الثلاثاء 09 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى حقبة خرج فيها الفن من عباءة الترفيه إلى فضاء صناعة الوعى:

كيف تصدى مسرح عادل إمام للجماعة المتطرفة؟

بوابة روز اليوسف

فى ظاهره يبدو كتاب «عادل إمام.. سفير الحرافيش إلى القمة»؛ للكاتب الصحفى وائل لطفى، كأنه يقف عند حدود توثيق مسيرة فنان صعد إلى القمة، إلا أن مضمونه يبحث فى علاقة عادل إمام بزمنه، وعبر 231 صفحة يرصد تأثير التحولات فى البنية الفكرية للمجتمع على مشواره الفنى ونتاج إبداعه السينمائى.  

 ويستعرض الكاتب أهم أفلامه التى عبرت عن تلك التحولات بذكاء وخفة ظل، كما يجيب عن سؤال: كيف تصدى مسرح عادل إمام للجماعة المتطرفة؟ 

الزعيم وعبد الناصر

تبدأ فصول «عادل إمام.. سفير الحرافيش إلى القمة»، بقرار تأميم قناة السويس، وتعيد رسم ملامح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كأبٍ لجيل ثورة يوليو.

ومع تعاقب الأحداث، يرى عادل إمام الذى رسب فى الثانوية العامة عامين متتاليين، ونجح فى المحاولة الثالثة والتحق بكلية الزراعة بجامعة القاهرة فى عبد الناصر أبًا سياسيًا؛ ويؤمن بكل ما بشر به من عدالة اجتماعية واستقلال وتنمية، ولم يفكر فى التمرد عليه إلا عقب النكسة.  

 النكسة ومدرسة المشاغبين 

وفى ظل تفاعل الواقع السياسى مع الخطاب المسرحي؛ يتوقف الكاتب أمام النكسة، ويكشف عن ملامح الجيل الذى خرج مثقلاً بصدمة حرب 1967.

ولعل مدرسة المشاغبين تعد من أبرز المسرحيات؛ التى عبرت عن النكسة حيث قام أبطالها بتفكيك صورة الأب داخل المؤسسة التعليمية؛ والتى تجسدت فى شخصية كل من المدرس الذى بدا عاجزًا أمام التمرد، وناظر المدرسة الذى لم تنجح محاولات سيطرته على الطلاب، فضلًا عن المدرسة التى لجأت إلى المشاركة والحوار كوسيلة للتعامل معهم بدلًا من السلطة الأبوية.

زعيمًا للفن 

يرى وائل لطفى أن نجاح عادل إمام يكمن فى تألق موهبته، ووعيه بتحولات المجتمع، وقدرته على التعبير عن هموم المواطن المصرى.

ولم يعرض المؤلف مسرح عادل إمام كمجرد ساحة للترفيه؛ بل أظهره وكأنه منصة للتعليق السياسى والاجتماعى الساخر على قضايا المجتمع؛ بصورة تعكس قدرًا من الالتزام السياسى لدى الفنان. 

ومن بين تلك القضايا التى طرحت على خشبته ارتفاع الأسعار، تراجع الثقة فى الطبقة السياسية، القلق من التحديات الخارجية، فضلًا عن أزمة الطبقة الوسطى فى مواجهة صعود الأثرياء. 

 سفير الحرافيش

ومن اللافت أن اختيار «عادل إمام.. سفير الحرافيش إلى القمة» عنوانًا للكتاب جاء ليعكس عبقرية عادل إمام فى قراءة المناخ السياسى، ويعبر عن قدرته على التفاعل معه بوعى، ويؤكد مكانته كنجم أول بلا منازع.

الفكر المتطرف للجماعة 

تحت هذا العنوان يكشف الكتاب الأفكار المتطرفة التى تبثها جماعة الإخوان الإرهابية داخل الجامعات خلال حقبة الثمانينيات، ويرصد عملياتها الإرهابية والتى شملت محاولات اغتيال وزير الداخلية حسن الألفى، وزير الإعلام صفوت الشريف، ورئيس الوزراء عاطف صدقى.

كما امتدت موجة الإرهاب إلى اغتيال المفكر فرج فودة؛ على يد خلية تابعة للجماعة عقب صدور فتاوى بتكفيره. 

ومن مشهد اعتداء الجماعة على فرقة مسرحية فى أسيوط؛ يبدأ اشتباك الفن مع الفكر المتطرف، ويقرر عادل إمام تجسيد مسرحيته الواد سيد الشغال على خشبة مسرح أسيوط؛ من أجل التضامن مع أعضاء الفرقة، ووقف نفوذ تيار الإرهاب، ويتعرض لهجوم من عبد الرحمن البنا شقيق مرشد الجماعة الذى كان يؤسس لإعادة مسرح الإخوان. 

التصدى للتطرف 

فى حقبة خرج فيها الفن من عباءة الترفيه إلى فضاء صناعة الوعي؛ شكلت مسرحية الواد سيد الشغال؛ بداية المعركة التى خاضها مسرح عادل إمام من أجل التصدى للجماعة المتطرفة وامتد تأثيرها إلى فيلمى الإرهابى وطيور الظلام، فى الوقت الذى تجنب فيه بعض الفنانين مواجهة ظاهرة التطرف الدينى والتزموا الصمت.

تحريم الفن 

تنقلنا فصول الكتاب إلى زمن تحريم الفن؛ وانتشار ظاهرة اعتزال الفنانين وتحول عدد منهم إلى دعاة سلفيين وأصحاب جمعيات دينية، كما تبرز موقف الزعيم من تلك الدعوات التى تشكلت بفعل أجندات سياسية، فلم يعترض عادل إمام على عمل الفنانات المحجبات فى الفن، لكنه انتقد عدم اعتذارهن عن تحريمهن للفن ثم عودتهن إليه. 

المضحكون

تضعنا دراسة المؤلف للذاكرة الفنية المصرية أمام قراءة مختلفة للكوميديا؛ ليس بكونها فنًا للضحك، ولكن بوصفها انعكاسًا صادقًا للواقع الاجتماعى وتحولاته، وتروى سيرة أهم المضحكون الذين قدموا عبر أعمالهم صورة الإنسان المصرى فى مختلف مراحله، وجعلوا من الكوميديا أداة للوعى والتأمل، ومن بينهم نجيب الريحانى، فؤاد المهندس وعادل إمام. 

الزعيم وإسرائيل

لم يغفل الكتاب موقف الزعيم من زيارة إسرائيل، واستعرض حواره مع مجلة المصور الذى جاء بعنوان أسافر لإسرائيل إذا كان فيه مصلحة لمصر، وعبر سطوره أعلن عادل إمام رفضه الشخصى لزيارتها، وكراهية هذا الفعل، ولم يقبل دعوة الشاعر الفلسطينى سميح القاسم لزيارة عرب 48 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، لكنه لم يبد اعتراضه على التعامل الفنى مع فنانين يهود. 

شاهدًا على زمنه

لكن فى النهاية، لم يكتف «عادل إمام.. سفير الحرافيش إلى القمة» بتوثيق مسيرة الزعيم بوصفها تراكمًا لأدوار أو محطات شهرة، وسعى إلى تفسير تحول الكوميديا إلى لغة قادرة على تفكيك الواقع، وكشف تناقضاته، وإعادة صياغة أسئلته، وخلص إلى أن عادل إمام لم يكن مجرد شاهد على زمنه، بل شريكًا فى تفسيره ومعبرًا عن همومه، ومدركًا أن البقاء للأكثر قدرة على الإصغاء لقضايا مجتمعه.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط