الجمعة 27 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
إنا لمنتصرون.. أحفاد على خطى الأجداد

إنا لمنتصرون.. أحفاد على خطى الأجداد

الدول لها تاريخ ميلاد، مثل البشر، تتطور وظائفها وقدراتها، طفولة وفتوة وشيخوخة، وما بين المراحل العمرية، لحظات قوة وضعف، انتصارات وانكسارات، تمرض، منها من مات وتحلل، لكن حقائق التاريخ تُثبت أن ما كان لعدوٍ قدرة النيل من دولة، لولا عقوق وطعنات بعض أبنائها. يرحل البشر فرادى، فكل من عليها فانٍ، لكنها الأمم المتلاحمة كالبنيان المرصوص، تبقى جيلًا بعد جيل، تورّث جينات الفداء والعطاء والبناء.. واجعله الوارث منا.



 

الدولة تمرض وتتعافى، طرديًا، بمعدلات حضور وغياب تلك الجينات في كل جيل، من الدول ما خُلق ليحيا إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها.

 

للدولة،بصمتها التي  طبعتها على الكرة الأرضية، يُجسدها موقعها وجغرافيتها، عمودها الفقري شعبها، والعصب الرابط لفقراته هويته، عقله الجمعي محرك سلوكه، سلطتها الحاكمة رأسها،  وأطراف جسدها مؤسساتها، عضلاتها وقوتها الصلبة جيشها، أجهزتها الأمنية أذُنيها وعينيها، بقدر امتلاك عقلها الذكاء والفطنة والحكمة والإلمام بتحدياتها، تكون القدرة على صياغة أحلامها، وتحقيق محليًا ودوليًا أهدافها.

 

كما لأعضاء الإنسان وظائف، تتوقف عافيته وبقاؤه على كفاءة أدائها، فإن للدولة وظائف أساسية.. قوتها، وبقاؤها، رهن إيفائها وتنميتها وتعظيمها.

 

مثل كل إنسان، للدولة احتياجات ومهددات، داخلية وخارجية، فالإنسان يحتاج لطعام، وأمن من خوف، تهدد فيروسات وبكتيريا أعضائه الداخلية، بدرجة قد تفوق المخاطر والتهديدات الخارجية.

 

كذلك الدولة، سلامة الداخل وتعافيه، تتضاءل أمامه المخاطر والتهديدات الخارجية، فالإنسان صحيح قوي البنيان، أقدر على الدفاع عن نفسه في مواجهة العدوان، وكذلك الدولة.

 

يبحث كل منا عن حياة أكثر رفاهية، تتحقق بعنصرين: اكتشاف وتعظيم قدراته لتنمية موارده، ثم جودة توزيعها وفق قائمة الأولويات وبتوازن يُشبع الحاجات.. للدولة أيضًا وظائف أساسية، على رأسها الوظيفة الاستخراجية والتوزيعية، والدفاعية، والاحتكارية لحمل السلاح واستخدام القوة لفرض القانون.

 

تضعف الدولة، إذا ما عجزت عن احتكار القوة، كأن تحمل ميليشيات السلاح، فتتراجع سلطة إنفاذ القانون، أو قدرتها على اكتشاف وتعظيم واستثمار ثرواتها الاقتصادية والبشرية، وتقوى بقدرتها على فرض الأمن، وحماية الحدود، وما بعدها؛ حيث تقع أبعد نقاط الأمن القومي ومصالح الدولة، والارتقاء بالمتحقق من عدالة اجتماعية ومواطنة، وجودة الحياة. 

 

 تاريخ ميلاد مصر، يعود لأكثر من 7 آلاف عام، تحديدًا ما تركته شواهد التاريخ والحضارة، 3425 قبل الميلاد، عندما قاد الملك المصري مينا جيشه لتوحيد قطري الوطن، فبات موحد القطرين، صاحب التاجين، حاكمًا لمصر الموحدة، فبمقياس الأمة المتجانسة على أرض محددة، يربط شعبها إرادة العيش المشترك، خاضع إراديًا للسلطة الحاكمة، وفق علماء السياسة مصر، أول أمة في التاريخ.

 

وهي أول دولة مركزية في التاريخ، حكمها مينا موحد القطرين، وحكومة واحدة، وجيش وطني نظامي موحد، لتتوالى الأسر الفرعونية، التي نجحت الثلاث الأولى منها في تأسيس الدولة الموحدة، لتصل إلى مرحلة القوة وبناء حضارة الأهرامات والازدهار وصولًا إلى الأسرة السادسة، تلك الأسر التي تركت ما يُبهر العالم حتى اليوم.

 

مصر أول امبراطورية، في التاريخ، بمفهوم الانتشار وبسط النفوذ على الأقاليم المجاورة، لكنها أبدًا لم تعتدِ، بل كانت تحمي أمنها القومي من التهديدات وعدوان القبائل المعتدية، والامبراطوريات التي نشأت في أزمنة لاحقة، فرغم الضعف واحتلال الهكسوس للوطن بعد الأسرة السادسة، فقد عادت قوة الدولة من الأسرة الفرعونية الحادية عشرة، التي نهضت بالزراعة وعظّمت قوة الجيش للتحرير.

 

استعادت مصر عافيتها في العصر البطولي، رزق الله شعبها بقائد عظيم، تحتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أقوى القادة السياسيين في التاريخ، صاحب عبقرية سياسية سابقة لزمانه، قضى على فلول الهكسوس، محررًا كامل الأرض المصرية، طرد الرعاة الغزاة من دلتا مصر ودحرهم في معركة "مرن بتاح"، خاض 16 معركة عسكرية، لم يعرف طعم الهزيمة، لاحق المعتدين خارج الحدود، فوصل بجيشه إلى حدود ما عُرف بعد آلاف السنين بـ"الأناضول"، تركيا العثمانية الآن.

 

تحتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ذهب إلى أبعد نقاط للأمن القومي، قبل أن يعرف البشر هذا المصطلح، كان يولي على الأرض التي يبسط نفوذ مصر عليها، حاكمًا من كبار قبائلها، ويأخذ عددًا من أبنائه هؤلاء الحكام إلى مصر، يدرسون في معابد مصر، لغتها وعلومها، فيأهلون للحكم حافظين الولاء لمصر، مبهورين بعلومها. 

 

مصر بمكانتها وثرواتها وحضارتها، ظلت مطمعًا للغزاة على مر العصور، ينتظرون منها لحظة ضعف أو وهن للانقضاض عليها، وقد كان.. طالت لحظات انكسار، من الهكسوس إلى الأشوريين، 100 عام احتلال، الفرس احتلوا مصر 150 عامًا، ثم الإغريق 293 عامًا، الرومان 361 عامًا، ثم البيزنطيين 309 أعوام، وصولًا إلى العصر الحديث، من حملات فرنسية، واستعمار بريطاني، ثم عدوان صهيوني، لكن خلاص مصر، دائمًا كان بيد أبطال جيشها، ووحدة وعزيمة شعبها، والتضحية والفداء، من أجل البقاء.

 

سباحة سريعة بك في محيط التاريخ، متلاطم الأحداث، تكتشف أن مصر أعظم مما تتخيل، وأكبر مما يظن بها الأعداء، وأحق بأن يعلم قدرها الأبناء، قامتها أطول من 7 آلاف عام،  قوتها في شعبها وجيشها، وما يجود به الزمان من جواهر الحكام.

 

سجلت صفحات التاريخ، عظمتها ومكانتها، فقد أضاءت حضارتها، عندما خيّم الظلام على العالم، قادت قارتها، وقبائلها مازالت متناثرة في الغابات وحول الأنهار، مصر دولة عفية قوية، قبل أن تخرج من رحم التاريخ بآلاف السنين، دول توصف بالعظمى اليوم. 

هل أتاك حديث موسى، تجلى الله، في مصر، فبقي نوره الذي لا يفنى، في سيناء إلى يوم الدين، مصر مهد الأديان، ملاذ الأنبياء، قصدتها السيدة مريم ونبي الله عيسى، عليهما السلام فرارًا من اضطهاد هيرودوس، فوجدوا في أحضانها الأمان.

 

مصر أولى دول القارة الإفريقية، التي دخلتها المسيحية عبر القديس مرقص، عام 69 ميلادية، من تلاميذ السيد المسيح، أنشأ كنيسة الإسكندرية أولى كنائس القارة، وفيها عرفت التعاليم الكنسية والباباوية، ومنها انتقلت الديانة المسيحية عبر القديس يوسف إلى إثيوبيا وبلدان القارة الإفريقية.

 

عندما دخل الامبراطور قسطنطين المسيحية، استحدث لنفسه مذهبًا مغايرًا لثوابت مذهب مسيحي مصري، رفضوه فاضطهدهم، قاومت المسيحية الوطنية، أفكار المستعمر، فبات القساوسة زعماء يقودون المقاومة، في تأكيد تاريخي على أن الجينات الوطنية المصرية فوق أي انتماء، رافضة للتطرف، تتمسك بالحق.

 

فتح عمرو بن العاص، رضي الله عنه، مصر عام 20 هجرية،641 ميلادية، وشيّد في مصر أول مسجدين بإفريقيا: "سادات قريش" في بلبيس محافظة الشرقية، و"عمرو بن العاص" في مدينة الفسطاط، ومن مصر انتشر الإسلام في إفريقيا، ازدهرت الحضارة الإسلامية، وصولًا للأزهر الشريف، لتظل مصر رمز الوسطية، وصحيح الدين، في مواجهة تطرف المذهبية، وخوارج العصر والإرهابيين.

 

قدمت نكسة 1967، اختبارًا حقيقيًا لجيل جديد من المصريين، فكان التحدي والتلاحم والانتصار في الحرب المقدسة 6 أكتوبر 1973، دليلًا للعالم أن جينات التضحية والفداء، والبطولة والعبقرية العسكرية، ممتدة من الأجداد إلى الأحفاد، وأن شعب مصر حفيد مينا وتحتمس الثالث، مازال حيًا يملك إرادته وعزيمته وقدرته وتلاحمه لقهر المعتدين.

 

عقب2011، استغل فصيل فاشٍ، الفراغ السياسي، سطا على السلطة، في 30 يونيو، انتفضت الإرادة الوطنية، دفاعًا عن الحضارة والهوية، نفّض شعب مصر عن نفسه أفكار فصيل خارج على الوطنية، معادٍ لهوية رسبتها عصارة سبعة آلاف عام.

 

قال الشعب كلمته، أطاح بالجماعة الفاشية من سدة الحكم، إلى سلة مهملات التاريخ، فسقط عن وجوه الإرهابيين أقنعتهم، وكشّروا عن أنيابهم، وأطلقوا نيران خستهم وغدرهم، فكان لأحفاد تحتمس وجيل أكتوبر، بجيش مصر كلمتهم، لحماية الإرادة الوطنية.

 

خاض الجيش والشرطة المعركة ببسالة، تصدوا لنيران الغدر بصدورهم، يقاتلون في حرب حديثة، سلاحها الإرهاب، والتضليل والتزييف، تستهدف الأرواح تارة بالمفخخات وتارة أخرى، تستهدف العقول والروح المعنوية، بـ"التويتات" و"البوستات"، وشياطين الفضائيات المأجورين.

 

حرب أشد ضراوة خاضها الأحفاد، سطروا بطولات لا تقل عن تلك التي سطرها الأجداد في انتصار أكتوبر ١٩٧٣، وما سبقها من بطولات سطرتها صفحات التاريخ، جينات البطولة مازالت حية.

 

هي الحرب لا كذب، في ميادين عدة، ميادين مواجهة الإرهاب، والتطرف، وميادين حصون الوعي، وميادين محاربة الفقر والجهل، ميادين التنمية والتعمير، وكما أهدى الله مصر مينا، وتحتمس الثالث ومحمد علي باشا والسادات، أهداها حفيدهم عبدالفتاح السيسي، الذي يقود المعركة، محققًا انتصارات في مختلف الجبهات.

