معارك عادل إمام
فى الاحتفاء بعيد ميلاد الزعيم عادل إمام، لا يكفى أن نتوقف فقط أمام تاريخ فنى استثنائى صنع البهجة لملايين المشاهدين، بل يجب أيضاً أن نتأمل جانباً آخر لا يقل أهمية فى شخصيته، وهو جانب المثقف المستنير الذى خاض، بشجاعة نادرة، معركة الوعى فى مواجهة التطرف والإرهاب.
أبدا لم يكن الزعيم مجرد فنان يعتلى المسرح أو نجماً للشباك، بل كان صاحب موقف واضح وصريح فى زمن كانت فيه المواجهة مكلفة وقاسية.
جمعته صداقة قوية بالمفكر الراحل فرج فودة، وحين وقع حادث اغتياله الأليم، كان عادل إمام من أوائل الذين توجهوا إلى المستشفى، حيث حاول الدكتور حمدى السيد- نقيب الأطباء وقتها- وفريقه إنقاذه دون جدوى. يومها بكى بحرقة، ولم يتعامل مع الأمر كخبر عابر، بل حمل القضية داخله، وحوّل حزنه إلى رسالة فنية خالدة، مستلهماً شخصية فودة فى أحد أعماله الفنية، التى جسدها الفنان الراحل محمد الدفراوى.
وفى ذروة تصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة خلال أواخر الثمانينات، بينما كان الوسط الفنى منشغلاً بقضايا نقابية، فوجئ الجميع باعتداء عناصر متشددة على فرقة مسرحية هاوية فى قرية اسمها «كودية الإسلام» بأسيوط. هنا ظهر معدن عادل إمام الحقيقى؛ إذ قرر السفر بنفسه إلى معقل الجماعات المتطرفة آنذاك، متحدياً الخوف والتهديد، ليقدم مسرحية الواد سيد الشغال فى موقف بالغ الجرأة، لم يكن مألوفاً فى ذلك الوقت.
كان يؤمن بأن الفن أحد أقوى أسلحة التنوير، ولذلك لم يتراجع أمام حملات الهجوم أو التهديدات التى طالته.
ومع بداية التسعينيات، اختار أن يذهب أبعد فى المواجهة من خلال فيلم الإرهابى، الذى كشف مبكراً خطورة الفكر المتطرف، قبل أن يعرف العالم مصطلحات مثل «داعش» بسنوات طويلة.
تصوير الفيلم جرى وسط أجواء شديدة التوتر والخطر، بعد سلسلة من حوادث العنف ومحاولات الاغتيال التى شهدتها البلاد آنذاك، لكن عادل إمام تمسك باستكمال العمل، مؤمناً بأن الفن يمكن أن يكون جبهة مقاومة حقيقية. وبالفعل، تحول الفيلم إلى علامة فارقة فى تاريخ السينما المصرية، ليس فقط لنجاحه الجماهيرى الكبير، بل لأنه نجح فى تعرية خطاب الجماعات المتطرفة وكشف تناقضاتها واستغلالها للدين.
فى مسيرته الطويلة، لم يكن عادل إمام مجرد نجم كوميديا استثنائى، بل تحول إلى حالة فنية وثقافية أثارت الجدل بقدر ما صنعت النجاح.. فقد واجه على مدار سنواته معارك ضارية من اتجاهات متناقضة؛ اتُهم بازدراء الأديان، وطاردته فتاوى متشددة أهدر بعضها دمه، بينما هاجمه يساريون بدعوى الترويج للتطبيع، واتهمه آخرون بالخضوع لاختراق إخوانى بعد زواج ابنته سارة من نجل القيادى الإخوانى نبيل مقبل.. كما تعرض لملاحقات برلمانية ودعوات لمنع أفلامه وحبسه، لكنه ظل متمسكاً بمواقفه، غير عابئ بحملات الهجوم، ليبقى فى نظر جمهوره «زعيم الغلابة».
هذا الأسبوع يتزامن الاحتفاء بعيد ميلاد عادل إمام الـ 80 مع استعادة رحلة استثنائية لفنان ولد فى حى السيدة عائشة عام 1940، تعود جذوره إلى قرية شها بمحافظة الدقهلية، ونشأ فى أسرة بسيطة كان عائلها موظفاً بوزارة الداخلية، قبل أن يصبح واحداً من أبرز نجوم الفن العربى وأكثرهم تأثيراً فى الوجدان الشعبى.
ومن بين المحطات الأكثر صخباً فى حياته، كانت معركته الشهيرة مع الجماعات المتطرفة ..هذه المواجهة لم تتوقف عند خشبة المسرح، بل امتدت إلى السينما عبر فيلم الإرهابى عام 1994، ثم طيور الظلام عام 1995، وهما العملان اللذان رسخا صورته كفنان يقف فى مواجهة الفكر المتطرف بالفن والسخرية والوعى، لينتقل من مجرد نجم جماهيرى إلى رمز شعبى له تأثير سياسى وثقافى واسع.
لكن المعارك التى خاضها لم تكن مقصورة على التطرف الدينى فقط، إذ دخل فى مواجهة حادة مع قطاع من المثقفين بعد تصريحات أدلى بها فى معرض القاهرة للكتاب عام 1996، تحدث خلالها عن السلام والعلاقات مع إسرائيل، ما فُسر وقتها باعتباره دعوة للتطبيع. واشتعل الجدل بصورة واسعة، حتى كتب الكاتب الراحل سعد الدين وهبة مقالاً شهيراً بعنوان «لا تسلم جمهورك لأعدائنا»، بينما وجّه الكاتب أسامة أنور عكاشة انتقادات مباشرة له، معتبراً أن الصراع مع إسرائيل قضية وجود لا تحتمل التهاون.
ورغم تمسكه برأيه فى البداية، عاد عادل إمام ليؤكد رفضه الكامل للتطبيع قبل انسحاب إسرائيل من الأراضى المحتلة، نافياً أن يكون هدفه الترويج لأى موقف سياسى يمس الثوابت الوطنية والقومية...وهنا ظهر العنوان الأبرز فى الصحافة المصرية على لسان عادل إمام :» على الطلاق ماهروح إسرائيل».. ومعلوماتى أن هذه العبارة التى أطفأت الحرائق وأنقذت الزعيم كانت من بنات أفكار عمنا وتاج راسنا الأستاذ محمود السعدنى والذى نصح عادل إمام بها كى تتوقف الحملات والهجوم الذى يطارده .. ونجحت النصيحة إلى حد كبير وتحول الهجوم إلى إشادة.
وفى عام 2008، وجد نفسه مجدداً وسط عاصفة من الانتقادات، بعد تصريحات نُسبت إليه بشأن حركة حماس خلال العدوان الإسرائيلى على غزة، ليتعرض لهجوم حاد من عدد من الفنانين والمثقفين العرب، إلى جانب فتوى بإهدار دمه أطلقتها جماعة متشددة جزائرية.. لكنه خرج حينها نافياً تلك التصريحات، ومؤكداً دعمه لحق الشعب الفلسطينى ومقاومته المشروعة، ورافضاً التشكيك فى وطنيته أو عروبته.
أما على المستوى الشخصى، فقد أثار زواج ابنته سارة من أحمد مقبل، نجل القيادى الإخوانى نبيل مقبل، جدلاً واسعاً، حيث اعتبر البعض الأمر محاولة “اختراق إخوانى” لبيت الفنان الأشهر عربياً، بينما رفض آخرون داخل الجماعة نفسها تلك المصاهرة بسبب مواقفه الفنية المناهضة لهم. غير أن عادل إمام التزم الصمت، وترك أعماله وحدها تؤكد أن قناعاته ومواقفه لم تتغير.
وفى السنوات الأخيرة، عاد الجدل ليلاحقه مجدداً مع مسلسل مأمون وشركاه، الذى واجه اتهامات بالإساءة إلى الأديان السماوية الثلاثة. وبينما رأى البعض أن العمل يسىء لصورة المتدينين، اعتبر آخرون أنه يقدم صوراً نمطية مغلوطة عن المسيحيين واليهود. إلا أن عادل إمام دافع عن العمل مؤكداً أن هدفه الأساسى هو الدعوة للتسامح وقبول الآخر، وأن الكوميديا بطبيعتها تقوم على المبالغة والسخرية دون نية للإساءة أو التحقير.
الخلاصة: ظل عادل إمام طوال مسيرته فى قلب العواصف؛ فناناً يثير الجدل بقدر ما يصنع النجاح، ويخوض معاركه بلا خوف، مستنداً إلى شعبيته الجارفة وإيمانه بأن الفن لا ينفصل عن قضايا المجتمع والناس ظل ثابتاً على مواقفه، لا يساوم ولا يجامل، مدافعاً عن الفن باعتباره قيمة حضارية ورسالة إنسانية، رافضاً محاولات ترهيب المبدعين أو تصوير الفن باعتباره خطيئة. ولهذا يبقى «الزعيم» أكثر من مجرد نجم كبير؛ يبقى رمزاً للفن الذى انحاز دائماً للحياة، وللعقل، ولحرية الإنسان.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



