عاجل
الجمعة 21 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
"روزاليوسف" في وجه العاصفة

الغربة الثانية 8

"روزاليوسف" في وجه العاصفة

"البُعادُ، أحيانًا، هو شرط الدنو".. كلام نازل منازلة في صواب الأمور وسدادها، لست أذكر من ذا الكاتب الذي أجاد به.



فبعادك عن بلدك يُقربه منك أكثر، يلحُّ عليك الشوق إليه، وتشعر بأنك تحتاجه، تريدُ أن تتسقط أخباره، أن تعرف ما يدور فيه، وحوله، وحواليه، وما يُعَدُّ له في قصور الحكم، وخلف الأبواب الموصدة، والغرف المعتمة.. ولا تكتفي بالأخبار التي تنفلش وتتمدد على الأعمدة الملزوزة، والصفحات المطولة.. فأنت تعرف أكثر من غيرك في أي دواة حبر انغمست أقلام كُتّابها ومدبجيها، وبأي لون حبر يلونون الكلمات، والأهم أنك تعرف ما هو مُحَلل نشره، وما هو مُحرم عليك وعلى أمثالك من الذين طوتهم الغربة قراءته ومعرفته.

كانت مصر، بَعْدُ، نشوانة بالنصر ورد الاعتبار، والعبور واسترجاع الأرض، وإكليل الغار الذي لبسه أنور السادات عن حق واستحقاق، كان لم يزل طريًا، نديًا، عندما أطلق سياسة "الانفتاح" الاقتصادي والسياسي.. فراح يغازل الصحفيين ويخطب ودَّهم، فنزل عند طلب عبد المنعم الصاوي ومجلس نقابة الصحفيين، ووافق على تعديل "جزئي" لأجور الصحفيين، واتبع ذلك بقرار "إلغاء الرقابة".

والرجل خَبِر العمل الصحفي، وتولى إدارة مجلة "التحرير" التي كانت لسان حال ضباط الثورة ومجلسهم، ثم ترأس تحرير جريدة "الجمهورية"، ولا بد أنه عرف وقتها أهمية أن تكون الكلمة "حرة"، غير مقيدة برقيب يمنع وصولها إلى الناس، وبما له من سطوة، يحلل ويحرم، يقص بمقصه الطويل، ويشطب بالقلم الأسود العريض. وأين عينك، فترى، عندما أطلق حرية إصدار الصحف، كما جريدة صدرت: "الأهالي"، "الأحرار"، "الشعب"، و"الوفد" و... ترافق ذلك كله مع حرية إنشاء الأحزاب.

ولأول مرة من زمن أصبح للمواطن العصمة لاختيار ما يريد قراءته، أو الانضواء تحت لواء ما يختار من أحزاب وتكتلات.

ولم يمض كثير وقت حتى أدركنا أننا "خُدِعْنا"، فقد استمرت "الرقابة"، وهذه المرة من خلال التعليمات والتوجيهات الشفوية والمكتوبة في أحايين كثيرة، فيما يريد وما لا يريد، فيما يجب أن يُكتب، وما لا يجب أن يُذكر ويُنشر، ما يستملحه وما يستهجنه من كلام، فباتت الصحافة تتلظى وتتكوى من تلك المنكرات والتلاعبات السياسية. وكان لا يمر صباح على عبد الرحمن الشرقاوي، من دون تلقيه اتصالًا من الرئيس السادات، ويسمع من في المكتب صوته وهو يعاتب الشرقاوي على ما كتب صلاح حافظ، وعبد الستار الطويلة، وكيف سمح بنشره.

وتتغير نبرة السادات، وهو يغلظ الكلام عن كاريكاتور الليثي وحجازي.

وكان إحسان عبد القدوس، عندما تولى "الأهرام" يشارك عبد الرحمن الشرقاوي، المعاناة نفسها، فكان يتلقى "مكالمة الصباح" كما كان يسميها ويشكو منها، والعتب والاعتراض لا يتوقف عند أخبار تنشرها شيخة الجرائد، إنما تتعداها إلى "مجلة الطليعة"، وما يُكتب فيها ويُنشر، ولا بد كل صباح من التوقف عند كاريكاتور صلاح جاهين.

وتتابعت حالات التضييق على الصحف، والتنكيل ببعض الصحفيين، ومنعهم من الكتابة وحرمان بعضهم الآخر من أداء عمله، وتهديده بالفصل عقابًا.

كما شهدت تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الصحافة "هجرة الصحفيين" إلى دول الخليج، وكانت الإمارات العربية المتحدة محطتهم الفضلى، وعندما ازداد عدد المجلات العربية المهاجرة إلى أوروبا، صارت لندن وباريس قِبلة الصحفيين المصريين، وكان رأس السبب في ذلك كله، هو التجني الجائر على الصحفيين، والمحاولات المستمرة لتدجين الصحافة، وخنق حريتها، وكسر الأقلام، وخطف الحناجر، وتكميم الأفواه، كي لا تشتعل بالصراخ.

ولم تهدأ عاصفة السادات لاقتلاع الصحافة عند حد، فمد يده على "نقابة الصحفيين"، وحولها من كيان نقابي وقانوني، إلى نادٍ! إلاَّ أنه فوجئ بالاحتجاجات والتجمعات أمام مبنى النقابة، ورد فعل عنيف من الداخل والخارج. 

كان النقيب في هاتيك الأيام هو كامل زهيري، فحاول بحكمته ومعرفته بالقانون، إدارة الأزمة، فلجأ إلى الحوار مع "أطراف الدولة" في الغرف المغلقة، ونقل وجهة نظر المعارضين لقرارات الرئيس إلى شخصيات كان يعرف أنها تحظى بالقبول، حينذاك، والرضا عند الرئيس السادات، مثل: أحمد بهاء الدين، وإحسان عبد القدوس، وحافظ محمود، وأنيس منصور، ولأنه محامٍ محترف حرص كامل زهيري على كسب القضية، فكتب "مذكرة قانونية" رفعها إلى منصور حسن، وزير الدولة للإعلام والثقافة حينذاك، التمس فيها من السادات العدول عن فكرته حول النقابة، لاستحالة تنفيذها.

وكانت لشيخ الصحفيين ومؤسس نقابتهم حافظ محمود، حامل البطاقة رقم 1، وقفة جريئة، وهو الذي يقارع الحجة بالحجة، يدافع عن الصحافة وحرية الكلمة فيها بقوة وشدة، دونما لين أو هوادة، ولكن من دون الخروج عن آداب المواجهة.. فعندما انتهى الرئيس السادات من إلقاء كلمته في افتتاح "معرض الكتاب" طلب محمود حافظ الكلام، وانتصب ابن الثانية والسبعين من سنيه، وطرح خطرات ضميره بجرأته المعهودة، وبنبرته الواثقة:

"يا سيادة الرئيس لدينا وثيقة موقعة من سيادتك تُقِر فيها بدور الصحافة في ثورة 23 يوليو، ثم تأتي اليوم وتقول أمام كاميرات العالم، إن الصحافة ضد الوطن، فكيف تناقض نفسك يا سيادة الرئيس؟"

وأكمل حافظ، والرئيس منصتًا: 

"ثم إن عدد الصحفيين الذين يسبون مصر لا يزيد على 2% أو 3%.. أنا عندما سِبت النقابة، تركت ميثاق شرفي صحفي". 

ابتسم السادات، والتفت إلى من حوله وحواليه في القاعة، وقال بصوت عالٍ:

"خلاص بقى.. نعمل مجلس أعلى لحل مشاكل الصحفيين".

وأعطى ضحكته مداها:

"أهو شيخ الصحفيين حلها لكم".

..وبدأت بوادر انفراج الأزمة.

 

والحقيقة أننا، نحن الذين عشنا زمن عبد الناصر وزمن السادات، لم نجد عند أي منهما رغبة حقيقية في الديمقراطية، وظلت الحرية مضنونًا بها، وإذا كان جمال عبد الناصر واضحًا في منع الأحزاب والصحف التي لا توالي النظام، فإن أنور السادات كان يريدها مجرد "زينة" أو "ديكور" وهمي للديمقراطية التي فصّلها على مقاس أفكاره.

كان هذا هو الجو العام الذي كان يجعلنا نخاف من هذه "المصر" على "مصر"، وتأكد خوفنا هذا، بعدما أفرجت “وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA” عما سلّط الضوء على تلك "المصر" التي حاول السادات خلقها. 

الوثيقة الأولى تتناول الشأن الداخلي ومواقف السادات، والوثيقة مؤرخة في الأول من يونيو (حزيران) 1976، تتوكأ على دراسة أُعدت تحت رعاية ضابط "الاستخبارات الوطني" في الشرق الأوسط (شطبت اسمه)، إضافة إلى تحليلات "وكالة الاستخبارات والأمن القومي" ووزارة الخزانة و"استخبارات القوات المسلحة".

تكشف الوثيقة بوضوح خطورة "جماعة الإخوان المسلمين"، ومخاطر تزايد نفوذها على المدى الطويل، بعد أن استخدم السادات التيارات الدينية لمحاربة التيارات اليسارية والشيوعية، وقدّمت الوثيقة تحليلًا للتحديات التي يواجهها السادات في الجبهة الداخلية.

ونقرأ في الوثيقة أنه على الرغم من سيطرة الرئيس أنور السادات القوية على البلاد، إلا أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى القلق حول قوة موقفه الداخلي، ومدى درجة الدعم لقيادته.. 

فمن ناحية، يبدو السادات متمتعا بتأييد شعبي عارم، لكنه ليس بمأمن من تأثير الأنشطة اليسارية، وعودة اليمين من "جماعة الإخوان المسلمين"، واستمرار جاذبية "الناصرية" والميل نحو السوفييت لتوفير موارد مصر من الأسلحة، إضافة إلى تأثير الركود الاقتصادي والضغوط التضخمية على الفقراء في المناطق الحضرية.

وإذا تعاونت الدول العربية الصديقة للسادات مع السوفييت، في جبهة موحدة ضده، فإن موقفه سوف يهتز بشدة.

وفي وثيقة أخرى بتاريخ 25 سبتمبر(أيلول) 1978 حول تطور الوضع العربي- الإسرائيلي بعد اتفاقية كامب ديفيد، إشارة إلى أن السادات بدأ في إثبات قدرته على قراءة مزاج المصريين، وخرج مئات الآلاف من المصريين لتحيته عندما عاد إلى مصر.

وأشارت السفارة الأمريكية في القاهرة إلى عدم وجود شكوك في حماسة الجماهير الحقيقية بعد الاتفاقية، لكن الحشود، على الرغم من ذلك، كانت أقل من تلك التي استقبلته بعد عودته من القدس. 

وقالت الوثيقة إن ردود فعل السياسيين كانت أقل توافقا، فرجال الأعمال، وهم الفئة الأكثر استفادة من إحلال السلام، كانوا يدعمون بشدة الاتفاقية، وعلى الجانب الآخر أبدى بعض الصحفيين وأساتذة الجامعة والطلبة وبعض الحكوميين تحفظاتهم على الاتفاق.

في هذه الفترة، ورغم العلاقة القديمة بين الرئيس السادات وعبد الرحمن الشرقاوي التي وصفتها ابنته عزة الشرقاوي بأنها علاقة قوية وصداقة، بدأت منذ أن وقع بينهما خلاف حينما كان والدها كاتبًا في جريدة "الجمهورية" والسادات رئيسًا لتحريرها، وذلك بسبب نشره مقالًا يتعارض مع مقال السادات في نفس العدد، فقد كتب السادات مقالًا يحذر فيه من الشيوعية والزحف الأحمر على المنطقة، وكتب الشرقاوي يطالب بالحوار مع الدول الشيوعية، ما اضطر السادات لحبسه يومًا في السجن الحربي، ثم ذهب له في اليوم الثاني بمقر محبسه وأفرج عنه، وتناول الإفطار معه، ومن وقتها بدأت الصداقة بينهما. 

لكن العلاقة الحميمة لم تستمر طويلًا! وهبت عاصفة ، وكانت "روزاليوسف" في وجهها.

تابع بوابة روزا اليوسف علي
تطبيق نبض جوجل نيوز