عاجل
الأربعاء 8 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ثورة 30 يونيو الكوميسا بقيادة مصرية
البنك الأهلي
من وحي رئاسة "الكوميسا" ودلالاتها

من وحي رئاسة "الكوميسا" ودلالاتها

شرفت بتغطية فعاليات القمة الثانية والثلاثين للاتحاد الإفريقي، وهي القمة التي تسلمت مصر في جلستها الافتتاحية الأحد، العاشر من فبراير 2019، رئاسة الاتحاد، في نقلة نوعية كانت لها دلالات سياسية بالغة الأهمية، لما شهدته مصر في ست سنوات سابقة على هذا الحدث التاريخي.



 

قبلها بيومين، في الساعات الأولى من يوم الجمعة 8 فبراير، وبينما أنا في الطائرة المحلقة على ارتفاع 10.666 كيلومتر، متجهة بسرعة 755 كيلومترًا في الساعة، من العاصمة المصرية القاهرة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، سبحت بذاكرتي في مجريات ست سنوات بسرعة، عدت إلى الجمعة 5 يوليو 2013، ذلك اليوم الذي أصدر فيه الاتحاد الإفريقي قرار تجميد عضوية مصر، مستندًا لمعلومات مغلوطة عن حقيقة ما جرى بها.

 

تحولات جذرية في النظرة الإقليمية والدولية لمصر، شهدتها سنوات معدودات، بعمر الأمم، بينما إنجازاتها تفوق ما حققه غيرها في عقود، من تجميد العضوية، لاستعادتها خلال أشهر، شهد فيها العالم التزامًا حرفيًا بخارطة طريق ثورة 30 يونيو، والملايين في طوابير الاستفتاء الدستوري، ثم الانتخابات الرئاسية يونيو 2014.

 

سنوات ست من العطاء، والانتصار على التحديات، وتثبيت أركان الدولة بالإنجازات، الداخلية، التي بات لا يوجد من يستطيع إنكارها، تواكبها سياسة خارجية حكيمة عمقت العلاقات المصرية بدوائر الأمن القومي العربية والإفريقية والإسلامية، فضلًا على انفتاح عالمي على القوى الفاعلة، برؤية صادقة ثابتة، روشتة علاج لتحديات العالم، وأمراض الإقليم والقارة.

 

في ذلك اليوم المشهود، تسلّمت مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي منتخبة من 53 دولة إفريقية، وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، ملقيًا كلمة مصر، بين رؤساء الدول والحكومات، مشددًا بلسان عربي إفريقي مبين، على أهمية ترسيخ مبدأ: "الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية"، مؤكدًا "هو السبيل الوحيد للتفاعل مع التحديات المشتركة التي تواجهنا، فإفريقيا أكثر قدرة على فهم تعقيدات مشاكلها وخصوصية أوضاعها".

 

وبكل وضوح يومها قالها الرئيس: "ومن ثم قارتنا أقدر على إيجاد حلول ومعالجات جادة وواقعية تحقق مصالح شعوبها وتصونها من التدخل الخارجي والسقوط في براثن الأنماط المبتكرة والمعاصرة من الاستغلال، تلك الأنماط التي لا تلائم واقعها".

 

وخلال الرئاسة المصرية، للقمة الإفريقية، بذلت مصر جهودًا صادقة، لتعزيز مبادرة إسكات البنادق التي حظيت بموافقة مجلس الأمن بالإجماع، ونجح- خلال رئاسة القمة الإفريقية الاستثنائية بالنيجر يوليو 2019- إطلاق المرحلة التشغيلية لاتفاقية التجارة الحرة القارية، لتدخل حيز النفاذ 30 مايو من ذات العام، بعد استيفاء شرط بلوغ عدد الموقعين 22 دولة، حيث تجاوز العدد النصاب بتوقيع 23 دولة.

 

ومرورًا بمؤتمر شباب إفريقيا في أسوان، واستضافة وكالة الفضاء الإفريقية، لافتتاح وتفعيل مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب، للمؤتمرات الاقتصادية الإفريقية، ودعم التنمية والدفاع عن مصالح إفريقيا في كل المؤتمرات الدولية التي نُظمت بالعواصم الغربية، في برلين وبكين وغيرهما.

 

يتواصل العطاء المصري، وثقة الأشقاء في إفريقيا، على قيادة مصر دفة العمل المُشترك، في ظل تجديدها في كل المحافل الدولية، على ترسيخ مبدأ: "الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية"، وهي الرؤية المصرية الضاربة بجذورها بعُمق عمر العمل الإفريقي المشترك.

 

وهو ما أشار إليه الرئيس يومها، مذكرًا بكلمة الزعيم عبد الناصر، أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الإفريقي، عندما قال عن ميثاق تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية 1963: "ليكن ميثاقًا لكل إفريقيا، ولتعقد اجتماعات على كل المستويات الرسمية والشعبية، ولنبدأ طريقنا في التعاون الاقتصادي نحو سوق إفريقية مشتركة".

 

واليوم تواصل الدولة المصرية، ثوابتها القارية، وتعزز الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، وتخطو بثبات نحو السوق الإفريقية المشتركة الفاعلة، ومسارات التنمية الشاملة، بمنهجية واقعية تعززها إنجازات الواقع وخبرة وطنية في قهر التحديات، وتعظيم القوى الشاملة للدولة التي باتت قاطرة التنمية في القارة، ونموذجًا يحتذى لا تخطئه عين خبير.

 

اليوم تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئاسة "الكوميسا"، وما أدراك ما الكوميسا، إنها السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا، أحد أنجح ثماني تحالفات إقليمية، بالقارة، أنشئت كمراحل تمهيدية للتكامل الإفريقي الكامل، وفق اتفاقية أبوجا لتحقيق هدف جامعة اقتصادية إفريقية عبر ست مراحل بدأت من العام 1994، ومخطط لها بلوغ الأهداف كاملة عبر 30 عامًا ببلوغ العام 2028.

 

المرحلة الأولى من الحلم الإفريقي 5 سنوات، استهدفت تقوية التجمعات الموحدة، وإنشاء خمسة تجمعات إقليمية، تعمل في المرحلة الزمنية الثانية خلال 8 سنوات على إلغاء الحواجز الجمركية تدريجيًا، بين دول الاتحاد الإقليمي الواحد، لتنتقل للمرحلة الثالثة 10 سنوات، التي تستهدف إنشاء منطقة تجارة حرة واتحاد جمركي للقارة بين الإقليم، أملًا في بلوغ المرحلة الرابعة وعمرها عامان، التي تستهدف اتحادًا جمركيًا قاريًا، بما يعني إلغاء الجمارك بين واردات وصادرات دول القارة، والإبقاء على الجمارك مع الدول التي لا تنتمي للقارة.

 

ذلك الحُلم الإفريقي القاري، ينظر إلى قمته باتحاد مالي ونقدي، عملة إفريقية موحدة، وبنك مركزي إفريقي، تعاون اقتصادي، وتنمية صناعية، تخلق شبكة من المواصلات والنقل القاري الحديث، وشبكة معلومات قارية، حلم يستهدف استثمارًا أمثل من الأفارقة لخيرات قارتهم، وثرواتهم وأراضيهم البكر.

 

وتفعيلًا للمراحل الأولى، نشأت التجمعات الإقليمية الثمانية المعترف بها من الاتحاد الإفريقي: تجمع الساحل والصحراء ٢٨ دولة "س ص"، والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا 21 دولة "الكوميسا"، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا 15 دولة "إيكواس" ومنظمة تنمية الجنوب الإفريقي 14 دولة "السادك"، والمجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا وتضم ١١ دولة "الإيكاس"، وإقليم شرق إفريقيا 8 دول "الإياك"، ثم تجمع دول المغرب العربي خمس دول.

 

بهذه الإطلالة السريعة، نجد أن تجمع دول الساحل والصحراء هو الأكبر من حيث الدول الأعضاء، 28 دولة، يليها في الترتيب الثاني الكوميسا، ومصر عضوة بالاثنين، الأول "س. ص"، يحمل أهمية كبرى للعمق الاستراتيجي المصري، فضلًا على كونها منطقة ذات أبعاد أمنية بالغة الأهمية في مكافحة الإرهاب، بها تنشط "بوكو حرام"، وأخواتها، ومن هنا كان الاهتمام المصري بتفعيل مركز مكافحة الإرهاب بدول الساحل والصحراء الذي افتتح في مصر مؤخرًا.

 

وفي مارس 2016 استضافت مصر في شرم الشيخ مؤتمر وزراء دفاع الساحل والصحراء، وتقرر إنشاء مجلس الأمن والسلم للتجمع، لمواجهة التهديدات، والعمل على توفير بيئة آمنة للتنمية والاستثمار والشراكات الاقتصادية التي تدعم بلوغ التجمع مراحل متقدمة من أهداف التكامل القاري، وفق "أبوجا".

 

وفي السياق ذاته المتصل، من مشروعات الربط الكهربي القاري، وطريق القاهرة كيب تاون، للربط البري والنهري بين بلدان القارة وحركة النقل، تواصل مصر قيادتها لدفة التنمية، وتمهد الطريق لبلوغ أهداف التكامل القائم على الفهم المشترك والاحترام المتبادل بين دول القارة جميعًا، وهو ما قال عنه الرئيس السيسي "إن الفهم المشترك والاحترام المتبادل بيننا جميعًا هو أعظم قوة دافعة نمنحها الاتحاد الإفريقي".

 

ويكفي عزيزي القارئ أن تعلم أن حجم التجارة البينية بين الدول الإفريقية، لا يتجاوز 15% من تجارة القارة مع العالم، الذي تتصدره الصين يليها أمريكا، فيما تتراوح الاستثمارات البينية بين دول القارة من 11 إلى 12% فقط من حجم الاستثمارات الأجنبية بها، وهو ما يجعل العلاقات البينية الإفريقية، بل والاقتصاد الإفريقي، رهين تأثيرات خارجية، لاعتماد معظم دول القارة على تصدير ثرواتها مواد خام، واستيراد منتجات مصنعة مضاف عليها قيمة التصنيع.

 

ومن هنا تأتي أهمية قيادة مصر لهذه الدورة الرئاسية لمنظمة الكوميسا، وهي أهم التجمعات الإقليمية الاقتصادية تحقيقًا لمعدلات الأهداف التي حددتها مراحل إعلان أبوجا لبلوغ تكامل قاري تام، ومصر بخبراتها التنموية في جمهوريتها الجديدة وقوتها الاقتصادية، وقدرتها الشاملة- وفي القلب منها الدبلوماسية- قادرة على أن تسرّع من معدلات بلوغ أهداف التكامل والتنمية المشتركة، لتعظيم التعاون البيني الإفريقي، كخطوة تعزز من فرص الانتصار على التحديات في الطريق لمعدلات تكامل قاري أكبر.

 

مصر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشريان الحياة العالمي، بوابة تنمية لإفريقيا، مصر نموذج يحتذى لقدرة الدولة الإفريقية على قهر التحديات، وتحقيق الإنجازات، مصر بلغ حجم تبادلها التجاري مع دول الكوميسا، 2.8 مليار دولار، تحتل وحدها 20% من حجم التبادل التجاري البيني بين الـ"21 دولة"، بإجمالي صادرات 2 مليار، وواردات 700 مليون، وهذه ليست أرقامًا جامدة، بل تترجم لفرص عمل وأرباح وتجارة وحياة وتنمية لأبناء مصر ودول الكوميسا. 

 

وها هو الرئيس السيسي، يواصل سياسة مصر الثابتة الواضحة، معلنًا استراتيجية قصيرة المدى لتعزيز التعاون بين دول الكوميسا، استراتيجية 2021-2026، لتواصل مصر تقديم روشتة العلاج منطلقة من ثوابتها الراسخة "حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية"، ولا شك أن المتابع يمكنه بدقة أن يُدرك فلسفة الطب المصري العلاجي، وكلمة السر: التنمية والعمل والبناء والتعمير، واقتلاع الإرهاب والتطرف من جذوره.

 

مصر القائدة، تخطو بثبات لمسافات جديدة، تبني وتعمر في أرضها ومحيطها وقارتها، لتقهر بالبناء التحديات تزرع الخير لأبنائها وأشقائها شركاء الإقليم والقارة.  

 

عاشت مصر قادرة، صادقة، فتية، قوية، داعمة لأمتها العربية، وقارتها الإفريقية، قائدة بقدرات الجمهورية الجديدة دفة التنمية والأمن والسلام في كل مكان.