عاجل
الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

إفريقيا وهجرات بني هلال وبني سليم 

د إبراهيم محمد مرجونة
د إبراهيم محمد مرجونة

في أيام الفاطميين جاءت هجرات عربية عن طريق مصر، وهي قبائل بني هلال وبني سليم في أعداد كبيرة، انتشروا في بلاد الصحراء بالحرب والهجرة والإقامة الدائمة وتصاهروا مع سكانها واختلطت دماؤهم وأنسابهم وامتزجت، وعمروا السهول والواحات وفيافي الصحراء، وعربوا أهل البلاد الأصليين، وانتشرت بينهم اللغة العربية، أصبحت لسانهم، وغدت هذه البلدان بلدانا عربية إسلامية، لكنها كانت قليلة العدد، ثم اتجهت جنوبًا إلى الصحراء الكبرى ومنها إلى حوض السنغال والنيجر وحوض بحيرة تشاد، مثل بني جذام وبني حسان، وبني معقل، وأولاد سليمان وجهينة، واستقرت هذه الهجرات هناك واحتفظت بأصولها العربية. ومن أدلة انتشار العرب والنفوذ العربي، أنه قلما تجد بيتًا حاكماً في غرب إفريقيا، إلا وينتسب بعض حكامه إلى أصل عربي، بعضهم يدعى نسبًا علويًا أو أمويًا أو عباسيًا أو فاطميًا، وبعضهم يدعي نسبًا يمنيًا.



وإذا كان العرب قد هاجروا  إلى البلدان الإفريقية في مختلف أنحاء القارة، وكان لهم أثرهم الكبير في نشر الإسلام ولغته وثقافته وإقامة سلطنات إسلامية، فقد كان لهجرات البربر أيضًا أثر عظيم جداً في نشر الإسلام خصوصًا في غربها، وقد كانت غارات الهلاليين سبباً في هجرات قبائل كثيرة من البربر إلى منطقة الصحراء، ثم توغلها نحو الجنوب إلى منطقة السنغال والنيجر، ومن هذه القبائل التي هاجرت نحو الجنوب: هراوة ولواته ونفزاوة بعد غارات عرب الهلاليين مباشرة، وكان للطوارق أيضًا دور كبير في نشر الإسلام في منطقة السنغال والنيجر، وظلت هجراتهم تؤثر في هذه الجهات حتى القرن الثامن عشر الميلادي.

وقد بدأ انتشار الإسلام في البربر مبكرًا وأخذ ينمو في قبائلهم في الجنوب، تلك القبائل التي تميل إلى الهجرة، وتتخذ من الصحراء وطرفها مرتحلًا ومهجرًا إلى السودان تستوطنه وتنشر الإسلام أينما حلت، ومن أشهرها وأهمها قبيلة (صنهاجة) ببطونها المختلفة ويذكر ابن خلدون على وجه التعميم: "...أن الملثمين كانوا في كل نهضة من نهضاتهم يقيمون ملكًا واسعًا يتجه عادة نحو السودان، وأنهم أقاموا منذ وقت مبكر جسرًا عبر الصحراء وصل السودان بالحضارة الإسلامية".

وهكذا اختلط البربر بالزنوج والعرب في الصحراء وعلى أطرافها غربًا وجنوبًا وامتزجت العادات والتقاليد والدماء، وقويت الصلات المتبادلة، ونتج عن ذلك الإمتزاج شعب الهوسا الذي أصبح يتكلم لغة واحدة هي لغة الهوسا التي انتشرت انتشارًا كبيرًا في غرب إفريقيا، ويدين معظمهم بالإسلام، كونوا إمارات إسلامية عرفت بإسم ممالك الهوسا وهي: كانو، وكاتسينا، وزاريا، وجوبير، ودورا ورانو وزمفرة.

فالهجرة التي قام بها البربر من مبدأ دخولهم في الإسلام يحملونه معهم أينما حلوا وينشرونه في المدن والقرى والواحات في الصحراء، حتى ساحل المحيط الأطلسي ومشارف السودان، كذلك قامت قبيلة لمتونة من البربر بدور كبير في نشر الإسلام بين الزنوج، وقد بلغ من قوة سلطانها ونفوذها ما جعلها سيّدة على العديد من ملوك السودان وبخاصة في عهد ملكهم (تين يروتان الأودغستي)، ونتيجة لهذه الهجرات أسلم ملك التكرورعلى يد البربر، وكان ذلك عاملًا في ازدياد نشر الإسلام في غرب إفريقيا حتى وصل إلى غانة واعتنقه كثير من سكانها.

وأما قبائل الطوارق أصحاب اللثام الأزرق فهم من ششر قبائل البربر وأكثرهم بداوة ويسكنون الصحراء، خاصة منطقة الهجار، كما ينتشرون في هضبة أهير وغيرها من الواحات، ويساكنهم في مواطنهم بعض الزنوج من السودان الذين يقومون بشتى الأعمال في المراعي والخدمة.

وازدادت هجرات الطوارق أمام هجرات العرب من بنى هلال وبنى سليم في القرن الخامس الميلادي وامتدوا وانتشروا إلى الغرب والجنوب من بلاد السودان حتى منعطف نهر النيجر، واستولوا على منطقة آهير من يد السودانيين من أهل غوير، وكان لإسلام الطوارق أثراً كبيراً في تطور الأحداث في المنطقة، ترتب عليه قيام نشاط توسعي نحو الجنوب لنشر الإسلام بين الزنوج.

لقد كانت هجرات عرب بنى هلال وبنى سليم سبباً في هجرات قبائل كثيرة من البربر إلى منطقة جنوب الصحراء، ولعبت هجرات القبائل البربرية وتحركاتها دورًا عظيمًا في نشر الإسلام( )، وكونت هذه الهجرات وغيرها من هجرات العرب الهاربين من مذابح الصليبيين في أوروبا أيام انهيار دولة المسلمين في الأندلس، بعد سقوط آخر معاقلهم (غرناطة) في أواخر القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ونزوح الكثير منهم إلى إفريقيا وخاصة صوب السودان الغربي وعاشوا فيه، كونت موردًا لا ينضب من الدماء التي تسري في شرايين حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث ساهمت مساهمة فعالة مع غيرها من المسالك، في إرساء دعائم هذه الحركة ونجاحها في فترة وجيزة من الزمن.

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية

وكيل كلية الآداب جامعة دمنهور  

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز