان تحتل أوطانهم الأصلية تنهب ثرواتها وتهدر حقوقهم على أراضيها.

 

ليتولى وليام ديبوس (1868-1963)، زعامة الحركة خلفًا لسلفستر، لتتحول على يديه فكرة الجامعة الإفريقية من مؤتمرات تناقش تحديات العيش في المهجر وآليات المواجهة، إلى سلاح وأداة للحركات الوطنية الإفريقية في كفاحها ضد الاستعمار، ليعقد خمسة مؤتمرات للجامعة برئاسته أولها 1919، وآخرها 1945، وكانت المفارقة أن رحيله إلى دار البقاء، في عام ميلاد عصبة الأمم ذاته.

 

ومن مميزات الجامعة الإفريقية، أنها نظرت للعمل النضالي بشقيه الفكري والحركي من مبدأ أن الأفارقة في بلدان الشتات المنحدرين من القارة وأبناء القارة المقيمين في بلدانهم الأصلية، كلٌ واحد، هدفهم بعث وحدة الأفارقة وإحياء التاريخ الإفريقي وتصحيح مدركات العالم عنه بثقافته وعلومه.

 

ومن مفارقات التاريخ النضالي الإفريقي، أن ماركوس جارفي، أحد أكثر الأفارقة في دول الشتات تعصبًا للعرق الزنجي، تحالف مع جماعة "كوكلوكس كلان"، أكثر الجماعات الأوروبية تطرفًا للعرق الأبيض، مبررًا ذلك التحالف بـ"وحدة الهدف”، ففي حين كان يقاتل هو من أجل إعادة الزنوج إلى بلدانهم بإفريقيا لتكون وطنًا للزنوج فقط، فكان حلفاؤه المتطرفون البيض يقاتلون لتكون أمريكا أرضًا للبيض فقط، فالتقى معهم حول هدف عودة أحفاد الزنوج لإفريقيا.  وبلغ بجافي الحلم، أن دعا لتأسيس "امبراطورية زنجية لا تغيب عنها الشمس"، مؤكدًا أن إفريقيا أصل الحضارة والفنون والعلوم، وأن الغرب الأوروبي لصوص سرقوا علومها وخيراتها.

 

التكامل في العمل النضالي بين زعامات الأفارقة في الشتات، وزعامات النضال في مواجهة الاستعمار على الأرض في الأوطان الأصلية؛ كان له عظيم الأثر في نجاح هذا النضال التاريخي، وكان من أهم المحطات التاريخية في مؤتمر الجامعة الإفريقية السادس المنعقد في مانشستر، البريطانية أكتوبر عام 1945، أن نقل زعامة الجامعة الإفريقية من مناضلي الشتات إلى زعامات الداخل ومنهم كوامي نكروما من ساحل الذهب، غانا حاليًا.

 

كانت القوى الاستعمارية منهكة من الحرب العالمية الثانية، التي وضعت أوزارها سبتمبر 1945، قبل انعقاد المؤتمر الإفريقي بشهر، وفي البلدان الإفريقية كانت ثورات التحرر تتشكل، ووتيرة النضال من أجل الاستقلال تتزايد، وفي مقدمتها مصر، التي نجح الضباط الأحرار بها من تقديم النموذج، وامتلاك السلطة ومن ثم القضاء على الاستعمار.

 

وما إن امتلك شعب مصر زمام القيادة وقضى على الاستعمار حتى بدأ في دعم ثورات التحرر الإفريقية؛ ليبدأ النضال من قبل البلدان المستقلة في إفريقيا لتأسيس منظمة إفريقية تحقق الهدف الرئيسي، وهو بناء الدولة الإفريقية الوطنية القوية بسواعد أبنائها، ودعم حركات تحرر البلدان الإفريقية التي ما زال الاستعمار جاثمًا على صدورها.

 

لكن لم تكن الرؤية بين الآباء المؤسسين واحدة، حول شكل وطبيعة الوحدة الإفريقية المستهدفة، فخرج تياران؛ الأول يتزعمه نكروما ومعه زعماء التيار الراديكالي بسبع دول ينادون بوحدة سياسية للدول المستقلة، فيدرالية إفريقية "الولايات المتحدة الإفريقية"، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وألّف كتابًا يشرح رؤيته بعنوان: "إفريقيا يجب أن تتحد".

 

وكان التيار الآخر براجماتي يرى تطبيق وحدة عملية أولًا، تتطور فيها الروابط الاقتصادية والمنظمات الإقليمية، ثم يتم الانتقال لاحقًا إلى الوحدة السياسية الكاملة.

 

وهنا اشتعل الخلاف مبكرًا حول طبيعة الوحدة، بين التيار الراديكالي المتمسك بوحدة كاملة يذوب فيه الكل في واحد، والبراجماتية التي تنتهج الانتقال التدريجي وفق المتحقق من تعاون بين دول تحتفظ بهويتها وسلطتها السياسية الوطنية.

 

وللحديث- إن شاء الله- بقية.

[email protected]

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز