السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مسرح قدماء المصريين.. مسرحية انتصار حورس

مسرح قدماء المصريين.. مسرحية انتصار حورس

في تأمل المسرح المصري القديم، وبالسؤال عن النصوص الأصلية غير أقدم نص معروف، ولم يصلنا منه إلا شذرات ألا وهو لعبة الرياح الأربعة.



 

أما أوضح وأشهر النصوص المسرحية المصرية القديمة اكتمالاً فهو نص انتصار حورس الذي نقله عن الهيروغليفية عالم الآثار الشهير ه. و. فيرمان، وتم ترجمته للعربية بقلم د. عادل سلامة، ونشر عام 1971 في سلسلة مسرحيات عالمية التي تصدر عن وزارة الإعلام الكويتية، وقدمه البرنامج الثاني من إخراج المخرج الراحل الشريف خاطر في إطار احتفال مصر بانتصار أكتوبر 1973. 

 

ولم يتم عرضه حتى الآن عرضاً حياً، بينما تم تقديم أوبرا عايدة على سبيل المثال أكثر من مرة في المواقع الأثرية.

 

كما لم يتم تحليل هذا النص تحليلاً درامياً تخصصياً إلا فيما ندر، وربما يصبح تحليله الآن في إطار تماسه مع أحدث أنواع المسرح المعاصر، ألا وهو المسرح التفاعلي، هو نوع من إعادة رؤية التراث المصري القديم رؤية معاصرة، تستهدف تقديمه للجمهور العام في مصر ولكل أنحاء الدنيا، إنه نص عن مصر المنتصرة.

 

إن الحدث في مسرحية انتصار حورس لا يمثل فعلاً مضارعاً يتطور، ولكنه يبدو للمتأمل كحدث واحد متكرر في تنويعات مختلفة. فالفصل الأول يبدأ في مشهده الأول بمباركة الإله وأسلحته.

 

المشهد في البحيرة المقدسة، في القارب الأول حورس مين أو من “Min”، وهو أحد آلهة الخصب في الديانة المصرية القديمة. يصحبه مارد له رأس قرد، ومسلح بحربة وحبل.

 

وفي القارب الأخر حورس بحدت، وبحدت هو الاسم القديم لمدينة أدفو التي يوجد نص المسرحية منقوشاً على معبدها.

 

بينما يحمل حورس بحدت نفس السلاح، ويصحبه مارد آخر، يضرب رأس فرس النهر.

 

وتشير كل التوجيهات المسرحية إلى أن كل مارد يحمل في يمناه حربة رافعاً سلاحها إلى أعلى، وفي يسراه سكين. 

 

وعلى الشاطئ يقف الملك في مواجهة القارب رافعاً يديه في خشوع وتقوى. 

 

ثم يبدأ الكورس في الإنشاد، ليحمد الإله، حورس في كل تجلياته. 

 

أما المارد فيرد مفاخراً أنه يحميه من الأعداء وأنه على رأس الأتباع ويذكر أن اسمه “أي المارد” رأس الأرضين.  ثم يتحدث حورس عن الحربة الأولى التي أغمدها في رأس فرس النهر “ست” العدو الشرير. 

 

ثم ينشد الكورس مادحا حورس مدحا جميلاً إلى أن ينتهي الإنشاد بالكورس والمتفرجين كما يشير النص ليرددوا:  كورس ومتفرجون: 

 

الثبات يا حورس الثبات!

وفي شرح هذا الجمع بين الكورس والمتفرجين يكمن حضور التوهم المسرحي، رغم أن المسرحية طقسية إلا أن ما يجعلها نصف طقسية، أو احتفالاً مسرحياً يقوم على صناعة الإيهام، هو حضور المتفرجين. 

 

والنص يشير لحضورهم بتعبير واضح هو “المتفرجون”، وهم نوع من المتفرجين الفاعلين، يسمح لهم بالفرجة والاشتراك في ترديد هتاف الثبات يا حورس الثبات. 

 

ومن المعروف أن مستوى الشارع في مدينة أدفو كان أعلى من مستوى حائط ساحة المعبد، وكانت إحاطة شرفات هذه المنازل بساحة المعبد تكون نوعاً من المسرح الدائري المتدرج. 

 

وبهذا يمكن للمرء أن يتصور الأعداد الغفيرة من الجماهير التي كانت تطل من شرفات المنازل على ساحة المعبد، بالإضافة للمتفرجين من علية القوم داخل تلك الساحة التي تضم البحيرة المقدسة.

 

خاصة أننا يمكننا تصور الإبداعات المعاصرة في إطار المسرح التفاعلي أو المسرح الاحتفالي الذي يحاول استنطاق المتفرجين للصياح والغناء والحركة أحياناً، في إطار فكرة المتفرج الفاعل، إلا أن صفة الفاعل وهي الصفة الحاضرة في نص انتصار حورس لا تنفي فعل المتفرج كفرجة، وتؤكد حضور النظارة هنا، وهو الشرط الهام لحضور فكرة الإيهام مما يؤكد الحضور الواضح لفكرة المسرح في مصر القديمة. 

 

خاصة أن المسرحية كلها تدور حول فعل الانتصار على ست الشرير إله الشر والصحارى، في احتفال بذكرى النصر والنماء لمصر ولملك مصر. 

 

أما إيزيس فتظهر في المسرحية في هيئة الأم الحنون الحامية مصدر الخير، ومرة في هيئة الزوجة المنتقمة المتعطشة لثأر زوجها أوزوريس. 

 

إنه يوم الانتصار المبارك لحورس ابن إيزيس وأوزوريس، ملك مصر العليا والسفلى، حامي الوجهين وموحدهما الصورة الحية لآمون ابن رع، وهو كما جاء مدونا، كان في هذا النقش بطليموس الملك، عاش أبدا محبوبا من بتاح. 

 

ذلك أن النص تم تدوينه في عهد بطليموس الثالث ملك مصر آنذاك.

 

إن كل ملك منتصر إذن هو حورس الذي عينه شمس والأخرى قمر. 

 

كما أمكن فهم إشارة واضحة إلى أن النص الأصلي المكتوب بالهيروغليفية كان قد كتب شعرا. 

 

فالمسرحية في أصلها الهيروغليفي كتبت شعرا، ولا بد أن المتأمل سيشعر هنا وهناك بأن بعض هذه الأناشيد كانت تصاحب بالموسيقى، ويمكننا أن نخمن نوع الآلات التي استخدمت، ولكن ليس لدينا ما يشير إلى طبيعة تلك الموسيقى أو نوعها.

 

هذا بالطبع بالإضافة لوصف للمكان وللمناظر ولتقسيمها، ولنوع الأردية والأزياء والمكملات المسرحية. مما يحقق عناصر المسرح، وتفاصيله الفنية المتعددة. 

 

فمسرحية انتصار حورس على ثبات حركيتها الدرامية إلا انه ثبات درامي متنوع لفعل الانتصار، يحمل صياغات درامية متنوعة ومتجددة وذات طابع شيق احتفالي تفاعلي البناء مع الجمهور، نادر في تفكيره الدرامي، إذ يخلق التنوع من الفعل الدرامي الواحد دون ان يجعل منه فعلاً دائرياً مغلقا بل فعلا احتفاليا دراميا يتقدم بيسر بطيء لكن في حيوية درامية خاصة. 

 

تلك الحيوية التي تأتي من التوترات الصراعية الصغيرة داخل المشاهد، وتأتي أيضاً من بهجة واستعراضية وتنوع العناصر المسرحية من ملابس ومكملات ومن حضور، واضح للموسيقى والرقص والغناء.

 

مما يؤكد أهمية استعادة تلك النصوص الأصلية واتاحتها للعرض في أماكنها الأصلية الأثرية، بطريقة حية وموسمية ومنتظمة في إطار دعم الثقافة المصرية وعلاقتها بالخارج وإعادة إطلاق الآثار المصرية القديمة في صورة حية مبهجة.