

د. حسام عطا
إطلاق المصحف الحجازي الشريف المصري القديم
في تدافع الأحداث والصور والمشاهد المتلاحقة، وفي حيوية احتفال مصر بالمولد النبوي الشريف وانتصار أكتوبر العظيم.
تابعت بكل تقدير واعتزاز حدثًا هامًا أردت الاحتفاء به والإشارة له، ألا وهو الفخر بعملية الانتهاء من ترميم مصحف حجازي مبكر أثري.
وهو مخطوط تاريخي تراثي، واحد من المصاحف الشريفة التي بقيت منذ عصر محمد رسول الله ﷺ حتى الآن.
ففي ظل الآمال والآلام والإنجازات الواضحة على أرض الواقع ومخاوف العبور للمستقبل، حرصت الدولة المصرية في وزارة الثقافة على أن تتابع وتتم عملية الترميم لهذا المصحف الشريف الأثري.
تعبيرًا عن اهتمام د. نيفين الكيلاني بالمكون الإسلامي كأحد أهم عناصر تكوين الهوية المصرية، وهو ما جاء في كلمة د. أسامة طلعت رئيس دار الكتب والوثائق القومية، مؤكدًا أن مصر مهد الحضارة ومنبع التراث الإنساني المادي واللامادي وكنزه الثري الذي يتكشف يومًا بعد يوم بشكل يدهش العالم.
وبدعوة كريمة من السيدة ميرفت الكومي، والتي أعدت تلك الاحتفالية المهمة في ذكرى المولد النبوي الشريف بمقر دار الكتب والوثائق القومية الجديد بجوار متحف الحضارة بالفسطاط وهي المنطقة العريقة، والتي تستعيد جمالها لتجمع بين الأصالة ومظاهر الحداثة معًا بعد أن عانت من إهمال كبير.
شهدت بعيني جمال النسخة الأصلية للمصحف الشريف الذي تمت عملية ترميمه واستعادته، ليتم عرضه في مساء مبهج في السابع والعشرين من سبتمبر المنقضي 2023. ويعتبر هذا المصحف النفيس والذي يحضر معروضًا الآن بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، من أهم وأقدم المصاحف الموجودة بالعالم.
وقد أنجز المهمة فريق متخصص وهم المرممة المختصة نجوى سيد محمد رئيس فريق الترميم، يعاونها أمل محمد محمد وشيماء مصطفى محمود باحثة الترميم، والأستاذ جون ممفورد من جمعية المكنز الإسلامي والخبيران صالح الأزهري وأسامة التلباني.
أما هذا الكنز الشريف فهو من الكنوز النفيسة الموجودة بدار الكتب والوثائق القومية، وقد كان محفوظًا بالجامع العتيق وهو جامع عمرو بن العاص، وقد تم نقله وحفظه في دار الكتب منذ سنة 1911م.
وهو مكتوب على صحائف الرق بالخط الحجازي، وهو ما عرف أيضا بالخط المدني.
وهذا النوع من خطوط الكتابة العربية أقدم في ظهوره من الخط الكوفي.
وله مجموعة من الخصائص تميزه لعل أبرزها حروف الألف واللام المستقيمة بميل في اتجاه اليمين.
كما يميزه أيضا وجود عدد من النقاط وعلامات التشكيل المعروفة، وتم استخدام هذا الخط في صدر الإسلام بشكل عام، تدلل على ذلك النقوش الصخرية وشواهد القبور المبكرة وأوراق البردي الباقية.
أما مراحل عملية الترميم فقد بدأت بتصوير هذه الأوراق النفيسة تصويرًا فائق الجودة لتوثيق وإثبات مظاهر التلف الموجودة به.
ثم تم إجراء فحص دقيق للتحقق من ترقيم المصحف ومطابقة صفحاته للنص القرآني.
ثم عملية التنظيف السطحي الجاف للرق باستخدام (الفرش) الناعمة وممحاة تستخدم للضرورة.
ثم عملية ترطيب الصحائف وتليينها، وقد تمت أعمال التقوية للمصحف باستخدام أدنى حد للرطوبة.
وتم التليين بصورة محكمة وبشكل غير مباشر عن طريق وضع الرق بين مادة (الجورتكس) وورقة الترشيح الرطب.
وتم الاستعانة في بعض الأوراق بجهاز ترطيب يعمل بالموجات فوق الصوتية وينبعث منه تيار خفيف من بخار الماء.
ثم تأتي عملية الفرد، فبعد أن وصل الرق إلى الليونة المطلوبة تمكن فريق العمل من إزالة الحزوز والتشوهات، وإعادة سطح الرق لشكلة الأصلي.
ثم عملية ترميم الأحبار، وفيها استخدم فريق العمل تقنية الترميم بالأنسجة القابلة لإعادة التنشيط باستخدام الترطيب لتقوية صفحات المخطوط التي تعرضت للتلف وتآكل الأحبار وتم استخدام لاصق (الجلاتين) لمنع حدوث مزيد من الأكسدة للأحبار الحديدية.
ثم عملية الترميم والتجليد، والتي تمت عبر استكمال الأجزاء المفقودة وترميم الحواف باستخدام الورق الياباني (والجلاتين) كمادة لاصقة؛ جمعت الصحائف في شكل ملازم وتم خياطة الملازم على الطراز الإسلامي دون دعامات كما استخدم جلد الماعز في صناعة غلاف للمصحف الشريف.
وهو ما يستحق كل الشكر والتقدير بعد أن أصبح المصحف سليمًا مستقرًا لكل فريق العمل من إدارة المخطوطات ومجموعة ترميم الرق بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية.
كل عام ومصر وشعبها العظيم في خير وسعادة، دمتم في حفظ النور الحارس للقرآن الكريم ولمصحف رائع يحمل بصمات العارفين بالله من الأوائل المباركين الذين يزينون تاريخ مصر الحبيبة.