عاجل
الإثنين 29 نوفمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
في بيتنا "صاروخ"!

في بيتنا "صاروخ"!

هَلَّ مِرْسالُ الشتاء باكرًا.. الغيوم السود خانت الشمس، سكب المطر في داخلي خَدَرًا ناعمًا، طَرَدَ الأفكار المتلاطمة في ذهني وأنا أعبر الطريق إلى مبنى مجلة "الديار". 



يوم آخر يطلع على بيروت المشتعلة، الممزقة، النازفة دمًا ودموعًا، التي تنام على أزيز الرصاص، وتستفيق على طلقات القذائف، من كل نوع وجنس ومصدر، وترتعش أوصالها من دوي تلك القذائف التي لا تتعب، ولا يستكين مطلقوها، يرشون الموت على الناس الآمنيين، في الطرقات والمفارق، بين البيوت وفيها.. 

 

حواجز التفتيش زادت واحدة، هي للجيش السوري، الذي دخل بيروت بالدبابات والمصفحات، فاستقبله الفلسطينيون ومن حالفهم وتحالف معهم من الأحزاب والتنظيمات الإسلامية اللبنانية بالرصاص وقتال الشوارع، ليعود السوريون إلى التحالف معهم ضد الطرف المسيحي، حليف الأمس.

 

تقف بنا سيارة "السرفيس" أمام الحاجز، العلم السوري إلى جانب اللبناني.. مَدَّ الجندي السوري رأسه من زجاج السيارة، دار بعينيه على وجوهنا.. قال بصوت فيه نفحة آمرة، فظّة: "الهواوي.. الهواوي".

 

فَسَّرَ لنا السائق أن الجندي يريد "الهويات"، وكنت أنا دائمًا الوحيد بين الركاب الذي لا يحمل "تذكرة هوية لبنانية"، فكنت أُخرِج من جيب سترتي جواز سفري، وبطاقتين صحفيتين، الأولى من نقابة المحررين، زودني بها النقيب ملحم كرم، والثانية من مجلة "الديار".

 

راح الجندي السوري يُقلب جواز السفر ويفرّ صفحاته، لا أعرف إن كان قرأ ما فيها من تأشيرات أم لا، إلاّ أن ملامح وجهه كانت تشي بالاستغراب! ثم ينظر إلى الصورة في الجواز مدققًا، يقارنها بوجهي ولم يعر البطاقتين الصحفيتين أي اهتمام.. مدَّ يَدَهُ ومن دون أن ينبس بكلمة أعطاني الجواز والبطاقتين. 

 

وتلك الوقفة أمام الحاجز السوري كانت تتكرر أكثر من مرة في الذهاب إلى "فردان"، والعودة منه إلى "مدام كوري".

 

ما كدت أنفض المعطف الواقي من المطر وحبات الماء التي سالت عليه، حتى أبلغني قاسم أفيوني، مدير التحرير، بأن اجتماع التحرير الأسبوعي بعد دقائق خمس.

 

والأستاذ ياسر هواري لا يحب الانتظار كثيرًا، كي يكتمل نصاب الاجتماع، ويحرص على التوقيت والدقة في اتباعه.

 

واجتماعات التحرير التي يترأسها ياسر هواري، تتمدد وتطول، يتعهدها بثاقب بصيرته، مدققا، جليد على الاستماع والتفكير مع المحررين، والوقوف منهم على الصغيرة والكبيرة، يناقش الأفكار والطروحات، وما عندهم حول ما يجري ويدور داخليًا، وإقليميًا، ودوليًا. 

 

وتحلو اجتماعات التحرير في "الديار" متى شارك فيها حنا غصن، الحاضر البديهة، والصحافي المخضرم.. كان من أبصر أهل زمانه نحو الشؤون اللبنانية والعربية، فألمَّ بها جميعها، وكان ممتعًا في التحليل، يستفيض به، تسعفه في ذلك ثقافته الواسعة.. وكان ياسر هواري يستعذب آراء حنا غصن، كما كان هذا الأخير يُقّدِر تجربة هواري، وكثيرًا ما كان يقف عند رأيه. 

 

نقرت السكرتيرة على باب القاعة، نقرات خفيفة، كانت كافية ليصمت لها الجميع.. دخلت، تهلَّلَ وجهها بالارتباك، مالت عليَّ، طلبت بصوت مرتجف أن أترك الاجتماع وأرد على المكالمة الهاتفية، وألحت بنبرة متوسلة.. وقفت، استأذنت، وخرجت من القاعة. 

 

ما إن ثبتّ السماعة على أذني حتى سمعتُ بكاءً حادًا، كان صوت زوجتي يأتي على الطرف الآخر، مشروخًا، يغسل البكاء الحاد نبراتها، حاولت أن أُهدئ من روعها لأفهم.. فكانت تزدادُ نحيبًا، ورجع صدى الانفجارات يغطي على صوتها، بالكاد رَكَبت جملًا مفيدة، فهمت منها أن ابني شريف عصي أمرها، ونزل مع أخته شيرين للعب مع أولاد الجيران، وأنها ما عادت تقوى على الاحتمال، وتريدني أن أحضر إلى البيت على وجه السرعة. 

 

شعرت أنها تخفي عني السبب الحقيقي لإلحاحها على عودتي، والأمر لا يمكن أن يكون مجرد "تمرد" صبي على أمه.

 

أمسكتني الرعدة، لبست هنيهات لا أقوى حراكًا، تجلدت، عدت إلى قاعة الاجتماعات، تجمعت العيون على وجهي وأنا أخبرهم بما دار، وما سمعت من زوجتي، وهممت بمغادرة القاعة ومبنى المجلة، وهرولت في الشارع أفتش عن سيارة "تاكسي".

 

أحسست وأنا في السيارة بالاختناق، قلبي واجف، وفي داخلي يصطرع الخوف، وصوت يلحُّ على بأن شيئًا ما قد حصل.. جفّ حلقي، كانت حبات المطر تنتحب على زجاج السيارة، تسيل خيوطًا، تسليت في مراقبتها، حاولت أن أهرب إليها من أفكاري، وتوجسي، واضطرابي. 

 

ما عدت أذكر كم استغرقت الدرب من "فردان" إلى "مدام كوري".. كل ما أذكر أن صوت السائق الخشن رَدّني إلى صوابي، وهو يعلن على وصولي إلى مبنى الشقة.

 

تَسَمَّرْتُ عند عتبة الشقة، وبيد مرتجفة أدخلت المفتاح في القفل، أدرته وفتحت الباب.. وجدت زوجتي تفترش الأرضَ وقد انعكس الفزع على قسمات وجهها، وراحت لما رأتني أمامها تجهش بالبكاء، استحوذت على الرعدة من جديد، انغمس قلبي، لم أتمالك نفسي.. بكيت ثم صرخت:

 

"الأولاد ماتوا.. الأولاد ماتوا"...

انعقد لسانها، ما عادت تقوى على الكلام، صرخت بها، هززتها، عادت إلى وعيها، اكتفت بالإشارة إلى غرفة الأولاد.

 

جرجرت قدمي، خارت قواي، تجلدت، مشيت خفيف الوطء إلى الغرفة، دخلتها، اختفى الكلام، كأن في داخلي ما يربط لساني، أحسست بألم في صدري، اكتفيت بإطلاق صرخة مجلجلة.. انطلقت عيناي، بعدها، تعيثان في أرجاء الغرفة حتى استقرتا على فجوة سوداء وسط الجدار الشرقي للغرفة أحدثها صاروخ مَرّ فيها من دون أن ينفجر، وخرج من الحائط المقابل إلى "غيط" شاتيلا المجاور للمبنى.

 

لحقت بي زوجتي، أخبرتني بصوت متهدج وفي عينيها يرتعش الخوف، أن شريف عاندها وأصر على النزول ليلعب في باحة مدخل المبنى، هو وأخته مع أولاد الجيران، وأنها لم تنجح في ثنيهما عن النزول.. وما إن غادرا الشقة حتى اخترق الصاروخ غرفتيهما.

 

ونزلت أفتش عنهما، ضممتهما إلى صدري وبكيت بحرقة.

 

والتف حولنا الجيران، ساعدونا على تغطية الدائرتين السوداوين بالخشب العازل المقوى.

 

سجا الليل في الخارج، والليل في القنديل بقي سهرانًا.. ليلتها لم أنم.

 

"ماذا بعد.. ماذا تنتظر.. لقد هَوَّمَ الموت على الشقة، كاد أن يخطف منك عائلتك الصغيرة"…

 

أنَّبني الصوت في داخلي، وانبرت أفكار مثل رقاص الساعة تروح وتأتي في فضاء أعمى، وعلى الرغم من البرد الذي يلف الغرفة كانت حبات العرق تتفجر سخية فوق جبيني.

 

ماذا بعد.. في بلد تتمادى الأيادي السوداء الخفية في إشعال النار فيه، وأموال عربية وأجنبية تنفق بسخاء لحرقه وتدميره، و"الحرب الباردة" بين العملاقين تحولت ساخنة، قاتلة، ومتجنية على بلد الأَرز. 

 

وقد اتضح لكل ذي عينين مبصرتين، أن هناك مقاتلين ليبيين، وباكستانيين، وصوماليين، وأوغنديين، وصلوا إلى لبنان عبر "ميناء صور".

 

وقد لاحَ في الأفق لوقت لم يَطُل، الأمل بالانفراج والإفراج عن لبنان من أسر المؤامرات وحروب الآخرين على أرضه، إلا أن حادثتين تاريخيتين اهتز لهما البلد الصغير، الأول زيارة الرئيس أنور السادات إلى "القدس" المحتلة (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1977)، والثاني وصول آية الله الخميني إلى طهران (فبراير/ شباط 1979) عائدًا من منفاه في القرية الفرنسية الوديعة Neauphle-le- Château في إقليم Yvelines Île -de-France في شمال وسط فرنسا، ليبدأ حكم "ولاية الفقيه" وتصدير الثورة.

 

وإذا كانت خطوة السادات قد وضعت حدًا للنزاع المسلح على الجبهة الجنوبية، إلا أن الصُلح الذي تكرس في "كامب ديفيد" سنة 1979 وعلى عكس ما توخاه الرئيس المصري وتمناه لم تستتبع مبادرته التاريخية أي خطوة مقابلة من العرب، وخصوصاُ دمشق التي اعتبرت أن مصر تخلت عنها.

 

حاول الرئيس إلياس سركيس إنقاذ ما أمكن إنقاذه، على الأقل الحفاظ على ما تبقى من الدولة المهشمة، المُعتدى عليها. 

 

وظل يعايش الأزمة العاتية، يميل معها، ويتمايل، ويتحايل، ويحاول بصبر، وأناة.. إلى أن حدثت "الانعطافة" السورية لصالح الطرف الإسلامي، فمالت كفة الميزان، وكان من تبعاتها التوتر بين الجيش السوري والميليشيات المسيحية، فوقعت معارك ضارية.

 

ووجدت "تل أبيب" أن دمشق التي كانت وعدت باحتواء المنظمات الفلسطينية وترويضها قد حنثت بالوعد، وعادت تؤازر تلك المنظمات وتتحالف معها، فاجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان سنة 1982 وسقطت بيروت، وكانت العاصمة العربية الوحيدة التي دخلها الإسرائيليون.

 

ووجد إلياس سركيس نفسه عاجزًا، فأنهى عهده في هاتيك السنة، منهكًا، متعبًا، معتل الصحة.. وقضى بعد فترة وجيزة.

 

احترت، ماذا أفعل.. اندفعت الأسئلة في ذهني إلى آخر مدى، أأترك البلد الذي أغدق على العطايا، وفيه تعلمت أصول المهنة وتنشقت نسمات الحرية، والحرية في الغربة وطن، لقد أفدت واستفدت من بيروت، الثقافة، والعلم، والفن، والأدب، والصحافة، والمناير، والمحابر، وإبداء الرأي من دون خوف أو وَجَل.

 

القاهرة، حبي وعشقي الأبدي، وبيروت كانت أمي بالتبني، معبد كل حب، لوحة من لوحات الله.. لو لم تكن مصر بلدي ووطني السرمدي الأبدي، لكنت اخترت لبنان وطناَ، وموئلًا، وملاذًا.. لبنان الرائد، والقائد، والمتفوق، والمتطور، والمتألق، حضارة، وثقافة، وتاريخًا.. كنت أراه يُذبح أمامي من الوريد إلى الوريد، وينزف دمًا، ويموت تدريجًا أمامي.

 

وكان لابد من الرحيل.. وكنت أعرف، إن خرجت من لبنان فكأني خرجت من نفسي.

 

سحبت نفسًا عميقًا من "الغليون"، تَجمّع الدخان حلقات حول القنديل، تدافعت الوجوه المسكونة في مخيلتي.. نفخت في زجاجة القنديل، أطفأت نوره، توشحت العتمة، استرخيت على المسند وتمتمت: "لابد من الرحيل"، ثم غفوت.