الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لقد باتت القوى الكبرى، بدلاً من أن تضطلع بدور قوى الاستقرار، تبدو مترددة، وردّ فعلية، وأحياناً مهمّشة.

 

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفارقة أساسية، منطقة مشبعة بالترتيبات الأمنية لكنها محرومة من الأمن الفعلي.

فما يبدو على السطح وكأنه بنية متطورة من التحالفات، ومنظومات الردع، والمبادرات الدبلوماسية، يتضح عند التدقيق أنه مجرد سراب — وهمٌ بالنظام يخفي وراءه حالة أعمق من الاختلال البنيوي وعدم الاستقرار.

وقد كشفت ديناميكيات الحرب الجارية، لا سيما في الخليج وتداعياتها الممتدة عبر المنطقة، ليس فقط هشاشة الأطر القائمة، بل أيضاً غياب رؤية متماسكة ومتجذرة إقليمياً لتحقيق السلام والاستقرار.

 

وفي قلب الأزمة الراهنة تكمن دائرة مفرغة تبتلع الأطراف الرئيسية. فلم تعد المعسكرات المتنافسة تتحرك فقط وفق حسابات استراتيجية، بل أصبحت مقيدة بصورة متزايدة بضغوط داخلية، والرأي العام، واتساع فجوات التباين داخل صفوفها نفسها.

وقد أدى هذا التفكك الداخلي إلى تقليص قدرة صناع القرار على الدفع نحو تسويات سياسية حاسمة، بما أدخل جميع الأطراف في حلقة ممتدة من التصعيد من دون استراتيجيات خروج واضحة.

 

وما عاد إلى الواجهة نتيجة لذلك هو نمط كلاسيكي من حروب الاستنزاف، وإنْ بسمات حديثة. فلا توجد نهايات حاسمة، ولا اتفاقات وقف إطلاق نار ذات مصداقية، ولا اختراقات دبلوماسية مستدامة. وبدلاً من ذلك، تشهد المنطقة تبادلاً متواصلاً للضربات العسكرية، يترافق مع حرب موازية لا تقل حدة على مستوى السرديات والدعاية السياسية. وفي الوقت نفسه، ينخرط كل طرف في إعادة بناء ومعايرة قدراته العسكرية والتكنولوجية المتضررة، بما يضمن استمرار الصراع لا باعتباره نزاعاً قائماً فحسب، بل كصراع يعيد إنتاج نفسه ذاتياً.

 

وتتطور حالة عدم الاستقرار الممتدة هذه ضمن سياق عالمي متغير، تتآكل فيه بصورة متزايدة فكرة وجود نظام دولي منظم. فالقوى الكبرى، بدلاً من أن تؤدي دور عامل الاستقرار، تبدو مترددة، ومرتبكة، وأحياناً مهمشة. كما أن مقاربتها يغلب عليها نهج حذر يقوم على “الانتظار والترقب”، مدفوعاً بحسابات المكاسب الاستراتيجية أكثر من الالتزام بالتحالفات أو بتسوية النزاعات. ويعكس هذا الواقع المتحول ليس ولادة نظام عالمي جديد، بل غياب أي نظام فعّال بالأساس.

 

أما على المستوى الإقليمي، فتبدو حدود الفاعلية أكثر وضوحاً. فقد أثبتت أنظمة الأمن الإقليمية القائمة في الشرق الأوسط عجزها عن إدارة الأزمة الحالية، فضلاً عن حلها. ويجد النظام الإقليمي العربي، الذي طالما اتسم بالتشرذم وتضارب الأولويات، نفسه غير مهيأ للتعامل مع حجم وتعقيد التحديات الراهنة. وقد أوجد هذا الفراغ مساحة للقوى الخارجية وللأطراف الإقليمية غير العربية لتوسيع نفوذها، وترسيخ حضورها بصورة أعمق داخل البنية الاستراتيجية للمنطقة.

 

وتمتد تداعيات هذا الإخفاق إلى ما هو أبعد من الهواجس الأمنية المباشرة. فقد بات الاعتماد على القدرات العسكرية كأداة رئيسية للردع موضع تحدٍ جوهري. ومن المرجح أن تستجيب دول الخليج، على وجه الخصوص، ليس عبر التراجع عن مسار التسلح، بل من خلال تسريعه. إذ ستشهد السنوات المقبلة تدفقاً كبيراً للأسلحة المتطورة، بما في ذلك أنظمة الصواريخ، وشبكات الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، في ظل سعي الدول إلى حماية نفسها من تهديدات تزداد تعقيداً وتطوراً. غير أن هذا التوسع في التسلح قد يرسخ حالة انعدام الأمن بدلاً من احتوائها.

 

وفي خضم هذه التحولات، جرى دفع القضية الفلسطينية، ولا سيما الأزمة في غزة، إلى هامش الأجندتين الإقليمية والدولية. فقد أدى تركيز القوى الكبرى على الصراع المرتبط بإيران إلى تهميش الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية مستدامة في غزة، وتأجيل مسارات الحل السياسي وإعادة الإعمار معاً. ولا يقتصر أثر هذا التحول على تعميق المعاناة الإنسانية فحسب، بل يطال أيضاً أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الإقليمي طويل الأمد.

 

اقتصادياً، تواجه المنطقة مرحلة ممتدة من الضغوط. فإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، لا سيما في قطاع الطاقة، إلى جانب الحاجة لإعادة بناء المنظومات الدفاعية واستعادة الاستقرار الاقتصادي، ستستنزف موارد مالية هائلة. ويهدد هذا الاستنزاف بربط المنطقة بدورات متكررة من الاعتماد والهشاشة، بما يحد من قدرتها على تبني استراتيجيات تنموية مستقلة.

 

وفي الوقت نفسه، تتشكل منافسة معقدة بين مستويات مختلفة من الأطر الأمنية، متعددة الجنسيات، والإقليمية، والعربية. وسيكون لهيمنة أحد هذه النماذج على غيره دور حاسم في تشكيل ملامح الشرق الأوسط ما بعد الأزمة. كما ترتبط هذه المنافسة ارتباطاً وثيقاً بالتحولات الجارية في أسواق الطاقة، حيث سيؤدي التحكم في موارد النفط والغاز، وكذلك شروط الصفقات الكبرى بين الشركات متعددة الجنسيات والقوى العالمية، دوراً محورياً في تحديد الاصطفافات الجيوسياسية المقبلة.

 

وربما الأهم من ذلك كله، أن الصراع على السيطرة على الممرات البحرية عاد إلى صدارة السياسة الإقليمية. فالممرات الاستراتيجية، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط، لم تعد مجرد قنوات للتجارة العالمية، بل تحولت إلى ساحات للتنافس الجيوسياسي.

 

ويعكس الطابع الأمني المتزايد المحيط بهذه الممرات تحولاً أوسع في طبيعة الصراعات، حيث باتت شرايين الاقتصاد العالمي نفسها عرضة للتسييس والتوظيف كأدوات ضغط.

 

وفي خضم هذا المشهد المعقد والمتقلب، تبرز مصر باعتبارها فاعلاً محورياً يتمتع بموقع فريد يؤهلها للمساهمة في خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار.

 

فالدبلوماسية المصرية، المستندة إلى إرث طويل من الوساطة الإقليمية، لا تزال تعطي الأولوية للحلول السياسية على حساب التصعيد العسكري. ومن خلال دبلوماسية مكوكية مستمرة، ولقاءات رفيعة المستوى، ومشاركة فاعلة في المحافل الدولية، تسعى القاهرة إلى إعادة ترسيخ منطق الحوار في منطقة باتت القوة هي اللغة الغالبة فيها.

 

ويتمثل جوهر هذا التحرك في ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، عبر إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة العمل الدبلوماسي، والتعامل مع الأزمة اللبنانية، والعمل على إنهاء الصراعات الممتدة التي استنزفت المنطقة لعقود. وتنطلق المقاربة المصرية من إدراك واضح بأن أي ترتيبات أمنية لن تكون سوى حلول سطحية وغير قابلة للاستدامة ما لم تُعالج الجذور السياسية لهذه الأزمات.

 

ولا تقل أهمية عن ذلك مواصلة الانخراط مع المنظمات الدولية، من نيويورك إلى جنيف وفيينا. فرغم ما تواجهه هذه المؤسسات من قيود وتحديات، فإنها لا تزال تمثل منصات أساسية للتعامل مع الأعباء الإنسانية الهائلة الناجمة عن الصراعات المستمرة. كما أن دورها، حين يجري تفعيله بصورة فعالة، يمكن أن يشكل مكملاً للجهود الإقليمية ويوفر الشرعية اللازمة لحشد دعم دولي أوسع.

 

ومع ذلك، تبقى الخلاصة الجوهرية واضحة ولا يمكن تجاهلها: ما يوجد حالياً في الشرق الأوسط ليس بنية أمنية حقيقية، بل مجرد سراب لبنية أمنية. فقد فشل تضخم التحالفات والترتيبات العسكرية في إنتاج الاستقرار، بل كشف بدلاً من ذلك عن الحاجة الملحة إلى إطار جديد أكثر تماسكاً وفاعلية.

 

ويكمن المسار الواقعي للمستقبل في إنشاء منصة عربية شاملة للأمن الاستراتيجي، تكون نابعة من المنطقة نفسها، ومرتكزة إلى أسس سياسية واضحة، وقادرة على التعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية على حد سواء. ويجب أن تنبثق هذه المنصة من داخل النظام العربي ذاته، مستندة إلى تاريخه المشترك، ومصالحه المتقاطعة، وإمكاناته المؤسسية.

 

وفي هذا السياق، لا تمثل القاهرة مجرد طرف مشارك، بل نقطة انطلاق ضرورية. فثقلها السياسي، وامتدادها الدبلوماسي، وموقعها الاستراتيجي، كلها عوامل تؤهلها بصورة فريدة لاستضافة وقيادة عملية بناء هذه الهندسة الأمنية الجديدة. ومن دون مثل هذه المبادرة، ستظل المنطقة معرضة لأن تبقى ساحة لتنافس القوى الخارجية، بدلاً من أن تكون فضاءً تحكمه رؤيتها الاستراتيجية الخاصة.

 

ومن ثم، فإن الخيار المطروح أمام الشرق الأوسط يبدو حاسماً وواضحاً: إما الاستمرار في التنقل داخل وهم الاستقرار، أو الشروع في المهمة الصعبة ولكن الضرورية المتمثلة في بناء نظام إقليمي حقيقي ومستدام.

 


أستاذ العلاقات الدولية بكلية الدراسات الدبلوماسية بجنيف

 

تم نسخ الرابط