عاجل
الأربعاء 6 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مصر والسعودية
البنك الأهلي
العلاقات المصرية السعودية.. التكامل ضرورة حتمية

العلاقات المصرية السعودية.. التكامل ضرورة حتمية

شهد محيط العلاقات الدولية، أمواجًا سياسية عاتية، قبل تسونامي اشتعال الحرب الروسية- الأوروبية على الأراضي الأوكرانية، تلك الحرب التي استخدمت خليط الأسلحة من قنابل وصواريخ ذكية، ودانات المدافع وقذائف الدبابات، إلى شحنات القمح وصادرات الوقود، وتجاذبات التحالفات، تحت ضغط تعطل سلاسل الإمدادات.



    في ذلك العالم متغير الأقطاب وموازين القوى، بات من الحتمي أكثر من أي وقتٍ مضى، تعزيز دفاعات الأمن القومي العربي، في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية وعالمية غير مسبوقة، للحفاظ على ما تحقق من ثبات الدولة الوطنية بعد خريف عربي أصاب عددًا من مؤسسات الدول العربية بتصدعات تجاهد لأكثر من عشر سنوات لرأبها، ولكم في ليبيا واليمن وسوريا عظة وعبرة.  

في ظل تلك التحديات، العالمية والإقليمية، مضافًا إليها التحديات الداخلية الناجمة عن موجات التضخم العالمي، التي خلّفتها أزمتا كورونا والحرب الروسية الأوروبية، باتت حماية الأمن القومي العربي، أولوية يجب التكاتف لتعزيزه وحمايته.  

فما الأمن القومي العربي، إلا محصلة الأمن الفردي لكل دولة عربية، بمعنى أن تعزيز ذلك الأمن القومي الإقليمي، يبدأ من تعزيز تماسك الدولة الوطنية وبقائها، وتعزيز قدراتها على مواجهة تحدياتها الداخلية، لتعزير قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية، فالعالمية الدائرة الأوسع.  

فالجسد العربي مثل الجسد البشري، لا يمكن أن يشتكي عضو من ألم أو مرض، وينعم باقي الأعضاء بالهناء والشفاء، فلا مناص من أن يتداعى سائر الجسد بالسهر والحمى، هذه حقيقة لا يمكن تغافلها.  

فالأمن القومي العربي شفرته السرية في تكامله، بما تمتلكه كل دولة تمثل عضوًا بالجسد من مقومات وقدرات، وأهمية جيوسياسية.  

مصر والمملكة العربية السعودية، تمثلان ركيزتي الأمن القومي العربي، بما لهما من ثقل تاريخي وحضاري، ومكان ومكانة.  

مصر حضارة ٧ آلاف عام، 1.002 مليون كيلومتر مربع، عبقرية المكان، وثقل المكانة إقليميًا وعالميًا، 104 ملايين مواطن يشكلون ثروة بشرية، وقوة لا يُستهان بها في معايير تقدير القوى الشاملة للدول، جيشًا عظيمًا يمتلك قدرة الردع، فرصًا استثمارية ونهضة تنموية، وقدرة دبلوماسية فاعلة عالميًا، فمصر عضو مؤسس بالأمم المتحدة، وراعٍ قوي للقضية الفلسطينية.  

والمملكة العربية السعودية، أقوى دول الجزيرة العربية، ذات مكانة دينية، بما كرّمها الله به من حرمين شريفين، المكي والمدني، تهفو إليهما قلوب مليار مسلم كل عام، وما تملكه من قوة اقتصادية، وثروة نفطية جعلتها المصدر الأول عالميًا للنفط بما يعزز من قدرة نفوذها العالمي، يُضاف لذلك كونها الأكبر خليجيًا في عدد السكان والمساحة الجغرافية.   

كل ذلك يؤكد أن تكامل الدولتين، اللتين تمثلان جناحي الأمن القومي العربي؛ الركيزة الأساسية لتعزيز القدرة الدفاعية العربية في مواجهة تسونامي التحديات، والثبات في موضع المصلحة العربية والإقليمية في مواجهة تزايد قوة التجاذبات بين القوى العالمية.  

فلا شك أن ما يجرى على الأرض الأوكرانية، ما هو إلا ذروة الصراع بين روسيا، القوة التاريخية، وأوروبا بزعامة أمريكا التي سعت منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، مطلع تسعينيات القرن الماضي، لأن تصبح قطبًا عالميًا مهيمنًا، ليأتي فلاديمير بوتين بعد سنوات من الإعداد ليطلق صرخة الرفض بنيران جيشه واجتياح قواته لأوكرانيا، التي حاول الغرب استخدامها مخلب قط وساحة تمركز خلف خاصرة الدب الروسي.  

وفي ظل صراع القوى الإقليمية ذات الحصانة النووية، فمن المستبعد الالتحام العسكري بين قوات أمريكية- أوروبية، في مواجهة القوات الروسية بشكل مباشر، لما يُدركه الجانبان من الكلفة الباهظة، لمثل هكذا تهور، كفيل بأن يعيدهما أكثر من نصف قرن، حيث دمار ودماء وأشلاء الحربين العالميتين.  

وفي ظل تراجع خيار المواجهة المباشرة، يتلاشى خيار التوافق على صيغة سلام دائم، وتتأكد حقيقة أن تلك الحرب العمياء، ستستمر سنوات، ففي حين رأى بوتين ضرورة الحسم، بالقفز خطوات للأمام باجتياح أوكرانيا لمنع تحويلها مخلب قط أمريكي أوروبي، ونقل المواجهة إلى خارج أراضيه.  

فإن الأمريكان وحلفاءهم، يسعون لاستثمار قفزة الدب الروسي، بصنع شراك له في الأرض الأوكرانية، لاستنزافه في حرب طويلة الأمد يتحملون فيها كافة السلاح، والتمويل، على أن يتحمل الأوكرانيون فاتورة الدمار والدماء والنزوح واللجوء.  

والأمر كذلك، فإن هذه الحرب بات مؤكدًا أنها ستطول، وسيتضاعف مع طول أمدها، آثارها الاقتصادية المدمرة عالميًا، بما خلّفته من توقف سلاسل إمدادات الغذاء، بدولتين تمثلان المصدر الأول للقمح عالميًا، وتتضاعف معها الأسعار وموجات التضخم، وتعطل إمدادات مستلزمات الصناعة، التي يعطلها غياب قطعة بسيطة تستورد من الخارج في صناعة كبيرة، ولو كان 90% منها إنتاجًا محليًا.  

مع موجات التضخم العالمي، تتزايد تهديدات الدول الوطنية، مع غياب الوعي بحقيقة التحديات، وأسبابها، وتبات الحكومات على محك الغضب الشعبي، حتى في الدول العظمى، فالرئيس الأمريكي بايدن ذاته مهدد بسبب ارتفاع أسعار الوقود وأسعار السلع، فيما يبقى الخطر على الدول العربية في كون عدد منها شديد الإنهاك قبل الأزمة فما بالنا والأعباء تتضاعف بما يعوق فرص استعادة العافية.  

 

كل هذا يجعل من القمة المصرية- السعودية اليوم، فرصة بالغة الأهمية لتعزيز تكامل البقاء، في مواجهة تحديات غير مسبوقة، بما لها من أبعاد محلية وإقليمية وسياسية واقتصادية وأمنية.   فإسرائيل تعبث بالشرعية الدولية، وتُلهب نيران القضية الفلسطينية، بعدوانها المتكرر على المسجد الأقصى، والشعب الفلسطيني، وإيران تُحرك ميليشياتها وأذرعها في اليمن على الحدود السعودية، وفي لبنان، تلك الدولة العربية التي تختنق اقتصاديًا وسياسيًا.  

والعراق الذي يجاهد لعلاج جراحات الماضي، وليبيا التي ما زالت تهرول لاستعادة مؤسساتها، والسودان الذي يبحث عن توافق للمستقبل، يزيد من تحدياتهم وسخط شعوبهم ما صُدّر إليهم من تضخم وليد الصراع الروسي- الأوروبي.  

وإذا كانت تلك التحديات المصيرية للأمن العربي في تزايد، فإن الرهان على مصر والسعودية، والأشقاء الذين تملك دولهم قدرات ومؤسسات راسخة، ومن هنا تأتي أهمية تكامل البقاء بين مصر والسعودية والأشقاء في الأردن ودول الخليج.  

