عاجل
الخميس 30 يونيو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
رجل لكل الفصول! (2/2)

الغربة الثانية 26

رجل لكل الفصول! (2/2)

كانت معارضة "الحوادث" شديدة، قاسية، مقحامة، غير هيّابة أو مكترثة لذيول أو نتائج أو تبعات. 



جمعت من حولها قراءً جددًا، وابتَعَدَ عنها قراء يعارضون سياستها، وسياسة رئيس تحريرها.

ولم تنحصر معارضة "الحوادث" في الشؤون السياسية وحدها، فلم تترك قضية أو مشكلة إلاَّ وواجهتها بجرأة وصراحة وثبات. فحوّل سليم اللوزي "الحوادث" إلى مجلة تستقصي، تبحث، تتعمق، تغوص على الغوامض، في براعة البحث والاستدلال.

وأدار سليم اللوزي قلمه في العديد من المشكلات والقضايا التي كان لبنان يعاني منها، ولعل أبرزها التحقيقات الصحفية التي تتناول فيها "فضيحة عفاف" النسخة اللبنانية لمدام كلود الفرنسية (Fernande Grudet)، فأثار الرأي العام على الدولة، والمقامات فيها بعض وجوه القوم.

كان اسمها بدر أسعد الداهوك، على فتنة وجمال، جاءت لبنان سنة 1948 مع اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة. 

ما لبثت أن امتهنت "الدعارة السرية"، ووطدت علاقاتها مع بعض النافذين، مستخدمة فنون الإغواء وأساليب لا تُقاوم. أوقفت من شرطة الأخلاق أكثر من مرة، ثم تزوجت من شاب لبناني، ونالت الجنسية اللبنانية وعُرفت باسم: "عفاف".

اتسع نشاط "عفاف"، وارتبطت بصداقة قوية بالنائب العام الاستئنافي، استأجرت مبنى من ستة طوابق مقابل "فندق البريستول" في محلة "رأس بيروت"، ووضعت لافتة على مدخله باسم: "أوتيل بلير" Blair Hotel. وتبين فيما بعد، مما قاله الأمير فريد شهاب مدير الأمن العام لسليم اللوزي، أن لا قيود لهذا الاسم في السجلات.

سكنت "عفاف" في الطبقة الأولى من المبنى مع صديق لها يعمل في "قصر عدل"، وخصصت الطبقة الأرضية لاستقبال الزبائن، وتقديم المشروبات الروحية بأنواعها شتى، وخصصت 65 غرفة في بقية الطوابق لتلاقي زبائنها والفتيات العاملات معها، بصورة دائمة أو غبَّ الطلب. 

كان بينهن السوريات والفلسطينيات والأردنيات واللبنانيات والمصريات، ذوات الجمال المميز.

وحدث أن كلفت فرقة الأخلاق في مديرية الشرطة اللبنانية مراقبة تنفيذ أحكام قانون البغاء، والذي يمنح صلاحيات جمّة لها بتفتيش ودهم أي مكان مشبوه في أي وقت، لضبط المخالفات وتطبيق مواد "قانون البغاء" من دون العودة إلى النيابة العامة إلا بحال التوقيف.

تكاثر زبائن عفاف ما استدعى اعتراض سكان المنطقة، فتقدموا بعريضة إلى النائب العام الاستئنافي مطالبين بإقفال "بيت المدام عفاف". وبما أوتيت من اتصالات نجحت "المدام" في حفظ الدعوى. والحِجة التي أُبلغت للمعترضين المحتجين: "تشجيع السياحة والاصطياف وخلق مغريات لقدوم أثرياء العرب إلى لبنان"!

شكّت "عفاف" بأن دوريات فرقة الأخلاق في الشرطة تلاحقها وتضيّق عليها أحيانًا كثيرة، فطلب من مفوض الفرقة التخفيف من دهم "أوتيل بلير"، وعند الضرورة إبلاغ عفاف عن إرسال الدورية إلى بنايتها لأخذ الحيطة، ولم يُنظم أي محضر بضبط مخالفات لقانون البغاء لديها.

وارتفعت أصوات المحتجين في المنطقة، الذين كانوا يشاهدون السيارات الفخمة وأثرياء العرب يتوقفون أمام مدخل المبنى، ويحدثون جَلَبة. وعندما طالب مفوّض الأخلاق بإعطاء تعليمات خطية له لمنع دهم "أوتيل بلير"، صدر أمر إلى مديرية الشرطة برقم 13/ص تاريخ 18 شباط 1956 جاء فيه: "يُمنع على أي موظف الذي يدخل، بصفة كونه موظفًا، منزل أحد الناس أو ملحقاته في غير الحالات التي حددها القانون إلا بموافقته، وإذا قامت شبهة قوية بأن أصحاب المنزل اتخذوه، واعتادوا اتخاذه موضعًا لارتكاب جرائم معينة، فإن دخول هذه المنازل يستوجب الحصول على إجازة مسبقة من النائب العام شخصيًا تحت طائلة الحبس لثلاث سنوات بحال المخالفة". 

طالبت "عفاف" مجددًا برفع دوريات الشرطة للابتعاد عن مقرها المحصن، حتى ولم يُدهم المبنى، فصدر تعميم معّجل لاحق برقم 3037 تاريخ 16-6-1956، يؤكد الكتاب الأول، وفرض عقوبات جزائية عالية بحق من يتحرى منزلًا ليل نهار، حتى المنازل المشبوهة، قبل الاستحصال مسبقًا على رخصة خطية، وإذا تأكد لعناصر الشرطة بارتكاب جرائم ضمن بعض المنازل، فيجب عليهم مخابرة النائب العام شخصيًا ليقوم هو بنفسه بإجراء التحريات بالتحقيقات اللازمة.

أوائل أغسطس (آب) سنة 1956، أوقفت عفاف من شرطة الجيش بقضية تتعلق بأحد عناصره، فتمكنت فتاة من آل الأرناؤوط من الفرار من "أوتيل بلير"، وروت لأهلها ما يحصل من فضائح "الدعارة السرية"، واستغلال عفاف لهن وتقاضيها الأموال الطائلة، واستخدامها لأساليب العنف والقوة عليهن لإجبارهن ممارسة الدعارة. راجع أهل الفتاة النيابة العامة لإقفال هذه المواخير لكن دون جدوى، حيث عادت عفاف لممارسة مهامها وبقوة أكبر لقاء مداخيل عالية. 

وحدث أن تمكنت نوال قباني من الهرب من أسر "المدام عفاف"، ولجأت إلى المحامي جوزف خوري، الذي اتصل على الفور بسليم اللوزي وعرض عليه القضية، وفي مكتب المحامي خوري، التقى اللوزي الفتاة الهاربة، واستمع إلى قصتها. وتعاون اللوزي مع المحامي وعملا أسابيع بنهاراتها ولياليها في جمع المعلومات بالشواهد، والإثباتات والتواريخ، وأسماء الضالعين بالتستر على عفاف وبيتها، والذين كانوا من الشرطة والمضبطة العدلية يتقاضون الأتاوى والمخصصات الشهرية، لشراء سكوتهم وغض الطرف عنها وعن الغواني عندها.

ولما اكتملت كل العناصر التي يستوفيها التحقيق الصحفي، سبح قلم سليم اللوزي على صفحات "الحوادث"، يتناول كل أسبوع قصة عن معاناة الفتيات وليالي الغواني الحمراء في "أوتيل بلير"، فكانت قصص ماري غر، وماغي واكيم، ونوال قباني، وغيرهن... 

واستمر حبر اللوزي يسيل، يكشف، ويفضح، ويعري من كانوا يحملون السِبحة ويجلسون على باب "المدام عفاف"، ولم ترهبه أو تخيفه تهديدات، وكلما كان يتلقى تهديدًا، كان يزداد إصرارًا على الكتابة والنشر، وتسمية الأشخاص الذين يهددون ويتوعدون. 

وأقام سليم اللوزي في تحقيقاته الدنيا وأقعدها، وبدأت "الحوادث" تتخاطف في أكشاك الباعة، ومُيّز اسمها منغمًا في الشوارع، وفي حناجر الباعة الجوالين.

واهتاج الرأي العام وانقلب على الدولة وقاماتها، استتروا كلهم في العتمة، وارتكبوا المعاصي، واستهانوا الأعراض، وهم يحتمون بالقانون.

حاولت الدولة طي بساط البحث في تلك القضية- الفضيحة التي تلقفتها المعارضة، وراحت توزع بدورها ما كتبه سليم اللوزي ونشرته "حوادثه"، وتهاجم سامي الصلح رئيس الحكومة، وتدعوه إلى محاكمة المتورطين بقضية "عفاف"، من الذين سماهم اللوزي في تحقيقاته.

فلم يجد سامي الصلح مخرجًا لتهدئة المعارضة، إلا بإزاحة شكري سابا من النيابة العامة في بيروت، وتكليف القاضي وفيق الحسامي بإدارتها، وكلف مفتش الجمهورية إجراء تحقيق شفاف.

وأول إجراء اتخذه الحسامي، كان إلقاء القبض على "عفاف" وزجِّها في السجن، وإقفال "أوتيل بلير" بالشمع الأحمر.

وتابع سليم اللوزي حملته، فتدحرجت رؤوس، وتهلهلت هيبة كثيرين مِمَنْ كانوا أصحاب الحول والطول في السلطة والبلاد.

ويكتب سليم اللوزي مقالًا بعنوان: "الرجل الثالث"، استوحاه من قصة إنجليزية راجت وقتها وتحمل العنوان نفسه، وتحكي عن "رجل" يصنع الحوادث، ويحرك الناس مثل الدمى، وهو يتستر بالعتمة، فلا يظهر على الملأ، ولا يشك به أحد.

ما إن صدرت "الحوادث" وفي صفحاتها الأولى هذا المقال، حتى أخذ كل مسؤول يظن أنه هو "الرجل الثالث" الخفي الذي عناه اللوزي في مقاله، واعتبر بعضهم أن صاحب "الحوادث" ذهب في حملته إلى العمق، وقرر كشف الأوراق المستورة المتعلقة بهؤلاء، خصوصًا أن مقال "الرجل الثالث" جاء بعد آخر تحقيق في "قضية عفاف". فكان لا بد من إصدار مذكرة توقيف بحقه لإسكاته، وإسكات "الحوادث".

في 12 من أكتوبر (تشرين الأول) 1957 دَهَمَ رجال الشرطة مكاتب "الحوادث" في "كورنيش المزرعة"، لتنفيذ مذكرة التوقيف بحق اللوزي، فلم يجدوه. ففي الليل، جاء من طرف "مسؤول كبير" من أسَر له بالحملة، وطلب منه مغادرة البلاد.

وعندما كان رجال الشرطة يفتشون المكاتب، كان سليم اللوزي وصل طرابلس، ومرورًا بطرطوس إلى دمشق.

كانت دمشق منشغلة بالوضع اللبناني، ومنها تدار المعارضة ضد الرئيس كميل شمعون وعهده، و"المكتب الخاص" للشؤون اللبنانية الذي تولاه برهان أدهم، ويشرف عليه عبد الحميد السراج، أنفق مئات الملايين من خزينة الدولة على الأزلام والأتباع والنواب ورؤساء العشائر ومخاتير القرى الجبلية.

وفي دمشق كان سليم اللوزي يلتقي زعماء المعارضة، كمال جنبلاط الذي كان صديقًا للسراج، ومثله سليمان فرنجية، ورينيه معوض، وصائب سلام، ورشيد كرامي، وعدنان الحكيم، وشبلي العريان، وغيرهم كُثر... 

ووقف سليم اللوزي، وهو في دمشق، على الكثير من الأمور السياسية التي لم ترُق له، ولم يستسغها (كما كتب هو فيما بعد، عندما أخضع نفسه ومجلته لمراجعة ذاتية بعد هزيمة 1967)، خصوصًا ما كان يخطط من تدبير لاغتيال الصحفي نسيب المتني، صاحب جريدتي "التلغراف" و"الطيار"، وتفجير "الترامواي" في "باب إدريس".

واشتعل لبنان، وفي صيف 1958 غسل بيروت بالدم، وتمزق الجبل، وانتهت المناوشات بالإنزال البحري الأمريكي في شواطئ بيروت.

لم يفارق سليم اللوزي "حوادثه"، كان معها كل يوم، يتصل، يُملي عبر الهاتف نصًا، يُعدل من صيغة عنوان، يتواصل، يقف على كل شاردة وواردة.

واشتاق إلى أولاده، فجاءت أسرته إلى دمشق. وانتهى بهم التجوال في العاصمة إلى مطعم "الآغا"، الذي يقع في أحد طوابق بناية تطل على الشارع العام.

حول مائدة الطعام دارت الأحاديث، والأولاد يتشاقون في هرج ومرج، والكل فَرِحٌ. غافل ابنه ربيع أمه حياة، شيء ما جذبه إلى النافذة المفتوحة المطلة على الشارع، ركض ربيع باتجاهها، لم يتمالك نفسه، فقد توازنه هوى منها إلى الشارع.

فقد سليم اللوزي وحيده، وانفطر قلبه. حمل جثة طفله إلى "المصنع"، نقطة الحدود السورية– اللبنانية، إلى خاله عبد الحميد الزين، فواراه الثرى في مدافن "الباشورة" في بيروت. فقد ظلت جهات حكومية على موقفها من سليم اللوزي، فحُرِم من إنزال وحيده القبر.

اُنتخب اللواء الأمير فؤاد شهاب، قائد الجيش، رئيسًا للجمهورية اللبنانية، خلفًا للرئيس كميل شمعون المنتهية ولايته.

ورُفع شعار "لا غالب ولا مغلوب" لإنهاء الأزمة، وإعادة الهدوء والاستقرار. وسرعان ما استرد لبنان عافيته، وعادت الحياة الطبيعية إليه، واستؤنفت العلاقات بين مختلف الفئات اللبنانية، وذهبت إلى الأبد سياسة الأحلاف والتكتلات، والمحاور والنفوذ الخارجي الذي كان يقسم ويتقاسم البلاد.

وعاد سليم اللوزي إلى بيروت، واستعاد زمام الأمور في "حوادثه"، يهادن حينًا ويهاجم طورًا. وفي كل المرات والأحايين بقي صوته عاليًا، يفرض نفسه على مقامات الرأي، وتحقق مجلته السبق الصحفي بعد الآخر، وتنافس رصيفاتها على جذب الإعلان والمعلنين.

وراحت "الحوادث" تنمو وتكبر وتزدهر، وتعزز مكانها ومكانتها بين المجلات السياسية الأسبوعية، ليس في لبنان وحسب، إنما في طول وعرض المنفسح العربي.

سنة 1967 المشؤومة، كانت الحرب وكانت الهزيمة، وكانت الصدمة والخيبة.

ووجد سليم اللوزي، الذي نزلت عليه النكسة مثل الصاعقة، وبشكل لا يمكن وصفه من المرارة والخيبة واليأس، نفسه يعيد النظر بكل المفاهيم التي كان ينادي بها، وكرّس قلمه للدعوة إليها، وبكل الأفكار والتوجهات القومية التي سال حبر قلمه في الدفاع عنها، ومؤازرة القائد الداعي إليها... فكان أن قام بمراجعة مؤلمة، ونقد ذاتي حقيقي لمواقفه ومواقف مجلته.

ووجد في منح الصلح وصلاح الدين البيطار من يسهل له، ويؤازره في نقده، ومراجعته الشاملة لتفكيره ونهج "حوادثه".

وكان مقال: "الأمة المهزومة والقائد المنتصر" نهاية علاقة سليم اللوزي مع "الناصرية".

ونقل سليم اللوزي "حوادثه" من حال إلى حال. 

وما هي إلا سنوات قليلة، حتى نقلها من مبناها الأزرق في "كورنيش المزرعة" إلى المبنى الشاهق الأبيض في "عين الرمانة"، وكان الأكبر والأوسع. 

جهز مطابعها بأحدث آلات الطباعة الألمانية، وتجهيزات التصوير والأفلام وألواح الطباعة كانت تتم على آخر ما خرج من المصانع من آلات وأجهزة. 

وانطلقت "الحوادث" بحُلة جديدة وبأفكار جديدة، نفضت عنها ما كان، وغيرت اتجاهاتها وتطلعاتها، وأصبحت مجلة العرب الأولى، على رأسها التاج وبيدها الصولجان، لها أهميتها وتأثيرها على كل صعيد.

و... وصل "الموت" إلى عتباتها سنة 1976. فقرر رجل كل الفصول، قرر سليم اللوزي حمل حوادثه والهجرة.

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز