عاجل
الجمعة 21 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
المدرسة "القابوسية" وفن البروتوكول والإتيكيت

المدرسة "القابوسية" وفن البروتوكول والإتيكيت

يحتاج الذوق الرفيع للمغفور له السلطان قابوس بن سعيد "طيب الله ثراه"، مجلدات لبيان وشرح فن الدبلوماسية الراقي لباني السلطنة الحبيبة منذ سبعينيات القرن الماضي، إنه مدرسة بكل معاني الكلمة، فهو ابن سلطانين، ومن أصائل القبائل العربية المعروفة عبر التاريخ، بالإضافة إلى أنه خريج أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في بريطانيا، حيث كان من المتميزين والحريصين على تعلم كل جديد من المدرسة الإنجليزية وليس فنون وإدارة الحرب فقط، وهو من هواة القراءة والمطالعة بشكل مستمر لجميع العلوم، لأنه كان يعتبرها روح الحياة. 



المغفور له سلطان القلوب وضع اللبنة الأساسية للمدرسة الدبلوماسية القابوسية خلال الخمسين سنة الماضية، في كل تفاصيل البروتوكول والإتيكيت، وأسميتها المدرسة القابوسية نسبة له، ولتكون مرجعًا رصينًا للمختصين في فن البروتوكول والإتيكيت. 

لن أتكلم عن السياسة الخارجية أو الداخلية التي مرت على السلطنة والأحداث الساخنة وكيف قاد دفة الحكم رغم الأعاصير والعواصف التي تهب على المنطقة الدولية بصورة عامة، والدول الإقليمية بصورة خاصة، والتهديدات من هنا وهناك، حيث أوصل سفينة عُمان وأهلها إلى بر الأمان بكل حرفية وحنكة دبلوماسية قل مثيلتها في العالم، والتي تميزت بالحيادية والتأني والحكمة وعدم الانصياع إلى الاندفاع في اتخاذ القرارات المصيرية، وبنى إنسانا عُمانيا راقيا بمدنيته وحداثته، مستندًا إلى الإرث والتاريخ العريق الممتد لآلاف السنيين.

نتطرق اليوم إلى البروتوكول والإتيكيت الراقي بكل معاني السمو والحداثة، وأنا أكتب هذه الكلمات يراودني صورة والدنا المغفور له السلطان قابوس "طيب الله ثراه"، إنه في قلوب كل الشرفاء في العالم وليس في عُمان فقط، إنه رجل الإتيكيت الأول، ويبقى مصدرًا ومرجعًا رحمه الله لكل المختصين في المجال الدبلوماسي "البروتوكول والإتيكيت"، خاصة في الثلاثين سنة الماضية.. نتكلم اليوم عن طبيعة المباني الحكومية واختيار التصاميم، حيث كان يشرف ويعطي توجيهاته في أصغر الأشياء، وكما يقولون ختامها مسك، حيث كانت لمساته الجميلة والفنية الراقية واضحة جدًا في دار الأوبرا السلطانية بجميع أروقتها، بداية من المخططات الأولية للمكتب الاستشاري واختيار المكان والأثاث، حتى أنواع الخشب المرصوف في السقوف، ومن نقاشات وأشكال تراثية عمانية عريقة كان هو الذي يختارها بنفسه، ويدقق العمل مع كبار المهندسين الاستشاريين ومع المقاول المنفذ للمشروع، حرصًا منه على جمالية الفكرة، ولكي تبقى عبر السنين مفخرة لكل العمانيين والعرب.

وإذا تكلمنا عن المنشآت السلطانية والقصور فكان المغفور له قد بنى دررا من التحف العمانية العمرانية الحديثة، التي أوضحت للعالم عمق الأرث العماني العريق، وأدخل الموروث الإسلامي في أغلب مباني القصور، فكان قصر الشموخ يتكون من عدة قلاع عمانية، وبهيئة واحدة ضمن لمسة عصرية تبهر الناظرين، ولمساته الفنية الجميلة التي تعكس روحه الطيبة وذوقه الرفيع في دمج بين الحداثة المعمارية بموروث الحضارة العمانية القديمة.

أما قصر العلم وقصر الضيافة بمسقط، حيث أمر أن يكون القار أحمر في الشوارع الداخلية كعلامة مميزة له، فكان في غاية الرقي العمراني، رغم صغر المساحة المحصورة بين الجبال الرخامية والبحر، فترى القاعات الداخلية المكسوة بالرخام والجرانيت ذات اللون الأبيض والخشب البني الفاتح والأقواس التي أضافت جمالية ومساحة أكبر للناظر، حتى (رحمُه الله) كان يدقق ويشرف على ألوان الجدران والخرائط والحدائق والشبابيك والأبواب والستائر، أما مبنى مجلس الدولة والشورى عند قصر البستان فكان في غاية الروعة، متجانسًا مع معالم السلطنة التاريخية، وكذلك اللون الأبيض يغطي على كل مفردات المبنى، وهو تحفة معمارية متكاملة، ولم يقتصر اللون الأبيض على مباني الدولة، بل منذ بداية عصر النهضة كانت هناك أوامر وتوجيهات المغفور له بأن تكون العاصمة الحبيبة مسقط، متوشحة باللون الأبيض ومشتقاته، ليعطي هوية متميزة للعاصمة الفتية، حيث المنازل والفلل والعمارات وجميع المباني ترتدي هذا اللون الجميل الهادئ، حتى إنني سمعت كثيرًا من زملائي الدبلوماسيين، بأننا نسكن في مسقط البيضاء، وهو اللون الذي يعبر عن الأمل في الحياة. 

كان (رحمُه الله) يشرف على تصاميم العاصمة منذ بداية السبعينيات مع الاستشاريين ويدقق في التفاصيل العلمية الهندسية، من حيث عرض الشارع والأكتاف وتقسيمات المناطق السكنية، حيث كان الحي الدبلوماسي، وأمامه حي الوزارات في غاية الترتيب، وكذلك المدارس الثانوية والابتدائية التي كانت بنسق وبلون واحد لا غير، وضمن زيارته وتحركاته بالمواكب السلطانية السامية من السيب إلى مسقط على سبيل المثال، كان يقف ويعطي أوامره السامية بمواصفات خاصة للطرقات وأبعادها، وبعدها بفترة يدقق على ما تم إنجازه ويحاسب بشدة على أي تقصير، ويشرف بشكل مباشر على كل مفردات الشوارع والإنارة والأكتاف، إنه فعلًا مهندس وباني نهضة عُمان الحديثة، قلما نجد حاكمًا بنىَ بلده بفترة زمنية قياسية لتنافس كثير من العواصم العريقة، لأننا إذا قارنا بمعالم السلطنة قبل توليه الحكم فإننا لا نجد وجهًا للمقارنة، إن المغفور له أفنى شبابه وشابت لحيته من أجل شعبه، وتراب عُمان، ومنا له الوفاء بالدعاء إلى الباري عز وجل بأن يسكنُه فَسيح جناته، مع الصديقين والشهداء، لما عمل لشعبه ولبلده، والدعاء موصول لمولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم "حفظه الله ورعاه"، الذي يسير على نفس النهج، يجدد ويبحر بالاقتصاد العماني بغرض رفاهية وسعادة الشعب، والتطور نحو تحقيق رؤية 2040.

أما بروتوكول وإتيكيت استقبال كبار الشخصيات واختيار الألوان في الملابس والهدايا فسوف نتطرق إليها فى المقال القادم إن شاء الله.

 

دبلوماسي سابق كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا

تابع بوابة روزا اليوسف علي
تطبيق نبض جوجل نيوز