عاجل
الخميس 30 يونيو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
الخواجة لويجي والأسطى جوزف!

الغربة الأولى 7

الخواجة لويجي والأسطى جوزف!

لا تتخلص بيروت، بسرعة، من شبهات الليل على جسدها، يَتَفَتَّحُ النهار عليها، محمومة، ينغلُ االناس فيها، يسعون الى العمل، والقرش، و... الخبز.



تمرُّ بعينيك على العيون، والوجوه، والمطارح، التي تعودت أن تراها كل يوم، في طريقك الى المكتب، ومع ذلك كنت تجدها مختلفة، متجددة، تلبس فساتين وحلى المناسبات. فبيروت تحت أن تتزين لأعياد ناسها، لعيد "الميلاد" زينته وألوانه، وألعاب "محلات قيصر عامر" للأطفال، بمحاذاة سينما "راديو سيتي"، في ساحة البرج، التي كانت أول محلات كبرى لألعاب الأطفال في الشرق تبيع منتوجات المصانع الأوروبية ، ولشهر "رمضان" و"الفطر" في خواتيمه، طقوس ونكهة خاصة، ولعيد "الفصح" بيض الشوكولا، وللأعياد الوطنية، رونق الأعلام والأناشيد.

 

و... تقف أمامه، "شوبيك لبيك"، يفتح الباب الزجاجي الكبير على مدخل المبنى،فمه آلياً! ما كنا في مصر، في ذياك الزمن، نعرف "الأبواب الآلية"، التي تتمتع بعين حساسة عندما تراك تفتح الباب أمامك، ولا كنا ، بعد، استخدمنا "السلالم الكهربائية المتحركة"، وقد ترددت ، مرات، وبخجل، قبل أن تسمَّرت رجليَّ على درجاته، وتركته يترفع بي الهوينا... فأصبحت تلك السلالم، أليفة، محببة ، و...مريحة.

 

تمطَّت في المكتب حركة متكاسلة، هكذا، كات ن تبدأ نهاراته، متثائبة، كسولة، قبل أن تدب فيه الحركة، تراوغه، فيتململ من الكلام، وطول الاجتماعات، والاتصالات، والنقاشات... ويمضي الوقت، وتشعر، لمّا، يبدأ النهار يودع شمسه، أنَّ المكتبَ، الملتاع، يود لو تتركه  فيرتاح منك، ومن العجقة، وكثرة الكلام... يود لو تتركه بحاله، يهنأ بالسكون.

 

ما كدت أجلس الى الطاولة، وأرمي نظرة عجلى على الملفات، والأوراق المبعثرة أمامي، حتى جن جرس الهاتف بالرنين. على الطرف الآخر، صوت أليف، فيه غنَّة تشد لها حنجرته، حيناً بعد آخر، فيستحيل الى نبرات صارمة.أرسل"موسيو لويدجي"الكلام على رسله، وإنعجق في تركيب جمله ، وترتيب الفاظه، بلكنة خاصة به، لا هي "أثيوبية"، وهو من منبت "أديس أبابا"، ولا إيطالية، الحامل جنسيتها من زمان. وكنا في "روز اليوسف" تعودنا على فهم ما يقصد، خصوصاً، عندما ييركب الكلام بلغة تقنية، فهو  لا يجارى في فهم عمل آلات فرز الألوان،  وقد تدرج في الصنعة، الى أن أصبح رئيساً لقسم فرز الألوان في دار "روز اليوسف".

 

راح "موسيو لويدجي"، بمستطيل الكلام، يعوذ بي ويستجير في محنته ومحنة "روز اليوسف"، للحصول على أحبار طباعة "أوفست"، وأفلام فرز الألوان، فلقد توقفت مطابع الألوان في "الدار" لعدم توفر أحبار وأفلام، وتلك أزمة، إعتادت المطابع في مصر المرور بها، بسبب من توقف الإستيراد، وندرة العملة الصعبة. إضافة الى عدم وجود مصانع مصرية، تنتج خامات الطباعة وأحبارها، ما عدا مصنع" باكين" للدهانات الصناعية، فأخذ يصنع أحبار الطباعة، إلاَّ أنّها كانت دون المستوى المطلوب، ولم تتمكن من تحقيق الجودة، التي تتطلبها آلات "أوفست"الحساسة.

