عاجل
الثلاثاء 16 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
اعلان we
البنك الاهلي
عن الذكاء الاصطناعي وأم كلثوم.. قراءة في التلقي

عن الذكاء الاصطناعي وأم كلثوم.. قراءة في التلقي

كيف يمكن تأمل الخلاف الدائر الآن في مصر، والذي لم يتم حسمه فوصل إلى ساحة القضاء؟



إنه خلاف فني فكري تم حصره في التصفية النهائية للجدل الكبير في نطاق الملكية الفكرية وحقوقها المادية والمعنوية. 

 

وهو الخلاف الذي ينظر فيه القضاء المصري الآن، حول مسألة إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في استعادة صوت كوكب الشرق أم كلثوم كي تغني أغنيات جديدة لملحن مصري معاصر في عام 2023، بعد رحيلها عن دنيانا منذ الثالث من فبراير 1975.

 

إذ يبدو النقاش والخلاف الدائر كنتيجة طبيعية لتطور التكنولوجيا وقدرتها على استعادة بصمة الصوت البشري واستخدامه في الحديث والغناء، ولذلك فقد كان بشكل مبدئي يجب الذهاب لسماع النتيجة التي حدثت وأصبحت أمرًا واقعًا، وهي إطلاق مقطع غنائي بسيط لهذه التجربة وبالاستماع إليه، وهو يتنامى في المقطع الترويجي الذي تم إطلاقه كي يتشابه مع عالم أم كلثوم وخاصة أغنية "حب إيه" الأصلية لكوكب الشرق.

 

وهي تغنى في الكلمات الجديدة مستهلة عبر تقنية الذكاء الاصطناعي المقطع بكلمات تبدأ "افتكرلك إيه" وتتحدث عن "أن طول البعد غيرني" ثم تختتم المقطع المتداول قائلة: "وتعتذرلي بعد إيه".

 

ويأتي المقطع في صياغته اللحنية محاكاة لألحان متعددة لأم كلثوم وأقربها إليه من حيث الصياغة اللحنية أغنية "الرضا والنور" لكوكب الشرق، وهي من أغنيات الفيلم الشهير "رابعة العدوية"، وهي من كلمات الشاعر طاهر أبو فاشا وألحان الملحن الكبير رياض السنباطي.

 

ورغم عدم تطابق الطابع اللحني والمقامات الموسيقية للمقطع الترويجي الجديد المصطنع عبر الذكاء الاصطناعي مع اللحن الأصلي للسنباطي، إلا أنه يذكرك به فور الاستماع له.

 

إنه من ذات الطريقة لكنه يشبهها إنه عمل جديد لملحن يحاول تقليد روح المبدع العبقري رياض السنباطي، لكن كيف للنسخة المقلدة أن تصبح مثل الأصل الإبداعي المتفرد؟

 

إن محاولة الملحن عمرو مصطفى لإعادة إطلاق روح المنظومة اللحنية الأصلية محاولة لافتة للنظر وتفكير إيجابي في استخدام الذكاء الاصطناعي، سبقه إليه الغرب في إعادة إنتاج أصوات شهيرة عبر التقنية التكنولوجية.

 

ولا شك أنه تفكير مقبول على سبيل إطلاق تجربة واحدة أو بعض منها، إلا أنه لا يمكن فهمه وقبوله كطريقة إبداعية جديدة يمكنها إنتاج الماضي بطريقة معاصرة.

 

وبعيدًا عن الموقف الرافض للتجربة متمسكًا بحقوق الملكية الفكرية لأغاني كوكب الشرق أم كلثوم، وهو موقف المنتج الفني محسن جابر، فإن الفهم والتفسير واستقبال التجربة ربما يحتاج إلى مقترب مختلف عن الصراع الدائر الآن حول الموضوع.

 

وبتأمل تجربة الذكاء الاصطناعي في استعادة صوت أم كلثوم يمكننا كمقترب مبدئي أن نعود للظروف الموضوعية التفاعلية في زمن سيدة الغناء العربي، بتأمل التجربة الثقافية للجمهور المصري والعربي آنذاك، وكيف كان يعيش وما هو إيقاع الحياة اليومية آنذاك، وما إلى ذلك من عوامل مصاحبة ومؤثرة للغاية في صناعة نجاح سيدة الغناء العربي.

 

وهكذا يمكننا أن نتأمل إجابة الملحن العبقري المصري بليغ حمدي عندما أجاب في حوار مسجل منتشر الآن على الشبكة الدولية للمعلومات، عن سؤال الفنان الكبير صوت الحب والوطن عبد الحليم حافظ له:

 

"هل إحساسك يا بليغ وأنت تلحن للسيدة أم كلثوم بيبقى مختلف وأنت بتلحن لغيرها؟

بليغ: لا الإحساس مش مختلف، المختلف الإحساس بالزمن... أغنية ساعة... ساعة ونص، بيخليني أفكر في زمن الأوفرتير- "المقدمة"– وزمن الكوبليهات.... إنما الأول لازم يكون كلام مقتنع بيه، وإحساسي هو الإحساس الأول بالكلام".

 

وبليغ يقصد أن علاقة الملحن الطبيعية تكون بالشعر أو كلمات الأغنية، ثم يأتي بعد ذلك من المطرب.

 

كانت أم كلثوم إذن صاحبة أسلوب خاص، وطريقة خاصة في التعامل مع الزمن لا تصلح لغيرها بالتأكيد. 

 

وهذا هو الطابع الشخصي الخاص لعبقرية الأداء المبدع للفنان الذي يصبغ المؤلف والملحن والموسيقى بطابعه الخاص.

 

فهل يمكن استعادة طريقتها في التعاطي مع الزمن في زمن مختلف. 

 

إننا نجلس لنسمعها الآن بذات المدة الزمنية لأنها تحقق لنا ذلك الانسجام والاسترخاء الذي كانت تصنعه لمستمعيها القدامى، وذلك لأننا نستمع للنسخة الأصلية، وهي حالة خاصة عابرة للزمن. 

 

هذا أولًا وهو أمر يصعب إعادة إنتاجه مجددًا بالذكاء الاصطناعي. 

 

أما ثانيًا، فالسيدة أم كلثوم حالة نادرة في التلقي بجمهورها الذي يرتدي ملابس السهرة الرسمية ليذهب إليها، وبجمهورها الذي ينتظر بجوار المذياع آنذاك. 

 

ثالثًا: لا يمكن الاعتماد فقط على نبرة الصوت التي يصنعها الذكاء الاصطناعي دون ذلك الفهم العميق للمعنى الذي كان يظهر في غناء كوكب الشرق. 

 

إنها إرادة الإبداع القائمة على الاختيار والفهم والعاطفة والانحياز لمعنى وقيم جمالية بعينها، وهو طابع إبداعي خاص لا يمكن لغير الإنسان إدارته. 

 

رابعًا: ليس من حق أحد استخدام أصوات العباقرة الرموز مرة أخرى، ليس على سبيل حقوق الملكية الفكرية، ولكن على سبيل حقوق الإنسان في أن يختار لصوته ما يشاء من المعاني والأسلوب الجمالي، لأن الصوت الإنساني المبدع مسؤول بكل إرادته عن اختيار ما يقدمه، ويفقد عنصر الإرادة الإنسانية برحيل الجسد. 

 

لا يمكن لأحد استخدام هذا الحق الإنساني مجددًا، خاصة مع الرموز الوطنية والإنسانية الكبرى، مثل أم كلثوم التي تمثل روح مصر والوطن العربي. 

 

وبشكل ما، ومع كامل احترامي للمقطع الترويجي بصوتها المستعار، ففي تقديري أن الكلمات لا ترقى لصوتها من حيث المعنى والصياغة، وإن اقترب اللحن من عالم السنباطي الذي لا يتكرر. 

 

ولذلك ولكل الأسباب السابقة ولأسباب أخرى، فعلى الجيل الجديد والمعاصر من المبدعين أن يتأملوا درس أجيال العباقرة، ومنهم السيدة أم كلثوم لإنتاج أعمال جديدة بمواهب جديدة من مواهب مصر التي لا تكف عن إنجاب المواهب، لأنها الأم المبدعة على الدوام. 

 

وصنع حساسية مشتركة للجيل المعاصر تدرك درس المجد ليس كي تستعيده مقلدًا بلا روح ولا دفء عاطفي، بل لتقدم الجديد المبدع الذي يحافظ على جوهر وقيمة الإبداع.

 

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز