الثلاثاء 20 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

هشام شوقي يكتب: يوميات صحفي تحت العزل

بين ليلة وضحاها وجدت نفسي مضطرا لتطبيق العزل الصحي، وأنا شخص بطبعه اجتماعي، بل إن طبيعة العمل الصحفي تفرض علينا جميعا التواصل الاجتماعي بكافة أشكاله، ومتابعة كل جديد والبحث خلفه، والتفاعل مع الآخرين والانضمام إلى جلسات، فجأة وبفعل كورونا أصبحت رهين المحبسين، المنزل وجهاز الكمبيوتر، وفقدت متعة التنزه بين شوارع وسط البلد أو الجلوس إلى الأصدقاء والزملاء.



 

تبدلت الحياة التقليدية إلى حياة افتراضية، ما بين البرامج الإخبارية التي تبث بالطبع أخبار كورونا ومواقع إخبارية احتل الفيروس التاجي أكثر من 80% من المحتوى الذي تقدمه، حتى الجزء المتبقي مرتبط بها، بل إن الأمر بلغ بي حد الفزع من تلك الحالة والدائرة التي أصبحت أدور بداخلها أنا وغيري ممن يعيشون تحت عباءة ذلك العزل الصحي.

 

الحياة الافتراضية الجديدة جعلتني أكثر متابعة لمواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات زملائي وأصدقائي التخلص من حالة العزل عبر التفاعل على السوشيال ميديا، ومن بينهم من يبث فيديوهات لطيفة، وبينهم من حاول تقديم نصائح لمواجهة وتجنب الإصابة بالفيروس، وأصبح لدي أصدقاء جدد لم يكن لي معرفة سابقة بهم وأصبحت دائرة العلاقات تتخذ منحنى أكثر جدية في النقاش حول موضوعات أكثر جدية والتعرف على ثقافة ومجتمعات جديدة.

 

ألقت فترة العزل الصحي بظلالها على العالم بأسره وجعلت منه سجنا صغيرا يجب أن نتوافق ونتعايش معه لفترة ليست بالقصيرة، فلن نستطيع السفر بالشكل التقليدي، وأصبح علينا أن نفكر بشكل مختلف، وكان اللافت للانتباه هو ما بدأت دوائر السياحة في مصر، وفرنسا وإنجلترا، في اطلاق زيارات افتراضية لمختلف المقاصد السياحة حول العالم، ومن وجهة نظري تلك الزيارات تعيد تنشيط حالة الشغف بالسفر والسياحة المفقودة بفعل كورونا.

 

الخسائر الاقتصادية التي لحقت بعجلة الاقتصاد، والتي وضعت العالم إزاء اختيارات صعب بين مناعة القطيع والعودة للحياة الطبيعية أو البقاء بالمنزل وفقدان العمل كانت اختبارا آخر وحقيقيا للمؤسسات الاقتصادية وقدراتها على تحمل المسؤولية الاجتماعية الحقيقية تجاه المجتمعات التي تعمل بها، كانت السوشيال ميديا حاضرة بقوة في ذلك المشهد فهي بعيدا عن الاعلام التقليدي ومحددات عمله استطاعت أن تكشف عمن يرغب تقديم يد العون بشكل حقيقي للمجتمع بعيدا عن الصخب وبين يمهد الطريق لتوجيه رسائل بعينها انتظارا لحصد مكاسب مستقبلية.

 

وكان من أصعب يوميات العزل هو تحول تلك الجائحة والكارثة التي تهدد الإنسانية، إلى ورقة في دائرة الصراع السياسي، وتبادل الاتهامات بين أمريكا والصين، وتعليقات هنا وهناك حول نظرية المؤامرة وتخليق الفيروس واستخدامه في إطار الحرب الاقتصادية بين الطرفين، بل إن الأمر بلغ بالرئيس الأمريكي إيقاف مساهمة الولايات المتحدة في تمويل منظمة الصحة العالمية، كما دخلت دول إلى دائرة القرصنة والاستيلاء المستلزمات الطبية.

 

توقف كثيرا أمام فيديو لفتاة إيطاليا تداوله مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، وهي توجه الشكر لقادة أوروبا وتذكرهم بتاريخ بلادها وكيف كانت بلادها هي من علمتهم الأبجدية، والفنون، في تصوري تلك الدقائق البسيطة والمشاهد الصعبة مؤشر قوي مستقبل العالم ما بعد كورونا.

 

كانت يوميات العزل فرصة مهمة لمتابعة أداء الحكومة خلال الأزمة الحالية بالرغم من حجم الإمكانيات المتاحة اتخذت مجموعة إجراءات حمائية للفئات الأكثر تضررا من تباطؤ عجلة الاقتصاد، الرئيس يتابع علي أرض الواقع، يتابع العمالة في المشروعات القومية التي يتم استئنافها، هناك تصورات لسيناريوهات الأزمة.

الطواقم الطبية، هم خط الدفاع الأول، هؤلاء هم ملائكة الرحمة يواجهون فيروسا شرسا لا يرحم فريسته، يتركون أسرهم للبقاء إلى جوار مصابي كورونا، ويعودون إلى منازلهم بعد فترة جهد كبير تحت خط العدوي حقا إنهم جيش الإنسانية الأبيض أطباء فقدو الحياة من أجل الحفاظ علي حياة الآخرين، بين مشاهدين لطبيبة تركت آثار الماسك الطبي على وجهها المجهد، طبيب يبكي بسب وفاة مريض يعالجه، فرحة طاقم طبي بنجاة أحد المصابين وخروجه من العزل، وبين مشهد مؤلم لأهالي احدى القرى رافضين دفن سيدة توفيت بفعل كورونا اللعين، كما كان المشهد الأول مدعاة للفخر، ومعبرا عن رقي أصحابه، والثاني مدعاة للعار فوق رؤوس هؤلاء.

 

كان أصعب ما مر علي الأسرة الصحفية هو فقدان اثنين من الزملاء في يوم واحد، الزميلة والصديقة غادة الشريف والزميل معتز الجمل، فقد تحول فيس بوك في ذلك اليوم لدفتر عزاء قاتم، ولم يعد أمام الأصدقاء والزملاء سوى أداء الواجب عبر ذلك الواقع الافتراضي وصلاة الغائب.