 

كيفما تلفت في بيروت، تجد مبتغاك، وتلك من نعمة الاقتصاد الحر المفتوح على المنافسة¸فليس من حبر او افلامالا وتجد لها وكلاء حصريون في بيروت¸يستحضرونها¸ ويتنافسون على اسعارها وعلى جذب الزبائن.

 

كانت مطابع "روز اليوسف" تستخدم تقنية "تيبو" في الطباعة وباستخدام آلة التنضيد الآلي بالرصاص الساخن "لينو تايب"(1) وزيكوغراف (2) للصور ويسمى في لغة الصنعة "كليشهات"، وقد عرف الارمن بانهم أسياد الحفر على "الزنك" وكانت لهم في الإسكندرية ، زمن كانت "كوزموبوليتانية" وترطن بلغات الأرض، وفي القاهرة محترفات للحفر على "الزنك"(زنكوغرافيا)، وكان سيد الحرفة آرام بربريان، الذي كان في الخمسينات يقوم بإعداد "كليشهات" غالبة الجرائد، والمجلات، الصادرة في هاتيك الزمن، إضافة الى أغلفة الكتب والمطبوعات الدعائية. أما "روز اليوسف"، فقد إختارت الإعتماد على طوروس خاتشادوريان، و ديكران وزافين، فكان خيارها موفقاً.

 

لم تكن مهمتي صعبة في إيجاد ما ألحَّ عليه "موسيو لويدجي" لتشغيل مطابع "روز اليوسف"، فجمعت ما إستطعت من أحبار، وأفلام ، ومواد طباعية أخرى، وحدث أن أحد الأصدقاء اللبنانيين، كان على سفر الى القاهرة، فثقلت عليه، بما لدي من مونة، فحمل ما قدر على حمله، أما باقي ما إبتعت فقد أرسلته بوساطة الخطوط الجوية المصرية.

 

فأوفيت بما تضمنه العقد المبرم مع إدارة "روز اليوسف" بأن ألبي، من بيروت، إحتياجات المؤسسة  من المواد والخامات الطباعية، المفقودة دائماً ، ولا يمكن الحصول عليها في مصر، لقاء منحي إجازة مفتوحة من دون مرتب. طار "موسيو لويدجي" بزهوه، وعادت مطابع دار روز اليوسف" تدور وتلون صفحات مجلاتها.

 

رَنا إليَّ مَليّاً، ثُمَّ سألني: "متى نرى أول بروفا؟!" نَدَّت عن يده حركة مستفسرة، لوح إسلام شلبي، بورقة رفعها عن الطاولة أمامه، وكانت روزنامة  خطة النشر التي وافقنا عليها . وقد كنت بدأت بتنفيذ، المرحلة الأولى لتنفيذ خطة النشر تلك، وهي حسب العرف المتبع في الطباعة، تتضمن " تجهيزات أوفست " (3) من فرز الوان، و"مونتاج" ... 

 

وكما كانت بيروت سباقة في الطباعة وفنونها، ، كانت سباقة أيضاً في حرفة "فرز الالوان"، وهي في طبيعتها، حرفة مستقلة عن المطبعة نفسها . وكان للبنانيين الأرمن الكأس المعلى في هذه الحرفة، كما في صناعات وحرف أخرى، (مثل صناعة الأحذية ، و"الإسكافية، وصناعة الصياغة والمجوهرات)، حملوها معهم سنة 1915 و1916 الى لبنان هرباً من عملية القتل الجماعي الممنهج في أراضي الدولة العثمانية على يد "حكومة جمعية الاتحاد والترقي ". 

 

ومع أن مجازر متفرقة قد ارتكبت بحق الأرمن منذ منتصف العام 1914، فإن المتفق عليه أن تاريخ بداية الإبادة هو 24 من إبريل 1915، وهو اليوم الذي جمعت فيه السلطات العثمانية مئات من المثقفين وأعيان الأرمن واعتقلتهم ورحلتهم من القسطنطينية (إسطنبول اليوم)، إلى "ولاية أنقرة" حيث لقي أغلبهم حتفه. وعملية الإبادة ، التي أمر بها "الباشاوات الثلاثة "( محمد طلعت با،شا وإسماعيل أنور باشا، وجمال باشا، الملقب بالسفاح والذي علق المشانق في ساحة البرج في بيروتكما مر معنا)، نفذت على مرحلتين ،بصفتها جزءاً من" سياسة التتريك"، المفروضة بالقوة. في المرحلة الأولى قُتل الذكور البالغون جماعياً، في المرحلة الثانية، أجبرت النساء والأطفال والشيوخ، حسب قانون التهجير، على المشي في مسيرات موت حتى "بادية الشام" في عامي 1915 و1916حيث تعرضوا لعمليات نهب ،واغتصاب، وقتل دورياً،وتشير التقديرات إلى أن عدد من أجبر على هذه المسيرات يتراوح بين 800 ألف حتى 1.2 مليون أرمني وبأن 200 ألفاً منهم على الأقل كانوا لا يزالون على قيد الحياة في خواتيم سنة 1916، أما الذين قضوا موتاً فيبلغ عددهم بين 700 الى مليون نسمة. والكلام عن مأساة الأرمن تطول وليس هاهنا مكانها.

 

الى لبنان لجأما يزيد على 160 ألفاً، ما لبثوا أن إنصهروا في النسيج اللبناني، وإندمجوا، فأخذوا من اللبنانيين ، وأعطوا، عَلّموا وتَعَلَّموا، وتصاهروا، وتزوجوا، وبفضل النظام اللبناني الديموقراطي المنفتح والمتفتح، الذي يحافظ على حقوق وخصوصية كل طائفة من الطوائف التي تشكل الحياة اللبنانية، حافظ الارمن على ثقافتهم، ولغتهم، فبنوا المعاهد ، ومنها معهد "الآباء المخيتاريست" في  منطقة "الحازمية" للأرمن الكاثوليك، وقد بني الى جانب الدير، والكنيسة، على مساحة 16 ألف متر مربع، كما أسسوا جامعة "هايغازيان"، الجامعة الأرمنية الوحيدة ، في الشرق الأوسط ، وكل ذلك لم يمنعهم من التفاعل والاتصهار الكامل في الحياة الثقافية، والفنية، اللبنانية، فكان منهم النحاتون، والرسامون التشكيليون، والمسرحيون، ونشطوا في الحياة السياسية، فدخلوا البرلمان وكان لهم وزراء في الحكومات التي تتعاقب. 

 

وكان أن إخترت من بين الشركات المتنافسة في فرز الألوان، اشهرها ، شركة "ليون غرافور" Léon Gravure التي أطلقها الحرفي المتميز، وسيد فن فرز الألوان ليون ترزيان ، وعليه تتلمذ إبناه هراتش و ميساك ، الذي أجادوا، وأكاد أقول بزوا والدهم في الصنعة والحرفة، وأوكل ليون إدارة محترفه وشركته الى جيرار ديرفيكوغسيان، وتولاها عن جدارة، وحافظ عليها فنمت، وكبرت، وأصبحت الأفضل، ليس في لبنان فحسب إنما في العالم العربي.

 

وبفضل ليون وولديه ، وفريق من العاملين المهرة، تمكنت من تقديم مستوى على رفعة في التقنية، مميزاً، بين مطبوعات" الهيئة المصرية للكتاب"، وبان الفرق واضحاً وشاسعاً، بين ما كان ينتج في القاهرة، وما أنتجناه في بيروت، فشتان بين الثرى والثريا.