مصر دولة نموذج في القدرات، والقوة العسكرية المتنامية التي ذات يوم قال عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، إنه جيش يحمي الأمن القومي العربي وليس المصري فقط، مشيرًا إلى "مسافة السكة"، حال تعرض دولة عربية لتهديد، وتحقق ذلك فعليًا بردع التدخلات التركية في ليبيا بوضع خط أحمر لم يستطع الأتراك تجاوزه.   ومصر دولة نموذج في الطفرة التنموية بما تم إنجازه من مستهدفات التنمية الشاملة وفق استراتيجية 2030، وما تملكه مصر من قدرات وثروات وفرص استثمارية.. وبقاء قدرة مصر على النمو بهذه المعدلات في صالح العرب جميعًا، وليس شعب مصر وحده.  

 

وفي حين أن ما يواجه المملكة العربية السعودية من تحديات أمنية على حدودها مع اليمن، وما تواجهه من استهداف بحملات ممنهجة لزعزعة استقرارها، يستوجب دعمًا مصريًا وعربيًا، فاستقرار المملكة- بما لها من ثقل عربي وأهمية دينية- ضرورة حتمية للأمن القومي العربي.  

ومن هنا تأتي حتمية التكامل بين جناحي الأمن القومي العربي، يجب مضاعفة حجم الاستثمارات السعودية في مصر، لتعزيز قدرتها على مواجهة التحدي الذي خلّفه صراع الدول العظمى، وفي المقابل نقل مصر تجربتها التنموية للسعودية والدول الشقيقة، والتكامل في بناء رؤية استراتيجية مشتركة تحدد أماكن التموضع العربي على خريطة التجاذبات.

    والأهم هو بناء رؤية عربية مشتركة، تستخدم أسلحتنا وقدراتنا، لاقتناص حقوقنا العربية في ظل تلك الأزمة العالمية، العرب يمتلكون البترول الذي لا يزال له أثره في المعادلة وتزداد قيمته مع نقص الإمدادات الروسية لأوروبا.. العرب في حاجة لمراعاة التوازنات، بما لهم من علاقات ومصالح مع جميع الأطراف، روسيا والغرب، وغيرهم.  

بالأمس كانت القمة الثلاثية المصرية الأردنية البحرينية، واليوم القمة المصرية السعودية، ومنتصف الشهر المُقبل تستضيف السعودية القمة العربية الخليجية الأمريكية، حيث تلتقي دول مجلس التعاون الخليجي مع مصر والأردن والعراق وأمريكا، وهي قمة بالغة الأهمية، قطعًا على قائمة أهداف أمريكا منها تأمين واردات الوقود، ومحاولة تقليص التعاون العربي- الروسي.  

وهنا يتجدد تأكيد أهمية التنسيق العربي، لتحقيق الأهداف العربية، في ظل علاقات تاريخية، ومصالح استراتيجية مع جميع القوى، وملفات لا بد أن تُطرح بشفافية وموضوعية.  

 

بالأمس شرفت بدعوة كريمة من المجلس الأعلى للإعلام، برئاسة الكاتب الصحفي القدير كرم جبر، والهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة القدير المهندس عبد الصادق الشوربجي؛ للمشاركة في المنتدى الإعلامي المصري- السعودي، بحضور كوكبة من رؤساء تحرير الصحف السعودية، على رأس الوفد الدكتور خالد الغامدي، وكيل وزارة الإعلام السعودية، وكوكبة من رؤساء تحرير الصحف المصرية وممثلي عدد من الفضائيات، ولكثرة العدد وضيق الوقت غلب على الفعالية التعارف والترحيب، والتأكيد على أهمية التعاون.  

 

وهنا أجدد تأكيدي لأهمية بناء استراتيجية تكامل وتعاون إعلامي تواكب التكامل السياسي، تُسهم في بناء الوعي العام بطبيعة التحديات، التي تطرقت لها في هذا المقال، وحتمية المواجهة، عبر إعلام لديه القدرة على تعزيز حصون الوعي، يدعو لتكامل عربي، ويناقش ما يتم إنجازه على الأرض، وما نحتاجه في المراحل المقبلة، وتأهيل لأجيال الشباب وجيل الوسط، ومواكبة التطور والتقدم.

    والخلاصة: إن التكامل العربي ضرورة بقاء، في مواجهة تحديات غير مسبوقة، وتنسيق الرؤى والمواقف، وتنامي القدرات العربية اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا ودبلوماسيًا، هو الركيزة الأساسية لأمن كل دولة عربية؛ لبلوغ محصلة أمن قومي عربي، وقدرة تفاوضية تحمي الحقوق العربية في عالم متغير التحالفات وموازين القوى.

 

[email protected]

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز