محمد هاني
الجميلة التى لم تأتِ!
تراجعت كالمعتاد موجة الزهو بالهوية المصرية، وخفتت كما هو متوقع المطالبات الشعبية باسترداد آثارنا المُستَلبة بالخارج التي صاحبت زخم الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير بداية الشهر الجارى.
وحتى لا يتوه الهدف وحتى لا نسقط فى فخ الانفعال اللحظى المزمن، ومع إدراكنا أن تحقيق ذلك الهدف بالغ الصعوبة ومُحاط بتعقيدات قانونية وسياسية.. واستمرارًا لما نحاول أن نتلمَّسه من خريطة طريق- وعِر لكنه ضرورى- ومن جهود جادة وليست مهدرة.. نشير هنا إلى بعض ملابسات مرتبطة بالتمثال النصفى الرائع «رأس نفرتيتى» الذي استحوذت عليه ألمانيا منذ أكثر من مائة عام عقب اكتشافه، 1912، فى تل العمارنة.
تقارير صحفية دولية متعددة انتبهت للدعوات المطالبة باسترداد القطع الأيقونية وفى مقدمتها «رأس نفرتيتى» التي قالت «إليزابيث جرينير» المراسلة والمحررة الثقافية لـ«Deutsche Welle» الألمانية إنها «النجم الأبرز فى متحف «Neues»، وذلك حسبما ورد على موقع المؤسسة الثقافية البروسية المشرفة على مجموعة المتحف المنتمى لجزيرة متاحف برلين والمدرجة على قائمة اليونسكو.
وفى تقريرها المهم «هل يجب على ألمانيا إعادة تمثال نفرتيتى إلى مصر؟» أشارت إلى أن مطالبات مصر باسترداد التمثال بدأت 1925 بعد أن اكتشفه الفريق الأثرى الألمانى بقيادة «لودفيج بورشاردت» بسنوات، وعقب عرضه للجمهور فى برلين لأول مرة 1924، وأن مصر وقتها هددت بحظر التنقيبات الألمانية على أراضيها ما لم يُعَد التمثال النصفى.
الموقف الرسمي الألمانى لم يختلف- ولا يجب أن نتوقع أنه سيختلف- عن الموقف البريطانى من «حجر رشيد».. فعندما سألت الصحفية النشيطة المتحدث باسم وزير الثقافة الألمانى صرح لها عبر بيان مكتوب بأن «المسائل المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية المصرية، بما فى ذلك تمثال نفرتيتى، تقع ضمن اختصاص وزارة الخارجية» ووزارة الخارجية قالت إنها «لاعلم لها بتقديم طلبات من هذا القبيل إلى الحكومة»!! أما مؤسسة التراث الثقافى المشرفة على المتحف «فلم تستجب للتعليق»!! لكن «إليزابيث جرينير» أوضحت أن موقفها معروف وأوردت تصريحًا سابقًا للمتحدث باسم المؤسسة فى أكتوبر 2024 قال فيه إن «تمثال نفرتيتى وصل إلى برلين بناءً على تقسيم كان معتادًا فى ذلك الوقت» وأنه «خرج بشكل قانونى».
عند نقطة المراوغات القانونية بذلت «جرينير» فى تقريرها جهدًا مميزًا أظهر أن أصواتًا ألمانية مهمة ترى استحواذ ألمانيا على التمثال باطلًا، فقد أوردت ما قاله المؤرخ الألمانى «سباستيان كونراد» مؤلف كتاب «مسيرة نفرتيتى فى القرن العشرين» لـ«دويتش فيلا» من أن «الصلاحية الأخلاقية للقانون يجب أن تكون موضع تساؤل.. وإنه قانون لم يكن ليوجد إلا فى ظل موازين القوى غير المتكافئة فى الحقبة الاستعمارية حيث كانت مصر مستعمرة إنجليزية.. وهكذا كان قانونًا رسميًّا، لكنه من منظور اليوم ليس مشروعًا».
التقرير استشهد أيضًا بما ذكرته الباحثة «روث. إى. سكين» من أن «هنرى جيمس سيمون» الذي موَّل التنقيبات التي قادت للكشف عن «رأس نفرتيتى» دافع شخصيًا عن تبادل القطع الأثرية مع مصر وأنه أسهم فى التفاوض على إعادة نفرتيتى، لكن محاولته لم تفلح ولا المحاولة التالية فى 1933 التي كان دافعها ضمان ولاء مصر السياسى لألمانيا بإعادة التمثال، لكن «هتلر» نفسه (وهو المعجب الكبير) قال: «لن أتنازل أبدًا عن رأس الملكة».
تتبقى ثلاث نقاط وردت فى تقرير «جرينير».. سريعة لكنها مهمة للإحاطة بنوع الملابسات والحجج المرتبطة بإعادة «نفرتيتى».
الأولى أن هناك شبهة تضليل متعمد سمحت بالموافقة المصرية على إخراج التمثال إلى ألمانيا حيث وصفه المكتشف «لودفيج» بأنه «أميرة ملكية مرسومة» بينما كان يعلم أنها الملكة نفرتيتى.
والثانية أن ألمانيا تؤكد دائمًا أن التمثال هش للغاية ولا يمكن نقله، بينما فى نهاية الحرب العالمية الثانية تم وضعه فى كيس بلاستيكى وحفظه فى منجم ملح قبل نقله إلى مدينة «فيسبادن».
أما النقطة الثالثة فهى أن ألمانيا تحركت باتجاه إعادة قطع أثرية إلى نيجيريا نتيجة حملة ممتدة قام بها نشطاء، وهو ما يجعلنا نعيد التأكيد على أن أى تحرك لمحاولة استرداد آثارنا لا بد أن يكون جادًّا وموحدًا ومنظمًا.. تقوده الدولة ويبدأ بتشكيل فريق قانونى رفيع المستوى ولديه خبرات قوية فى هذا المجال.
نقلاً عن مجلة روزاليوسف
