 

لم يكن النصر في سابق الجولات، وليد صدفة، بل كان عملًا دؤوبًا، وإنجازًا على الأرض، وتنمية القدرات الشاملة للدولة، عبر خطط علمية واستراتيجية مدروسة بتوقيتات زمنية 2030، ومستهدفات رقمية لقياس حجم المتحقق من الأهداف.

 

تضاعفت قدرة الدولة على الإيفاء بوظيفتها الاستخراجية والتوزيعية، بتنمية الثروة والموارد الاقتصادية، عبر مشروعات قومية عملاقة، بدأت بقناة السويس الجديدة، وما تلاها من إنجازات في مجالات توليد الطاقة، والتنمية العمرانية، وتطوير البنية الأساسية، والإصلاحات الاقتصادية، وحماية وتوسعة الرقعة الزراعية، فضلًا عن بناء الإنسان صحيًا وعلميًا، لخلق عقول نقدية إبداعية.

 

وتعاظم قدرة الوظيفة التوزيعية، بمشروعات ومبادرات العدالة الاجتماعية، في القلب منها القضاء على العشوائيات وإتاحة الحق في السكن والتعليم المتطور، الملبي لحاجة سوق العمل، والارتقاء بجودة الحياة، والرعاية الصحية.

 

وتنامت قدرة دولة 30 يونيو الدفاعية، فككت البنية الأساسية للإرهاب، وعززت قدرة الردع العسكرية، بمضاعفة القوة التسليحية وبناء القواعد العسكرية على المحاور الاستراتيجية، لمواجهة تهديدات العدائيات المحتملة، سواء في ليبيا أو ثروات مصر في البحر المتوسط، أدنى من ذلك أو أبعد، فضلًا عن تنويع مصادر السلاح، ما حرر الإرادة من أي ضغوط محتملة، وفي الوقت ذاته امتلاك أحدث تكنولوجيا التسليح العالمية، وتنامي جهود توطين تكنولوجيا صناعة السلاح والذخيرة.

 

فيما تنمو الوظيفة الإكراهية للدولة، بتفعيل القوانين، ومكافحة الفساد، وفرض الإصلاحات اللازمة لعبور التحديات والأزمات، وبناء دولة حديثة بحلول جذرية، لمشكلاتها التي ظلت سنوات على الحل عصية.

 

 لم يُفلح عدو في غزو مصر، إلا بعد أن نسي الجيل المهزوم تاريخه.. نستخلص ذلك من التجول السريع، في طرقات حُقب تاريخ، مصر العميقة، العريقة، ونهضتها وتحدياتها الراهنة.

 

 إن تغييب الوعي، أخطر أسلحة القرن الواحد والعشرين، هُزمنا يوم غُيبنا عن تاريخنا بخبراته، وضللنا العدو فلم نُدرك من الحاضر تحدياته، غلبتنا سطحيتنا، فلم نر من فرط غشاوتنا جذور المشكلات، فلم نرسم للمستقبل صحيح توقعاته، الحرب مستمرة، بأسلحة ساحاتها داخل الجمجمة، والمقاومة فرض عين على كل وطني.

 

هُزمنا اقتصاديًا وعلميًا، تخلفنا عن ركب الحضارة، عندما أغمد كُتابنا أسلحة التنوير.

 

وها أنا أشهد الله والمخلصين لوطنهم، أني شاهر سلاحي ما حييت، بكل منبر إعلامي يُتاح، دفاعًا عن ثوابت الوطن، وأمنه ومواطنيه، مصوبًا نيراني على كهوف التطرف، والإرهاب لسحق ضلالاتها، مساهمًا في وضع لبنات جديدة في حصون الوعي والتنوير.

 

وها نحن باسم الله نبدأ، لله والوطن نعمل، مقاتلين في ميدان الوعي، عبر منبر "الكتاب الذهبي"، الإصدار العريق بمؤسسة "روزاليوسف"، نُضيف لما بدأناه عبر منبر بوابتها الإلكترونية، نقود كتائب المبدعين، وإنا ومصر قيادة وجيشًا وشعبًا-إن شاء الله- لمنتصرون.