الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
قم من الممات "يجب أن تعيش"

قم من الممات "يجب أن تعيش"

تنوعت الأساطير في حياة قدماء المصريين، استجابة لنمو وتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية والسياسية للمجتمع، وكان لكل أسطورة فلسفتها واتجاهها، كوسيلة ومدخل إلى تفسير الحياة المصرية القديمة.   وقام الفنان المصري القديم بتجسيد تفاصيل هذه الأساطير المختلفة على جدران المعابد والمقابر، بالنحت البارز والتصوير كانعكاس للفكر السائد، وتحويل للتصورات الأسطورية إلى صورة للعالم المرئي، مثل قصة إيزيس وأوزوريس.    ولم يعرف الفنان المستحيل عند تصوير هذه النصوص، واستطاع أن يزيد من القيمة الرفيعة للفن المصري القديم، ومنزلته العالية على مر العصور.



  وتعد الأسطورة الأوزورية من أعرق الأساطير المحببة لدى قدماء المصريين، فقد تضمنت معاني إنسانية واجتماعية وخلقية وتاريخية، ومثلت في بداية التاريخ المصري نبراسًا للمعاملات الاجتماعية والدينية.

  القصة     "أوزوريس" هو الابن الأكبر لآلهة السماء "نوت" وإله الأرض "جب"، وملك مصر الذي حكم البلاد في أزمنة خارج الذاكرة البشرية، وقد اعتلى العرش بمساعدة آلهة الحكمة "تحوت"، وعلم المصريين زراعة الحقول ومداواة الأمراض وتربية الحيوانات، وأعطاهم الشرائع والعدل.

  لكن "ست"- إله الصحارى وشقيق "أوزوريس" الأصغر- كان قد ملأ الحسد قلبه، وعزم على قتل أوزوريس بالحيلة، فأقام وليمة وأعد تابوتًا مطعمًا بالحجارة الثمينة، وعندما دخله أوزريس لاختبار توافقه مع جسده أغلقوا عليه الغطاء ورموه في النيل، وعندما علمت "إيزيس" بدأت تبحث عن جثمان "أوزوريس" بحثًا طويلًا مليئًا بالحوادث، حتى عثرت عليه في النهاية، وقد كان صوت نحيبها يعمل دائمًا على إيقاظ الإله.

  "إيزيس"، فاعلة الخير التي حمت أخاها، والتي لم تذق طعم الراحة حتى عثرت عليه، هي التي أمدته بالظل بريشها وبأجنحتها أوجدت الهواء، وهي التي صاحت عاليًا من الفرح وجاءت بأخيها إلى الأرض، وهي التي أنعشت صاحب القلب المتعب، وقد أخذت نطفته وولدت له ولدًا، وهي التي أرضعت الطفل في عزلة، في مكان لم يكن معروفًا لأحد.

  عش يا "أوزير"

"قم يا أوزير" قم، قم من الممات، يجب ألا تموت، يجب أن تعيش".

 

وتجرى قصة "أوزوريس" وفق متون الأهرامات كما يلي:

  قتل الملك "أوزوريس" بيد أخيه "ست" في "نديت"، وعمدت "إيزيس" و"نفتيس" أختا "أوزوريس" إلى البحث عن الجسد، حيث وجدتاه في "نديت" وأخذتا تنوحان عليه.

  ثم أعادت "إيزيس" "أوزوريس" إلى الحياة حتى يولد طفلهما، ثم كان أن ولد "حورس" وأرضعته في الأحراش، وتغلب "حورس"- وهو طفل- على ثعبان "صندل حورس يطأ الثعبان الخطير، إنه خطر على "حورس" الذي لم يكن سوى طفل أصبعه في فمه"، ثم بلغ مبلغ الرجولة عن طريق شعيرة تركزت على رباط حزامه أدتها "إيزيس"، ثم خرج ليرى أباه فوجده، ثم عقدت محاكمة رأسها "جب" في عين شمس، حيث أنكر "ست" قتل "أوزوريس"، وحيث برز السؤال إن كان "حورس" هو الوريث لأبيه. 

  ثم أعلن حورس ملكًا، وسرق "ست" "عين حورس"، ثم استردها "حورس" في معركة مع "ست"، وحملها إلى أبيه القتيل "أوزوريس" ليحييه.

  وعندما عثر "ست" على التابوت أخرج الجثة، وقطعها إلى اثنين وأربعين قطعة، بعثرها في أقاليم مصر المختلفة، وذهبت "إيزيس" للمرة الثانية تبحث عن الجثة، ودفنت كل قطعة وجدتها، وأمر "رع" أنوبيس بتحنيط الجثة، ورفرفت "إيزيس" بجناحيها حينذاك عليه فأعادت له الحياة.

  يقول النص: "إن القبر فتح له، لقد أخرج لأجلك اللبن من القبر العظيم بعد أن يستيقظ "أوزير"، ويفيق الإله المتعب من رقدته، ويقف منتصبًا ويتمالك جسمه، قف إنك لن تفنى، إنك لن تفنى".

  من خلال إعادة النظر إلى النصوص والمناظر الأسطورية نستطيع إعادة بناء القصة وترتيبها في مقتل أوزير، والتي بدأت بخديعة من "ست" في حفل عام دعي إليه عدد من الأمراء، بدعوى تجربة تابوت كان قد أعده مسبقًا لأوزير، ثم أحكم غلق التابوت على أوزير ومعاونيه، ثم بدأ البحث عنه ومساعدته في العودة للحياة بواسطة "إيزيس" و"نفتيس" و"حورس" و"أنوبيس".

  إنها أسطورة طويلة ذات حلقات متعددة، تمتاز بعمق روحي من خلال رواية انتصار الخير على الشر، وعند حذف الجانب العاطفي منها يتألف منها أساطير منفصلة في شكل روائي، مثل الصراع بين "حورس" و"ست".

  وقد عاش المصري القديم في التحام لصيق مع القوى الإلهية، والأسطورة هي التمثيل المجازي لفكره وقيمه الأخلاقية، فهي تعلي من قيم وفاء الزوجة لزوجها وبر الابن لأبيه، وانتصار الخير على الشر، فقد أخذ نفوذ "أوزوريس" ومصيره في العالم الآخر ينتشر بين كل طبقات المجتمع، والمغزى الأساسي هنا هو الصراع بين الخير والشر، وقصة الخيانة متمثلة في "ست"، وهذا هو المدلول الأصلي في العقيدة الدينية.

  وقد ارتبطت الأسطورة الأوزورية بتجسيد صور رمزية لنمط الحياة الذي يتحقق بالموت، والإنجاب، والميلاد.