الخميس 26 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ورطة الإعلام

ورطة الإعلام

هناك حالة من عدم الاتزان والدوار الإعلامي. توقفت العقول عن الإبداع. وأصبح التكرار هو سمته. تكرار الإعلاميين وتكرار القضايا وتكرار الأسلوب المتّبع في توصيل الرسالة. كانت حالة وانتهت. حالة لاقت رواجًا مقصودًا منذ عقد من الزمان كانت مصر تعاني فيها من تقلص الحياة السياسية وشيخوخة الحكم فظن قادة الإعلام أن تلك الخلطة صالحة لكل زمان وجاذبة لكل الأجيال.



 

لقد توقف الإعلام ما بين أعوام 2005 إلى 2011 ومازال يدور حول نفسه بلا تأثير. وأصبح الجميع في ورطة.

 

لكل زمان رجاله. ولكل حقبة زمنية تمر بها البلاد فكرها. كما أن الجماهير بتغيُّر الأحداث يتغير مزاجهم العام وتتغير قدرة استقبالهم للمحتوى الإعلامي. فقد شبعت الجماهير من العنترية الإعلامية التي أجادت الهجوم على الدولة وعلى أركانها الثابتة وعلى رجالها. حتى لاقت نجاحًا ظن أهله أنها الخلطة الصالحة لكل زمان ولكل نظام سياسي.

 

وعندما تبدلت الأمور واجتاحت أمواج التغيير السياسي البلاد ظن أهل الإعلام بمختلف وسائله أن الخلطة القديمة الحنجورية الزاعقة الناقدة هي السبيل الأمثل للنجاح ولفت الأنظار.

 

 

لذلك فهم يطالبون الآن بالحرية الإعلامية. فقد عجزوا عن معرفة سر التدهور. فكانت النتيجة كما قال سعد زغلول باشا إلى محمود عزام عند التفكير في إنشاء الجامعة العربية (صفر زائد صفر يساوي كام يا عزام؟). فأصبح (الإعلام صفرا ونتيجته صفرا). وهو ما نحن فيه الآن.

 

ففي السنوات العشر الأخيرة ظهرت بوادر جديدة في الإعلام على مستوى العالم تشير إلى بروز ظاهرة أشد تأثيرًا وقوة وعلى نحو يعطيها الفرصة لكي تكون سلطانًا حاكمًا يرث العقائد القديمة المتعثرة في أزماتها.

 

وهذا الحاكم هو ما يطلق عليه الإعلام العولمي. قوانينه متمثلة في رأسمال يتحرك في مختلف الوسائل الإعلامية من دون قيود. وبشر ينتقلون بغير حدود. ومعلومات تتدفق من دون حواجز. تتحكم فيها الحكومات الغربية والشركات العابرة للقارات وصندوق النقد والبنك الدولي التي تدير حوالي ألف بنك وشركة صناعية وتجارية ومالية تتحكم وحدها في نصف الإنتاج العالمي تقريبا ما قيمته 12 تريليون دولار من حجم إنتاج عالمي قيمته 25 تريليون دولار سنويا.

 

تنضم إلى هذه التحالفات منظومة إعلامية عالمية تسيطر على حركة المعلومات والمواد الإخبارية والترفيهية والصور والفيديوهات المتزاحمة في الأجواء والمتدفقة من القنوات الفضائية. وكلها تؤثر بطريقة فادحة على اهتمامات وتطلعات وأمزجة الناس؛ بل إن لها القدرة على إعادة صياغة وتشكيل هذه الاهتمامات والتطلعات والأمزجة وتكاد أصواتها وألوانها أن تحل محل الثقافة وأن تعيد كتابة التاريخ وتعيد ترتيب الشعوب.

 

 

فقد أعلن الرئيس الروسي فلادمير بوتين منذ شهور عند زيارته لمقر قناة روسيا اليوم أن الدولة ستدعم الإعلام بشكل أضخم لتصل صورة روسيا الجديدة إلى العالم. وهو نفس ما قاله أيضا الرئيس الفرنسى مانويل ماكرون مؤكدًا دعم الدولة لقناة (فرنسا 24). أي أن الدول الغربية التي تتبع سياسة الرأسمالية والسوق المفتوحة تدعم من خزائنها قنواتها الفضائية. وهي القنوات التي تبث للعالم وليس للداخل الروسي أو الداخل الفرنسي.

 

ورغم الثورة المستجدة في الإعلام في تعدد المصادر وتدفق المعلومات وقدرة الصورة على نقل الوقائع وضخ الإيحاءات المطلوبة والمصطلحات المؤثرة. تجعل الطرق القديمة التي نتبعها في الإدارة كيانات معرضة للإبادة بعدما فقدت مناعتها وفقدت جودتها. فمنهج التعبئة ومنهج الإنشاء ومنهج الإثارة. وهي مناهج تعتمد على الضغط والإلحاح والتكرار لم تعد ذات قيمة بل فقدت قيمتها وتأثيرها. لكن تعدد المصادر وتدفق المعلومات وقدرة الصور تقتضي تفتحًا وقبولًا واستعدادًا يستجيب للمتغيرات العالمية الحادثة في العالم حولنا. فالعلاقة بين السياسة والإعلام معقدة في كل الدنيا.

 

وهي في مصر أكثر تعقيدًا. فالعلم الحديث وخصوصًا علم الإعلام منقول والتجديد فيه مظاهر مستعارة. لأن التغريب بالتقليد سهل. والتجديد الأصيل مشقة. وهو ما يترجم على الواقع بسرقة البروموهات للبرامج الجديدة من تليفزيونات غربية.

 

 

وهكذا فإنه حتى وسائل التنوير يمكن أن تتحول في أيدينا إلى أدوات تعتيم وتخلف. كما أن وسائل وأدوات التطوُّر والنمو والازدهار والأمن يمكن أن تصبح لها عندنا استعمالات تختلف عن الهدف الذي قصده هؤلاء الذين سخروا لصنعها ما توصلوا إليه من علوم وتكنولوجيا. فالإعلام المصري أنهى قدرة أي حدث يقع في العالم مهما كانت درجة خطورته على تعبئة رأي عام متماسك وقوي لأنه حول الوعي إلى تلقي عام يتسرب إليها ليلًا ما يحدث في النهار.

 

 

هذا الإعلام سبب حالة استغناء بمشاهدة الصور عن المشاركة بالفكر أو الفعل. والنتيجة أن المواطن مدعو كل ليلة لكي يتفرج على برامج مكررة لنفس الأشخاص ونفس الأفكار وعليه أن يجلس أمام الشاشة لأنه لا يستطيع القفز داخلها للمشاركة في هذه الأحوال. هذ الإعلام ربط المشاهد والقارئ إلى حكايات الماضي. فانشغل بها لأنها وافقت نزعة الموروث الشعبي عنده إلى القصص والحكايات والأساطير.

 

هذه الفضائيات بتضارب القصص والحكايا استباحت بالأهواء ما وافق غرض كل قاص وحاك وصاحب أجندة غربية كانت أو خليجية حتى فقد الرأي العام على اختلاف توجهاته احترامه لأي مرجعية ملهمة. وأهم من ذلك تصوره لأي رؤية مستقبلية تجمع الناس حوله. وفي المحصلة النهائية فإن هذا المناخ الذي اختلط فيه كل شيء بكل شيء هيأ فرصة سانحة ولعلها مثالية لعملية سحق الهوية وهدر عقلي ونفسي تغرق الإرادة دائخة في دواماتها.

 

 

مصر مهددة من كل جانب. وهي هدف ثابت وواضح وصريح. وهناك المخطط ويوجد عندنا المستجيب. فليس غريبًا علينا أن نرى ترديًا في كل وسائل الإعلام في كتابة اللغة العربية. أو في نطقها. وليس غريبًا أن نرى لافتات المحلات المكتوبة باللغة العربية تنزع بقسوة لتضع مكانها لافتات باللغة الإنجليزية وبالأدق باللغة الأمريكية.

 

إنها كارثة بكل المقاييس. كارثة لا تتجسد في إهدار اللغة. بل كارثة تهدد الهوية. وتخلق أجيالًا مسوخًا من أجيال غربية. يحملون سلوكًا خارجًا مقلدًا ولا يحملون أصول شعب يتحضر. إنها حرب هوية. تأكل الانتماء. ومع وجود خطط مركزة وعلمية. تبث تعبيرات تضرب أساس الدولة بمهاجمة ثوابتها تهيئ الفرصة للانقضاض والترحيب به في أي وقت.

 

تلك العقول التي تدير الإعلام مكمن خطرها أنها تظن أن تعبئة الداخل يحقق التأثير المطلوب فأصبحنا نتحدث إلى أنفسنا ونصرف الملايين لنتحدث إلى أنفسنا لا يسمعنا أحد ولا نحن نستمع لبعضنا البعض فتحول المجال الإعلامي كله فرصة لثراء رجاله. وفرصة كبيرة لبقاء عقول قديمة تتبع أنماطًا قديمة ففقدنا قدرتنا على التأثير.

 

علينا أن نعى أولًا ما هو الإعلام وهو أمر بديهي، ومعرفة كيفية استخدامه واستراتيجيته والجمهور المستهدف وعلينا أن نحدد حجم مصر جيدًا. تمددها ونفوذها وأمنها القومي. لا أن ندير الإعلام كما يدار الدوري المصري لكرة القدم. نفس اللاعبين يدورون وينتقلون ما بين الأندية فينتج لنا مستوى كروي متردٍ كالذي نراه. الإعلام في ورطة حقيقية. ورطة عقل وفكر واستراتيجية وقيادات. وورطة رجال.