 

ولم يقتصر تعاوني مع "ليون غرافور" على ما ننشره في الهيئة، إنما في تنفيذ العديد من أصعب التصاميم لأغلفة لمجلات ومطبوعات مختلفة ، كنت أتولاها الى جانب عملي مع إسلام شلبي و"الهيئة"، وكان ذلك في وقت لم تكن هناك، بعد، برامج اليكترونية لتنفيذها مثل "فوتوشوب"وغيرها ... فكان العمل يتطلب مهارة فائقة، فهو ينفذ يتم بتقنية "فوتو مونتاج" Photo - Montage يدوياً ، منها غلاف في زمن أزمة البترول والصراع الدولي للرئيس الأمريكيمع الدول المنتجة والمصدرة للبترول .

 

ومع إشتعال أول شرارة من الإحتراب الداخلي في إبريل سنة 1975 صممت غلافاً معبراً عن الحادث الجلل، الذيدمر لبنان، وكان الغلاف يمثل تفاحة حمراء تنزف دماً رمزاً للوضع اللبناني الدامي والمؤلم. وأغلفة أخرى صعبة التنفيذ، كان كانوا في "ليون غرافور" ينفذونها بمهارة فائقة، وتقنية رفيعة المستوى، لا تجاري. وقد تناقلت وكالات الأنباء هذه الأغلفة، وتحدثت ليس فقط عن الابداع في التصميم وإنما أيضاًالقدرة العالية، والمتفوقة لتنفيذها. كان ميساك ليون ترزيان، موهوباً في اعمال "فوتو مونتاج" اليدوي لا يعصاه تنفيذ أي فكرة ، وقد أسهم مع فريق عمله، في تقديم اعمال طباعية مبدعة ومبهرة ، جعلت من بيروت، أهم مركز للطباعة، ليس في العالم العربي وحده، إنما في العالم. 

 

وكانت سنوات الدم، والدمار، التي خططت لبيروت، وللقضاء على دورها الريادي في كل المجالات. وحملت حقائب السفر، مرغماً، وتركت بيروت المشتعلة، إلاّ أن علاقتي بميساك وهراتش، لم تهتز، إستمرت على كَرِّ السنين، ويوم سافر ميساك لدارسة الطباعة في "كلية لندن للطباعة" LPC إلتقيت في العاصمة البريطانية التي فيها كانت غربتي الثانية، ومضى ميساك بعدها الى الولايات المتحدة ، ليصبح من أنجح الفنانين التشكيليين ، أما هرتش، طور الشركة بعد ان انتقل الي" منطقة الدكوانة" لتصبح "ليو- ديجاتيل برس" Léo Digital -Press واحدة من انجح مطابع التقنية الرقمية في العالم العربي ، ، كما اسس جيرار ديرفيكوغسيان "شركة فوتوغرافور وارطان".

 

المرحلة التالية من مراحل الانتاج لعملية المونتاج ، تحويل الصفحات الي " ملازم " تتضمن كل ملزمة 16 صفحة،توزع حسب ترتيبها مع مراعاة مساحة امان للصفحات بترك " هوامش " لتجنب عيوب الطباعة، من قص الورق ... وما الى ذلك من عمليات مابعد الطباعة ،كي لاتفقد اي من عناصره في حالة انحراف القص في المطبعة ، وملاءمته لقياس الورق وتلك عملية، من الدقة والمهارة بمكان، فإن لم يتولاها محترف واثق من صنعته، تسببت بخسائر جمة، في الورق، وبورصته تعلو وتنخفض باستمرار، إضافة الى الخامات المكلفة هي الأخرى. دلوني على جوزف رعيدي الدويهي، ، فذلك الشاب "الزغرتاوي"الوسيم، البهي الطلة، كان من أمهر، وأفضل من إشتغلوا في فن المونتاج، المتطلب، عدا المهارة، الذوق، والحس الإبداعي. وقتذاك، كان يعمل في قسم المونتاج في مطبعة في منطقة "الجميزة"، ويتولى أعمال المونتاج لمجلة Monday Morning ومجلة "الأسبوع العربي"، وشقيقتها    Le Magazineباللسان الفرنسي. فسعيت إليه.

 

  دارت عيناي في المكان، شعرت وأنا أسير في شوارع "الجميزة"، التي تتفرق منها" زواريب" فرعية، كأني أسير ضمن لوحة مرسومة منذ زمن سحيق. فتلك المنطقة، تحب تأريخها، وحكايات الزمن الذي كان ومضى، تأخذ بيدك، تدلك على مطارح الحلى فيها، تلملم الحكايات من مبانيها القديمة، التي تتباهى بهندستها المعمارية ، وتتشاوفها بحالها، أمام "حداثة" المباني التي أخذت تنبت في الشوارع، خلف الأبنية القديمة، ومن حولها وحواليها... حكَّ، الرجل، الذي كان يرافقني، رأسه كأنه يحرك الكلام فيه، قال ، ماضي "الجميزة"، كان أجمل من حاضرها. يكفي تلك البيوت القديمة المعممة بالقرميد الأحمر.   ما كانت المياه تجر في القساطر، وتتسلق على الحيطان الى البيوت، كانت المياه تطلع من كعب الأرض، في "بيارة" (آبار)، تروي عطش الناس والزرع، والمنمطقة كلها، التي هي مزيج من  مناطق عقارية أربع تكون الجمّيزة كاملةً: من منطقة المرفأ، الصيفي، الرميل، والمدور. 

 

لم تكن "الجميزة" يخبرونك، ويتركونك تتعجب، منطقة ترف ، وأناقة، وفن ، وسهر،كانت منطقة حرفيّة، فيها كانت تصنع "جران "الكبّة، وفيها كانت أكثر من "كركي" لتقطير العرق، و"المصابن"(مصانع الصابون)، كانت تتنافس على الجودة ، فصابون غسيل الثياب، غير صابون غسل الجسد، وتتبارى "مصابن الجميزة" في إنتاج "صابون الريحة"، والروائح ورد جوري ، وياسمين،وفل... وسر الصنعة يبقى محفوظاً. 

 

ويخبرونك، فيسيل لعابك، عن مأكولات "أبو جورج"و "مازات" مطعمه ، ولم ينزله عن عرش مطاعم "الجميزة" إلا فرانسوا باسيل، ومطعمه Le Chef الذي فَتَح أبوابه في آواخر ستينات القرن الماضي. 

 

و"الجميزة " "تعجّ" بالمدارس: مدرسة الراهبات "العائلة المقدسة"La Sainte famille، مدرسة "قلب يسوع" لرهبانية "أخوة المدارس المسيحية "(الفرير)، التي أسسها القديس جان باتست دو لا سال، مدرسة " التلات قمار"، العريقة، ، ومدرسة" الأوروغواي" الرسميّة. ومدرسة Pigier"بيجييه" التابعة لمدرسة "الفرير"، وهي أول مدرسة تعلم التجارة والمحاسبة القانونية، ليس في لبنان، فحسب، إنما في العالم العربي. وتكتشف لماذا تتكبر "الجميزة"، على غيرها من المناطق في العاصمة، ففيها كانت أول خشبة مسرح في العالم العربي، خشبة مسرح مارون نقّاش.

 

ST.Andrés كان هو الآخر أقدم مسبح، يجاريه في القدمكل من "نادي راسينغ، و "النادي الأولمبي"، الذي كان أول نادي بحري في لبنان ... والمقاهي على مدّ عينك والنظر، تجد فيها كل ماتشتهي. واشهرها " مقهى العربانيّة"، قهوة "القباضايات "(الفتوات)، وكان بعضهم يفضلون"قهوة القزاز"المعروفة سابقاً بقهوة "الغزّار"(وهو نوع من القصب الرفيع). قبضايات "الجمّيزة "كانوا يتنافسون مع قبضيات "البسطا"، بالمرجلة، والرجولة، والشهامة، والكرامة، وعزة النفس، ،الصدق، كما كانوا يتولون رعاية المسنين، ويدافعون عن الضعفاء، وينصرون المظلوم، ويتشددون مع الظالمين. وكانت "الجميزة" تنام وتصحو على صوت عجلات "الترامواي" تفح رأسها بحديد السكة، والخطّ الجمّيزة-الدورة. 

 

 

ولله ما أحلى "درج مار نقولا"، درج الفن، على جوانبه يعلق الرسامون التشكيليون رسوماتهم، وعلى درجاته يرمي النحاتون تماثيلهم،  وتحلو الفرجة، وتطيب والشمس العيَّة في المغيب. وعندما يعود الليل الاسود، والقمر طري،وتبدأ السماء لعبها مع النجوم والقمر، يحلو السهر. 

 

مد يده ، ضغط على يدي، تمليته، تنعكس على قسمات جوزف رعيدي الدويهي، رقة نفس عذبة، إذا جلست إليه، بدأيدير في الأحاديث، تسمع حديثاً يملأ الأذن، وترى هيكلاً يملأ العين. طيب القلب، حاد الذكاء،حاضر البديهة، سريع الخاطر، واسع الإطلاع في حرفته، لا يفوته فيها جديد، مثابر، لا يماري، والصدق في التعامل سلطان ينزل عند أمره. 

 

وكان تفاهم بيننا، وود، ورفع كلفة، فتولى جوزف، "مونتاج " كل الكتب التي قامت "الهيئة" بنشرها ، فأجاد، وأبدع. ولاحقاً تعاملت معه في "مونتاج" العديد من المجلات التي توليت تصميمها ، وأبرزها :" الاسبوع العربي"، و مجلة "بيروت المساء "، ومجلة "الديار" التي كان إشترى ياسر هواري إمتيازها.

 

استطاع جوزف رعيدي، بجهده، وتفانيه، ودأبه المتواصل، والتتبع الدقيق لكل جديد في عالم الطباعة،  أن يرتفع، وينجح، ويصبح صاحب مطبعة في "الجميزة "، التي أحب، وصرف في حناياها عمراً. واختير لسنوات نقيباً لأصحاب المطابع اللبنانية .

 

عندما طوح الإحتراب الداخلي سنة 1975  العديد من المؤسسات، ظلت أبواب مطبعته، مشرعة، والآلات تثرثر فيها، تطبع، وتلون، ويخرج من تحت أسنانها إبداع، كان يذكر بما كانت" مطبعة إيلي زكا"، في ستينات بيروت، تقوم به، ونالت عليه تنويهات، وجوائز عالمية في الطباعة. 

 

وبعد أربعين سنة، نقل جوزف رعيدي مطبعته من "الجيمزة" الى مبنى له في منطقة "الفياضية"، على رمية حجر من "المدرسة الحربية" العريقة. واصبحت واحدة من أنجح المطابع في لبنان ، وتوسع، فأسس مطبعة مماثلة مطبعة مماثلة في دبي .

 

  وحدث أن تزامنت عودتي الى مصر، بعد غربتي الثانية في المملكة  المتحدة البريطاني، مع عودة الصحافي عماد الدين اديب الى المحروسة، الذي كان ترأس تحرير مجلة "المجلة"، لينتقل بعدها الى شقيقتها جريدة "الشرق الأوسط"، فقرر تأسيس دار نشر سماها "الصحافيون المتحدون " اصدر عنها جريدة يومية " العالم اليوم" ومجلتي " كل الناس " ،و "آدم اليوم "، فطلب مني ترشيح مطبعة لطباعة اصداراته ، فإقترحت عليه مطبعة جوزف رعيدي،. وهكذا كان.

 

وأدهش عماد الدين أديب بالمستوى الطباعي الفني، الذي قدمه له جوزف رعيدي، ومدى إهتمامه بالتفاصيل، ورفعة الجودة ، وهذه كلها تفتقدها الطباعة في مصر ، وإستمر عماد الدين أديب، ايطبع إصداراته في بيروت، لى أن جار الزمان عليه، وعليها فأوقف صدورها. 

 

عندما ترأست تحرير مجلة " ستالايت " واصدرت بعدها مجلة " 24 Hours " خرجتا من مطبعة جوزف رعيدي، بكل الجودة والأناقة والتميز. وتلتها مجلة الصحافي اللبناني وليد ابو ضهر " كلام الناس " وكلها مجلات كانت تصدر من القاهرة وتطبع في بيروت.

يبقى جوزف رعيدي الدويهي، قصة نجاح ومطابعه تزين و تتصدر صناعة الطباعة في لبنان .    

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز