الأربعاء 20 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الخيل العربي
الخيل من «النصر في طيبة» وإسطبل «وست ماعت رع» إلى «مرابط مصر»

الخيل من «النصر في طيبة» وإسطبل «وست ماعت رع» إلى «مرابط مصر»

التاريخ كما المُحيط، متلاطم أمواج الأحداث والسنوات، في أعماقه كنوز الخبرة، وخلاصة البدايات والمآلات، هو شاهد عدل، لا يعرف المجاملات، فقط يحتاج من يُتقن فن الغوص في أعماقه لاستخلاص جواهر حكمته.



وكما بالمحيط مد وجزر، تعيش الدول فترات ازدهار وانحدار، أنواء وعواصف سياسية، وسنوات قوة وفتوة، واستقرار وتنمية، إذا ما حباها الله بقيادة حكيمة، تُحسن استثمار الموارد، وتحشد الطاقات وفق رؤية استراتيجية شاملة.

مصر الآن في عصر ما بعد  العاصفة الأحدث في تاريخها، الضاربة في عُمق التاريخ مسافة سبعة آلاف عام، تعيش مرحلة بدايات استعادة القوة، والنهوض الحضاري، وفق استراتيجية تنمية شاملة، ومستدامة، لتعظيم قدرات الدولة الشاملة.

تلك الاستراتيجية 2030، تستلهم من الماضي خبراته، لمواجهة الحاضر بتحدياته، لبلوغ أهداف المستقبل المشرق بتوقعاته، التي في القلب منها، إعادة إحياء الدور التاريخي لمصر في الريادة الإقليمية، والعالمية.

تلك الريادة المستهدف استعادتها- بعد النجاح المُتحقق في تثبيت أركان الدولة، واستعادة أمنها واستقرارها- أساسها تعظيم الاستفادة من المقومات والمزايا التنافسية التي حبا الله بها مصر، لتحقيق الرخاء لشعبها، وأجياله القادمة.

الخيول العربية المصرية الأصيلة، أحد عناصر التميز المصري، لدرجة جعلت كبار المربين، يصفونها بـ"الهرم الرابع"، فهي ثروة حقيقية، يعلم كل من له صلة بهذه الصناعة، أن مصر الحديثة، لها بالغ الدور والأثر في الحفاظ على نقاء دمائها.

ويشهد التاريخ، أن رعاية الخيل المصري الأصيل، ارتبطت بمراحل قوة الدولة المصرية وفنونها، وأُهمل في فترات الضعف، ولِمَ لا فقد كانت الخيول منذ فجر التاريخ، بمثابة سلاحي المركبات والمدرعات، يتوقف على قوتها ومهارة الفرسان، القدرة على الانتصار في المعارك بما تشهده من كر وفر ونزال.

النصر في طيبة وإسطبل "وسر ماعت رع ستبن رع" محبوب الإله آمون

في "قادش"، بالقرب من نهر العاصي، بسوريا، 1274، قبل الميلاد، قاد الملك المصري رعمسيس الثاني، ملحمة بطولية، حفظتها تفاصيلها جدران المعابد الفرعونية، في مواجهة مملكة "جيتا".

في تقرير المعركة الذي ترجمه، الدكتور سليم حسن عميد الآثاريين- رحمه الله- بالجزء السادس من موسوعة مصر القديمة، المنحوت على البوابة الرئيسية بمعبد الأقصر، والعديد من معابد مصر القديمة، ذكر كاتب التقرير في الكثير من المواضع، الخيل المصري، فكان الجيش سلاحين، مشاة وخيالة، والأعظم أنه ذكر اسم حصان الملك رعمسيس الثاني.

يقول التقرير، الذي يعد باكورة الإعلام العسكري: "..وكان مثل "ستخ" في ساعة شجاعته، وعندئذ أسرع بجواده العظيم المسمى "النصر في طيبة"، ثم انقض بسرعة منفردًا بنفسه، وكان جلالته وقتئذٍ شجاع القلب وسقط أمامه كل إقليم".

وتكشف الآثار المصرية والرسومات على المعابد للخيول، تطابق صفاتها الجسمانية مع صفات الخيل العربي المصري الأصيل اليوم في أنقى سلالاته، فضلًا عن تسمية المصري القديم للخيل بأسماء توحي بالعظمة، "النصر في طيبة" نموذجًا.

واللافت أيضًا أن جدران المعابد ذكرت اسم مالك الإسطبل، الذي أنتج الجواد العظيم- كما وصفه الفراعنة-  "النصر في طيبة"، وهو الاسم الذي أطلق على العربة التي يجرها، وجاء ذلك بنص الترجمة التي قدمها الدكتور سليم حسن، حيث تقول: "وكانت العربة العظيمة التي تقل جلالته المسماة "النصر في طيبة" من الإسطبل العظيم للسيد "وسر ماعت رع ستبن رع".

هذه الوثائق بالغة الأهمية تُشير إلى مكانة الخيل في مصر القديمة، وتكشف لنا أسماء خيول ومربين، وصفها المصري القديم بالعظيمة، والأجمل هو الاعتناء البالغ بها، منذ فجر التاريخ.

ولكون الجواد ضرورة في ذلك الوقت للنقل والجر والمعارك العسكرية، كان الاهتمام به يتعاظم في فترات تعاظم الدولة وقوتها، فيشهد التاريخ بمدى اهتمام العرب به، خاصة القبائل الثرية منهم، في فترة ما قبل الإسلام، وما حظيت به الخيل من مكانة واهتمام في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين.

فقد أقسم الله بالخيل في كتابه الحكيم: "والعاديات ضبحا"، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وأوصى عليه الصلاة والسلام بأن نعلم أبناءنا الرماية والسباحة وركوب الخيل.

كما كان للخيل دورها في عهد السيد المسيح عليه السلام، وتظهر الأيقونات في الكنائس القديس مار مرقس ممتطيًا جواده ويقتل التنين.

بل منذ عهد سيدنا سليمان عليه السلام، ففي كتابه تربية الخيول العربية في مصر، للدكتور عبدالعليم عشوب ١٩٤٢، رحمه الله، نقلًا عن النويري في موسوعة "نهاية الأرب": "إن أول ما انتشر في العرب من خيل سليمان بن داود عليهما السلام، هو أن قومًا من الأزد من أهل عمان بـ"اليمن"، قدموا على سيدنا سليمان وكانوا أصهاره فلما فرغوا من أمر دينهم ودنياهم وهموا بالانصراف، قالوا: "يا رسول الله، إن بلدنا شاسع وقد أنفضنا من الزاد، فمر لنا بزاد يبلغنا بلادنا، فأعطاهم من خيله فرسًا من خيل داود، وقال هذا زادكم، فإذا نزلتم، فاحملوا عليه رجلًا واعطوه مطردًا، وأوروا ناركم فإنكم لن تجمعوا حطبًا، وتجهز ناركم حتى يأتيكم بصيد، فساروا بالفرس وكانوا لا ينزلون مكانًا ويمتطي أحدهم الفرس للقنص ويفلت منه شيء، فيكون معهم ما يطعمهم ويكفيهم ويطعمهم حتى يصلوا منزلًا آخر، حتى وصلوا بلدهم، فقالوا ما لفرسنا إلا "زاد الراكب"، وسموه به، وكان ذلك قبل ألف سنة من الميلاد، فلما سمعت قبيلة بني تغلب بذلك، استطرقوهم، فجاءت أقوى فحول الخيل بالجزيرة العربية".

في القرن الثالث عشر الميلادي، أولى الناصر محمد بن قلاوون الخيل رعاية خاصة في مصر، وأنفق عليها الكثير لتتكاثر سلالاتها في مصر، وفي عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، كانت الأزمات الاقتصادية، تضرب الجزيرة العربية، فيما كانت مصر تزدهر وتتوسع فأنشأ إسطبلات في شبرا، وأولاها رعايته، ومن بعده ابنه إبراهيم باشا، وإسماعيل باشا، الذي أولاها اهتمام حفظها، وجلب أنقى سلالاتها.

في العام ١٩٠٨، أنشأت الجمعية الملكية، محطة "الزهراء"، بشبرا، قبل أن تشتري في عهد الملك فاروق ١٩٢٨ أرضًا في منطقة صحراوية كانت تبعد عن القاهرة بنحو 40 كيلومترًا، حينها، وهي محطة "الزهراء"، التي تُعد كنزًا مصريًا، ومصدرًا لسلالات الخيول العربية في العالم.

الأسطورتان "أسوان" و"آدم" أبوان للحصان العربي في روسيا 

في العام 1962، أهدى الرئيس جمال عبدالناصر، الرئيس الروسي نيكيتا خروشوف، مجموعة من الخيل العربي المصري الأصيل، تقديرًا للدور الروسي في مساعدة مصر لبناء السد العالي، وكان على رأسيهما الأسطورتان "أسوان"، و"آدم"، ومن تلك المجموعة المصرية تأسس مربط "يتوريسكي".

ويكاد يجمع الخبراء ومربو الخيل على أن جميع المرابط المنشغلة بتربية الخيل العربي في العالم، بها دماء الخيل العربي المصري الأصيل، فقد حصلت غالبية الدول على سلالات عربية مصرية، منذ عهد الأسرة العلوية.

مرابط مصر 

تستعيد الدولة المصرية اليوم عافيتها، بعد أن ثبّتت أركانها، وابتلعت عواصف 2011، وما بعدها 2013، لتهضم في معدتها القوية المؤامرات التي حيكت لها، وتعود دولة عفية تحقق تنميتها الشاملة، زراعية وصناعية، وعسكرية، لتحقيق أهداف العدالة الاجتماعية، والنهوض بالثروة البشرية.

ليأتي قطار التنمية، إلى محطة الخيل العربي المصري الأصيل، عبر المشروع العالمي "مرابط مصر"، الذي أعلن المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية بسام راضي، مناقشة الرئيس السيسي لمخططه.

ويعكس ذلك المشروع انتقال مصر لحقبة جديدة من حقب قوتها التي مرت بها تاريخيًا، لتشمل التنمية، جميع عناصر التميز والقوة، فلمن لا يعلم للخيل العربي المصري، سجلات أنساب وجوازات سفر، ودماء نقية، يندر تواجدها، وهي قيمة مضافة نسبية يُدرك قيمتها المشتغلون بتلك الصناعة في العالم.

بالفعل هي صناعة، تعتمد عليها دول أوروبية كركيزة أساسية في اقتصادها مثل بولاندا، التي  تحترف وتشتهر بأهم مرابط إنتاج الحصان العربي الأصيل، ففي مزاد "فخر بولاندا"، هذا العام، أقنعت "بيريفينكا" الفرسة الجميلة الملقبة بـ"عروس بولاندا"، ثريًا سعوديًا بدفع  1.250 مليون يورو، بما يقارب 6 ملايين ريال ثمنًا لها، ليؤسس بها مربطه.

ذلك المشروع العملاق الذي يتبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي، يعكس رؤية ثاقبة، محور من محاور التطوير الاستراتيجي، الذي تتبناه الدولة لقطاعات بالغة الأهمية.

فالمشروع الأكبر في الشرق الأوسط، له أبعاده الحضارية، والاقتصادية، واستعادة الريادة المصرية، فضلًا عن توفيره لكل مستلزمات الصناعة، بأحدث تكنولوجيا، وتقديم الحلول لمشكلات عانى منها المربون لسنوات طويلة.

فعلى مستوى البنية التحتية، يوفر مرابط للخيول في منطقة استراتيجية، ذات بنية تحتية عالية الكفاءة، تربطها شبكة طرق بالمطارات، لتسهيل التصدير، وانتقال المشاركين في المهرجانات، والمزادات والبطولات الرياضية.

وفي اعتقادي، مثل هذا التجمع، يخلق فرصًا عظيمة للمربين المصريين، وفرصًا للمستثمرين العرب والأجانب، بما يخلقه من مكان جامع ومحتضن ومستضيف للخيول، سواء للتربية أو للاستضافة لفترات المشاركة في الفعاليات، أو العرض للبيع في مزادات.

الشق الاقتصادي، يخلق فرصًا استثمارية، ويخلق مجتمعًا جديدًا، بقيمة نوعية، بما يمكن أن يحويه من فنادق، مضمار سباقات الخيل، وساحات لرياضات الفروسية المتنوعة، تلك البنية التحتية، تتيح الفرصة لتنظيم بطولات عالمية، فتزاد الفرصة أمام المربي المصري، للمشاركة، بآثارها الإيجابية على قيمة خيولهم الفائزة، واكتساب الخبرات لغير الفائزين، فضلًا عن عوائد نقل المشاركين الأجانب واستضافة خيولهم، التي تتحقق للدخل القومي.

جانب بالغ الأهمية للمشروع في اعتقادي، وهو نقل الخبرات العالمية، من المنافسات الرياضية، وكذلك الارتقاء بتكنولوجيا خطوط الإنتاج، وفرص العمل التي تولد، والتي تنمو من خلال هذا المشروع وما يرتبط به، من صناعات دوائية وصناعة السروج وصناعات الأعلاف، والملابس الرياضية، وتنظيم الفعاليات السياحية كمهرجانات أدب الخيل ومسابقات الجمال.

مشروع بهذا الحجم، يقضي على مشكلات الكثيرين من المربين، الذين يشكون من ندرة الأطباء المتخصصين، ومشكلات التصدير، كونه يخلق بيئة تنموية ترعاها الدولة وتذلل عقباتها، وبنية أساسية تنافس أحدث مثيلاتها العالمية.

تخيل إذا تم تنظيم كأس عالم للفروسية في مصر، وآخر لجمال الخيل العربي، في مكان مجهز على مستوى احترافي، بحضور إعلامي عالمي قوي، قطعًا ما يحدث استثمار لقدرات الدولة وثروتها النادرة، التي ظلت مهملة منذ ما يزيد على 75 عامًا.

مشروع بهذا الحجم يُعظم من القدرة الشاملة للدولة، ويُسهم في تنمية الدخل القومي، وخلق فرص عمل، وإضافة محور جديد لتنشيط السياحة، ويعظّم القيمة النوعية، لمحطة "الزهراء" التي يجري تطويرها، ليكون إنتاجها نواة لمرابط مصر.

من أجل هذا كان هذا العدد من "الكتاب الذهبي"، الإسهام بدورنا كوسيلة إعلامية، في تعميق الوعي بما يجري إنجازه، وقيمة مصر الحضارية، وقيمة الخيول العربية الأصيلة عامة، والمصرية منها خاصة، وتاريخ الخيل المصري، وتحديات الواقع التي تواجه المربين، وآفاق المستقبل.

يبقى أن أطرح بعض المقترحات التي رصدناها من خلال نقاشات تلك الصناعة:

أولًا: تحتاج تلك الصناعة للعنصر البشري المؤهل للعمل بها، المالك للخبرة العلمية، ومن ثم أقترح على المجلس الأعلى للجامعات استحداث قسم خاص يدرس فيه الطالب من السنة الأولى علوم الخيل وجراحاتها، وطرق وقايتها ورعايتها، حتى يكون لدينا عدد كافٍ من الخريجين المؤهلين لهذا المشروع، وما يخلقه من فرص عمل.

ثانيًا: نحتاج مدارس فنية لتخريج السايس، والعارض للخيل في المعارض، ومدربي أدب الخيل، لما لهم من دور بالغ الأهمية، وما يوجد منهم الآن استقى الخبرة، بالتعامل والوراثة، وللعامل رفيق الخيل خاصة في خطوط الإنتاج أهمية بالغة، في تنبيه الأطباء لما يطرأ عليه من متغيرات للتدخل السريع.

ثالثًا: الصناعات المرتبطة بالخيل مثل ملابس الفروسية، والسروج وغيرها، جانب ليس قليلًا منها "مستورد"، ومن الضروري إنشاء مصانع لهذا الغرض بتكنولوجيا عالية وتدريب احترافي للعمالة؛ لتكون قادرة على المنافسة بقوة، وتماشيًا مع مشروعات الدولة التي تهتم بتطوير صناعة الجلود.

رابعًا: دعم المرابط القائمة بتوفير مستلزمات التحصين، والأدوية غير المتوافرة بالسوق المحلية، والإشراف على تلك المرابط لمتابعة الحالة الوبائية والصحية، للحفاظ على تلك الثروة القومية.

خامسًا: تبني وزارة الشباب والرياضة برنامج نشر ثقافة رياضة الفروسية، وإتاحتها في الأندية بالمحافظات، لتحقيق هدفين: الأول الارتقاء بالقدرات البدنية للنشء، والثاني إعداد قاعدة من اللاعبين تنتج أبطالًا بالمستقبل.

سادسًا: توسع وزارتي الثقافة والسياحة في تنظيم مهرجانات محلية ودولية لأدب الخيل، بما لها من مرود ثقافي وسياحي.

عاشت مصر قوية أبية رائدة في كل المجالات، فكما كانت خط الدفاع الأول عن العرب في أحلك حقب التاريخ، كانت ولاتزال المحافظ على كنز العرب، الخيل العربي المصري الأصيل.

وسيذكر التاريخ للرئيس عبدالفتاح  السيسي، وكل من يُسهم في هذا المشروع، بأحرف من نور عظيم صنعه، كما ذكر كل من حافظ عليها من قبل، نسأل الله أن تُصيب مصر والقائمين عليها خيرًا مما عُقد بنواصيها.

 

 

من الكتاب الذهبي