الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أسرار الموسيقار الخالد الذى سار مع الزمن وليس ضده:

محمد عبدالوهاب فنان لكل العصور

محمد عبدالوهاب
محمد عبدالوهاب

35 عامًا مرت على رحيل الموسيقار الكبير «محمد عبدالوهاب» الذى فارق عالمنا بجسده فى الرابع من مايو عام 1991 تاركا إرثا فنيا لا يفنى ولا تذوبه آلة الزمن الوحشية التى تلتهم كل هش ضعيف تحت عجلاتها.. بينما يبقى ويصمد ويتجدد بالحياة كل ما هو أصيل وخالص الإبداع. فى مسيرة الفن العربى الحديث، توجد بعض الاستثناءات المحدودة لفنانين استطاعوا أن يحيوا فى قلب التحولات الكبرى دون أن يبتلعهم الزمن أو يتجاوزهم. هناك فنانون لمعوا سريعًا ثم خفت بريقهم، وبعضهم تمسك بالماضى حتى تجاوزه الواقع.

 

«محمد عبدالوهاب» كان فى قائمة الاستثناءات، فلم يكن شاهدا فقط على تغيرات القرن العشرين السياسية والاجتماعية والفنية التى عاشتها مصر والعالم العربى، بل كان جزءًا من صناعة هذه التحولات، وصوتًا معبرًا عنها، وعقلاً يقرأها قبل أن تحدث بالفعل. لذلك لم يكن غريبًا أن يلقب بـ«موسيقار الأجيال»، وأن ينظر إليه بوصفه، «فنانًا لكل العصور»، هذا الوصف لم يأت من فراغ، بل من قدرة نادرة على التوازن بين الأصالة والتجديد، بين الحس الشعبى والذوق النخبوى، بين الفن بوصفه متعة أو موقفًا. والسؤال الذى يبحث عن إجابته كل عشاق الفن والعاملين والمهتمين به على مدار مائة عام: كيف استطاع الموسيقار «محمد عبدالوهاب» أن يواكب المتغيرات السياسية والاجتماعية والفنية؟ بل أن يعيد صياغتها موسيقيًا؟.. والأهم كيف استطاع أن يجدد نفسه دائمًا مع كل تغيير يحدث دون أن يفقد شخصيته أو تتغير بصمته؟!

رغم مظهره الأرستقراطى وأسلوبه فى الحركة والحديث والتعبير والذى يشبه الملوك والأمراء فإن «محمد عبدالوهاب» ولد فى حى باب الشعرية بالقاهرة عام 1902 – وفى بعض المصادر 1898- لأب كان شيخًا ومؤذنًا ومقرئًا فى مسجد سيدى الشعرانى بالحى، وقد أُلحق الأب ابنه بكتّاب المسجد فى خطة بأن يكون الابن كوالده – شيخًا – ولكن «محمد عبدالوهاب» ذهب للمشايخ من طريق آخر فبدلاً من التعلق بالمقرئين، كان الشغف بالاستماع إلى شيوخ الغناء فى ذلك العصر مثل الشيخ «سلامة حجازى» و«صالح عبد الحى» و«سيد درويش» والأخير كان الأكثر تأثيًرا على مزاج وعقلية «عبدالوهاب الموسيقية».

 مضناك جفاه مرقده

بدأ «عبدالوهاب» الغناء وهو فى الخامسة عشرة من عمره عندما حاول الغناء بأى شكل ومع أى فرقة يستطيع الوصول إليها فكانت البداية مع «فوزى الجزايرلى» صاحب فرقة مسرحية بالحسين، والذى وافق على عمله كمطرب يغنى بين فصول المسرحيات ومع معارضة أسرته لغنائه، هرب مع فرقة سيرك إلى دمنهور حتى يستطيع الغناء، ثم عاد بعد موافقة الأسرة للعمل مع فرقة «عبدالرحمن رشدى المحامى» وهى المرحلة التى سمعه فيها أمير الشعراء «أحمد شوقى» فى أحد العروض، لكنه طالب بمنع «عبدالوهاب» من الغناء لصغر سنه، من هنا ترك «عبدالوهاب» الفرقة ليلتحق بنادى الموسيقى الشرقى والمعروف بمعهد الموسيقى العربية حاليًا، حيث تعلم العزف على العود وفن الموشحات، وعمل فى نفس الوقت كمدرس للأناشيد بمدرسة الخازندار، ثم ترك كل ذلك للعمل بكورال فرقة «على الكسار» ثم «فرقة الريحانى» التى سرعان ما تركها ليكمل دراسة الموسيقى ويشارك فى الحفلات الغنائية، وأثناء ذلك قابل «سيد درويش» الذى أعجب بصوته وعرض عليه العمل فى فرقته الغنائية، ليشارك فى روايتى (البروكة) و(شهرزاد). وظل «عبدالوهاب» بجوار «سيد درويش» حتى وفاة الأخير.. لتقوده الصدفة مرة ثانية كى يسمعه المؤثر الأهم فى حياته وهو أمير الشعراء «أحمد شوقى» عام 1924 فى أحد كازينوهات الإسكندرية، لكن هذه المرة لم يمنعه من الغناء، بل طلب مقابلته وتبناه فنيًا وإنسانيًا.. فقدمه لأصدقائه، وأقنع سلطانة الطرب «منيرة المهدية» أن يكمل تلحين مسرحية (كليوباترا) التى ألفها «شوقى» ولم يلحن منها «سيد درويش» سوى الفصل الأول قبل وفاته، وكانت هذه الخطوة هى بداية حياة «عبدالوهاب» المهنية الاحترافية، حيث حققت له الشهرة كملحن ومطرب وممثل أمام «منيرة المهدية» التى قدم أمامها دور «مارك أنطونيو».

وتعتبر السبع سنوات التى قضاها «عبدالوهاب» مع «أحمد شوقى» من أهم مراحل حياته، حيث علمه «شوقى» كل شىء فى حياته، وقدمه لصفوة رجال السياسة والمجتمع والثقافة وغنى عددًا من قصائده، كان أشهرها (مضناك جفاه مرقده).

 جفنه.. علم الغزل

فى بدايات القرن العشرين، كانت الأغنية العربية تعتمد على «الطرب» بوصفه الهدف الأساسى، حيث تمتد الأغنية لساعات، ويعاد المقطع أكثر من مرة. لكن «عبدالوهاب» رأى أن هذا الشكل، لم يعد معبرًا عن روح العصر.. من هنا بدأ مشروعه الحقيقى لتحويل الأغنية من مساحة للتطريب الخالص إلى مساحة للتعبير عن فكرة أو إحساس فى زمن مكثف، كما أنه أدخل فى ألحانه بعض الآلات الغربية مثل الجيتار والأكورديون.. ويأتى أول أعماله السينمائية (الوردة البيضاء)، إخراج «محمد كريم» عام 1933 هو النموذج الأمثل على بداية تطبيق هذه الاستراتيجية الموسيقية الجديدة على المصريين.. ويحسب لـ«عبدالوهاب» هذه الشجاعة فى التجديد والتى لاقت استحسان الشباب وامتعاض الكبار.

هذا التجديد اعتبره البعض تهديدًا وهدمًا للهوية الموسيقية الشرقية، لكن «عبدالوهاب» كان يرى أن الهوية شىء قابل للتطور.. لاحقًا كان المزج بين الشرقى والغربى فى موسيقى «عبدالوهاب» سلاحًا ذا حدين، فبينما اعتبره البعض اقتباسًا وسرقة، تعامل معه البعض الآخر بأنه قدرة على الدمج دون الذوبان، وهو ما كان سر استمراره، فمع مرور الزمن صارت ألحان «عبدالوهاب» وموسيقاه تدرس ويصبح المرجع الأول لكثير من الملحنين والمطربين.

 أنشودة الفن

لازم «عبدالوهاب» طوال حياته اتهامه بالانحياز للسلطة الحاكمة، فوصف بأنه مطرب الملك فى عهد «فاروق الأول»، لأنه كان قريبًا من القصر، ومطرب المناسبات الرسمية به.. بل صنع «عبدالوهاب» أغانى كان ينشد فيها باسم الملك «فاروق» كما فى أغنية (أنشودة الفن) الشهيرة بـ(يلى بدعتوا الفنون) التى ألفها «صالح جودت» ويقول «عبدالوهاب» فى إحدى مقاطعها (والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه.. والفن مين شرفه غير «الفاروق» ورعاه).

وبعد قيام ثورة يوليو 1952، لم يفقد «عبدالوهاب» مكانته، بل تلاءم مع الأوضاع الجديدة ليصبح جزءًا منها ويقدم ألحانًا وأغنيات تناسب العهد الجديد والتى جاء على رأسها نشيد (الوطن الأكبر) من كلمات «أحمد شفيق كامل» عام 1960 وغنى به مجموعة من نجوم الطرب والغناء العربى كجزء من المشروع السياسى، فى عصر «جمال عبدالناصر» وهو مشروع الوحدة العربية فى تلك الفترة.. لكن النشيد تغنت كلماته بعظمة الثورة المصرية وإنجازاتها (يلى نديت بالوحدة الكبرى بعد ما شفت «جمال» الثورة).

وفى عام 1979 طلب الرئيس «السادات» من الموسيقار «محمد عبدالوهاب» إعادة توزيع نشيد (بلادى..بلادى) ليكون نشيدًا وطنيًا جديدًا لمصر، بعد أن كان النشيد الوطنى المعتمد منذ عام 1960 هو (والله زمان يا سلاحى)، لكن «السادات» قال أن (بلادى) هو النشيد الموجود فى ضمير ووجدان كل مصرى، لذلك قرر أن يذاع النشيد الجديد لأول مرة، عقب عودته من واشنطن بعد إجراء معاهدة السلام، وبالفعل أوكل المهمة لـ«محمد عبدالوهاب» الذى أعاد التوزيع الموسيقى للنشيد وكمكافأة له منحه «السادات» لقب لواء وظهر «عبدالوهاب» وهو يرتدى البدلة العسكرية أثناء قيادة أوركسترا الجيش التى عزفت النشيد.

ورغم أن هذا التكيف لم يكن خاليًا من الانتقادات، حيث اتهمه البعض بالانتهازية، وبأنه يغير مواقفه حسب السلطة، فإن الموسيقار «محمد عبدالوهاب» ترك أثرًا وإرثًا هائلاً من الأغانى الوطنية التى عاشت واستمرت لعقود منها: (دقت ساعة العمل الثورى، سواعد من بلادى، دعاء الشرق، ناصر، صوت الجماهير، الجيل الصاعد، حب الوطن فرض على، وأصبح عندى الآن بندقية).

 ترند زمانه

بحسابات هذا العصر فإن «محمد عبدالوهاب» كان من أكثر الفنانين المثيرين للجدل، وإن وجدت وسائل التواصل الاجتماعى فى زمنه لكان من أكثر الفنانين تحقيقًا للترند، ليس فقط بمواقفه وتصريحاته التى لم تشبه أحدًا، ولكن لألحانه وأغنياته التى كانت تحقق وهجًا هائلاً فى سماء الفن، من خلال تعاونه مع كبار المطربين ودعمه للمواهب الجديدة، وإيمانه بأن الفن لا يتوقف عند جيل واحد. وهو ما يجعل عبدالوهاب «فنانًا لكل العصور» ليس فقط بما قدمه، بل كيف قدمه. فقد استطاع أن يواكب تغير شكل الأغنية، وتغير ذوق الجمهور، وتغير الوسائط الفنية، لكنه ظل طوال حياته وبعد رحيله بـ35 عامًا ومؤكد لسنوات كثيرة قادمة هو الفنان الخالد فى تاريخ مصر.

2
3
تم نسخ الرابط