الخميس 9 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

"أسراب الجراد" ترسم مشاهد مرعبة في بلدان القرن الإفريقي

شهدت سماوات القرن الإفريقي، خلال الأيام القليلة الماضية مشهدا مرعبا، وعلى الأخص في كينيا، التي امتلأت سماؤها بأسراب هائلة من الجراد، الذي غزا البلاد في موجة غير مسبوقة لم تشهدها المنطقة من قبل.



 

 

وعزا خبراء كينيون ذلك إلى تداعيات التغيرات المناخية، وتأثيرات الجور على البيئة التي ولدت على منطقة القرن الإفريقي موجات من الجفاف الحادة والأمطار الغزيرة، وأخيرا الجراد الذي حل ضيفا ثقيلا على منطقة شرق إفريقيا، ليرسم مشاهد مرعبة توحي بمشاهد نهاية العالم.

 

وتأتي الموجة الأخيرة من غضبة البيئة في منطقة شرق إفريقيا في شكل أسراب جراد هائلة، تتكون من "مليارات" الحشرات النهمة التي تأتي على الأخضر واليابس، وتلتهم المحاصيل الزراعية في مراحل نموها المختلفة، بما يهدد الأمن الغذائي للمواطنين في منطقة منكوبة في الأساس بالتغيرات المناخية الحادة وتأثيراتها الخطيرة، فضلاً عن النزاعات المسلحة المنتشرة.

 

وبعد غياب زاد على 70 سنة، رُصدت أسراب الجراد في شرق إفريقيا في نهاية ديسمبر الماضي، ولاسيما في كينيا، حيث فوجئ المواطنون في منطقتي "مانديرا وواجير" القاحلتين بشمالي شرق البلاد بالسماء، وقد امتلأت بأسراب من الجراد وامتلأت الأرض بأعداد لا حصر لها من الجراد الصغير الأصفر والمائل إلى البني القادمة من إثيوبيا والصومال.. وأصيب مواطنو البلدان الثلاثة بالرعب وأخذوا يطاردون أسراب الجراد بالعصي، ويحاولون إخافتها بالطرق على الألواح المعدنية في العديد من المناطق لحماية أراضيهم ومزارعهم.

 

 

وحسب تصنيف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن الجراد الصحراوي، الأصفر والمائل إلى اللون البني، يعد من أخطر أنواع الحشرات الطائرة نظرا لقدرتها الكبيرة على الطيران لمسافات طويلة بما يسمح لها بالهجرة سريعاً إلى مناطق جديدة، بحثاً عن الغذاء.

 

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن سربًا من الجراد على مساحة كيلومتر يضم ما يقرب من 80 مليون جرادة، وتستطيع كل جرادة أن تلتهم يوميًا ما يعادل وزنها (2 جرام) من الأغذية والمحاصيل، وهذا يعني أن سربا بهذا الحجم يمكنه أن يلتهم في يوم واحد مقدار الغذاء المخصص لنحو 35 ألف إنسان.. وكانت التقديرات قد سجلت أن أسراب الجراد التي شهدتها كينيا خلال الأسابيع القليلة الماضية غطت مساحة قدرها 2400 كليومتر، بما يعادل مساحة لوكسمبورج.

 

ووفقًا لتقديرات المدير العام لـ(فاو) كيو دونجيو، فإن عشرات الآلاف من الهكتارات المنزرعة بالمحاصيل أضيرت في منطقة القرن الإفريقي، مطلقا تحذيره بأنه وضع دولي راهن يهدد الأمن الغذائي في منطقة إقليمية. 

 

وقالت السلطات المحلية الكينية "إن من بين المناطق الأكثر تضررًا في البلاد بموجات الجراد الأخيرة، جاءت مقاطعات (مانديرا، وماراسبيت، وواجير، وإيسيولو، وميرو، وسامبورو)، والتي فقدت مجتمعة ما يقرب من 5 آلاف كيلومتر من الأراضي المزروعة".. والمعروف أن الجراد الصحراوي يفضل الحشائش ونبات الذرة بأنواعه المختلفة، لكنه لا يترك أي شيء أخضر إذ يهاجم أيضًا بقية المحاصيل الزراعية، كالأرز والبن والخضروات والفواكه.

 

وقال مراقبون، "إن الوضع حرج بالنسبة لكينيا، التي يشكل القطاع الزراعي 26% من الناتج المحلي الإجمالي بها، وذلك بحسب إحصاءات يونيو 2019، وتعد من أكبر البلدان في العالم المصدرة للشاي الأسود، كما أنها تصدر بكثافة الخضروات والفاكهة، وتعتمد بشدة على تصدير تلك المنتجات إلى الأسواق الخارجية، وهو ما يعني أن حجم الضرر الذي سيمنى به الاقتصاد الكيني كاد أن يكون كارثياً"، على حد تعبير بعض المراقبين، ولولا أن الكثير من الحقول والمزارع كانت قد فرغت لحسن الحظ من حصاد المحاصيل في ذلك الوقت من السنة، لكاد الوضع أن يصبح أكثر سوءا.

 

وتتحرك أسراب الجراد في كينيا، في الوقت الراهن، صوب الأراضي الرعوية المخصصة لتربية الثروة الحيوانية.. وقالت (فاو) "إن غزو أسراب الجراد ضرب أكثر من 12 مقاطعة في شمالي شرق كينيا، متوقعة أن يتجنب الغزو منطقة "وادي الصدع"، التي تعد مخزناً لمحاصيل البلاد.. محذرة من أن التهديد لا يزال قائما، إذ يتوقع أن تصل أسراب الجراد إلى دولتي أوغندا وجنوب السودان".

 

ويشير الخبير البارز في الجراد بـ(فاو) كيث كريسمان إلى أرقام مخيفة عن الجراد ومخاطره وتهديداته وأسباب انتشاره، قائلا "في الواقع، أسراب الجراد نشأت قبل عامين في المحيط الهندي، حين اندلع إعصاران تسببا في حدوث موجات أمطار على مدار شهور على مناطق غير مأهولة بالسكان في المملكة العربية السعودية، وهو ما استفاد منه الجراد الذي وجد من الرمال الرطبة بيئة خصبة له للتكاثر وتوليد ثلاثة أجيال.. وفي يونيو 2019، دفعهم الجفاف إلى آسيا وأيضاً إلى اليمن التي تنشب فيها حرب كان من المستحيل أن توقف زحف الجراد أثناء عبوره البحر الأحمر".

 

وأضاف "الجراد، الذي بمقدوره أن يضاعف أعداده 8 آلاف مرة كل 9 أشهر وأن يتكاثر أثناء عبوره المسافات الطويلة، واصل مسيرته في أسراب ليصل إلى شرق أفريقيا وسط مخاوف بامتداد حركتها في رقعة تمتد من مصر إلى كينيا ومن اليمن حتى الحدود الهندية الباكستانية".

 

ولم يثبت علميًا بصورة قاطعة ارتباط بين الاحتباس الحراري وانتشار الجراد، لكن متخصصين كشفوا عن روابط بين أسراب الجراد والأعاصير. ففي السنوات العشر الأخيرة، زادت الأعاصير في المحيط الهندي وهو ما يعزوه العلماء بصفة جزئية إلى ارتفاع درجة حرارة المياه.

 

وكانت كينيا قد شهدت موجة جفاف كبرى أعقبها فيضانات عديدة خلال العامين الماضيين، وهو الأمر الذي أضعف من قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.. وقد تراجع النمو الاقتصادي في كينيا من 4ر6% في عام 2018 إلى 1ر5% في 2019.. وأعلنت وزارة المالية الكينية في سياستها النقدية لعام 2020 أن الغزو الأخير لأسراب الجراد يعد تهديدا جديدا للإنتاج الزراعي.

 

ولم تستجب الحكومة الكينية لإجراءات المكافحة إلا في 12 يناير الماضي، كما أنها لم تبدأ حملات رش المبيدات إلا في 18 من الشهر نفسه، بعد أن استقرت على اختيار نوعية الكيمياويات الفعالة التي ستستخدمها في المكافحة، حتى شرعت في استخدام مبيد فينتروثيون.. وتشير تقارير المتابعة إلى أن طائرات الرش الست التي تستخدمها الحكومة الكينية ليست كافية، لذا فإنها لجأت إلى شركات طيران خاصة متخصصة في رش المبيدات من الجو.. وقدرت (فاو)، في تقرير أخير لها صدر في نهاية يناير الماضي، احتياجات بلدان القرن الإفريقي بنحو 70 مليون دولار (بما يعادل 63 مليون يورو) كمساعدات دولية للتصدي لأزمة أسراب الجراد.

 

ولم تقتصر مصادر الازعاج على أسراب الجراد وضعف قدرات المكافحة في القرن الإفريقي، بل ثار جدل بشأن نوعية المبيدات المستخدمة للتصدي لتلك الأسراب، حيث أبدت العديد من المنظمات الكينية مخاوفها بشأن سلامة الأغذية والمزروعات خشية حدوث مخاطر سرطانية جراء تلوث المحاصيل بمواد كيماوية، مثل (بيرمثرين، وكاربيندازيم، وأسيفات) وتأثيراتها على صحة المواطنين.. إلا أن اتحاد الكيماويات الزراعية الكيني أعلن أن البلاد أجرت اختبارات على المبيدات المستخدمة وأثبت أنها آمنة على البشر والحيوانات والبيئة.

 

وفضل بعض المتخصصين اللجوء إلى المبيدات الحيوية بدلاً من الإفراط في استخدام الكيماويات، ولاسيما أنها تستهدف الجراد فحسب دون المساس بالكائنات الأخرى.. وأوجد آخرون في كينيا مخرجًا لأزمة غزو أسراب الجراد، فمن جانبه بين الدكتور جون كينيورو العالم المتخصص في الغذاء والتغذية أن هناك برنامجًا بحثيًا يجرى في كينيا حول استخدام الحشرات في الغذاء، ويحل الجراد في مرتبة متقدمة بالقائمة.

 

وقال جون كينيورو "من الأنباء الجيدة أن الجراد قابل للتناول، أي يمكن للإنسان أن يأكله، كما أنه مغذِ.. مؤكدًا أن الخيار الأول ينبغي أن يكون قتله لتقليل أعداده إلى مستويات غير مؤذية، لكني متيقن أن تلك الأسراب إذا جاءت العام المقبل، فإن حكومات المقاطعات، ستكون أكثر جاهزية لاصطيادها وإعدادها للتناول ضمن وجبات غذائية تقدم للحيوانات أو للإنسان".