عاجل
السبت 4 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

أخذ معه الشمس

رسم: احمد سميح
رسم: احمد سميح

هي تلك القصة القصيرة التي لا بد أن تحدث في حياة معظم البشر، منذ خلق الله الأرض وأوجدنا فيها.



بعضها موجع إلى حد البكاء وبعضها جرحها لا يدوم كثيرً.

فالنهاية سيبقى لها وجع مهما اختلف قوته وشدته.

وفي النهاية سيبقى ذلك اليوم قصة قصيرة لا ننساها ولا تنسانا.

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

كان يومًا عاديًا يُشبه كل الأيام، إلا أن تلك الأيام العادية باتت الأجمل مذ هربت إلى دفاتر الذاكرة، وأخذ الحنين يُسطر أوراقها.

ذلك اليوم الذي تحدى كل قوانين الطبيعة بمفاهيمها عندما أغمض أبي عينيه ومضى في المغيب آخذًا معه الشمس وتركني في عتمة ليلةٍ شتوية باردة، ذاهبًا إلى الجانب الآخر من العالم وماضيًا إلى حقيقة هاربة من تلك الدنيا. إلى أين أنت ذاهب يا أبي؟

هل من العدل أن تأتي بي إلى تلك الحياة وترحل قبل أن تعلمني أبجديتها؟

ولماذا ألومك إن كان الموت أقوى من أن تقف بوجهه؟

أو أن خيالي الطفولي جعلني أظن للحظة أن قوتك أكبر من حقائق ومسلمات هذا العالم.

لماذا استطاع الموت أن يخترق صفو حياتنا؟

ولماذا مازلت ألومك يا أبي؟

وإن كنت قررت الرحيل فلماذا تركت لي هنا حقائب البكاء أحملها وأرحل عن نفسي إلى حيث لا أدري، ويخطفني ضياعي إلى ما لا أشبهه ولا يشبهني، وأركض عائدةً إلى ما هربت منه من حيث بدأت لَعَلني أجدك، ولكن لا أجدك ولا أجد نفسي.

أين رحلت يا أبي؟ وكيف أخذت معك ضحكاتي؟

كيف سلبني الموت أبى وقتل شيئًا بداخلي لم أعرفه بعد؟ ولكنني أشعر أن هناك شيئًا فقدته ولا أعرفه؟

وكيف أبحث عما لا أعرفه؟

أنا فقط أنتظره، وليس لدي سوى الانتظار لعل هذا الشيء يعود كما مضى.

ولكن عبثًا أن يعود، فإن عادت الروح إلى أبي ستعود إلى ما مات بداخلي بموته.

أنتظرك في تلك المحطة البعيدة وأحجز لك مقعدًا بجانبي ولكنك لم تأتِ وأرحل عن ذلك المكان ولا أغادره، وأغادر من مكان الحنين والذكريات ولكني لم أرحل عنه.

وتبًا لتلك الذاكرة الموجعة التي تطاردني؟

ولكم تمنيت أن أفقد تلك الذاكرة اللعينة، فلا أعود أبحث عني، ولا أتذكر من فقدت في طريقي.

أنسى وجه الدنيا العابث، الذي كنت تقف حائلًا بيني وبينه، قبل أن تكشر لي تلك الحياة عن أنيابها.

كم أتمنى لو أنسى وحدتي بدونك، وأجد شاطئًا أبتعد فيه عن أمواج دموعي التي تتقاذفني في كل يوم.

أين ذهبت؟

أنت الذي علمتني أن الكذب خطيئة، فلماذا كذبت؟

نعم كذبت، كذبت حين وعدتني أنك ستبقى معي، ونسيت ذلك الوعد.

ولماذا ألومك مرارًا وتكرارًا، وكأنك أنت من اخترت الموت، ولكنه هو من اختارك.

أين النسيان يا أبي، وكيف أعثر عليه؟

ليس نسيانك، ولكن نسيان عبث تلك الحياة بي.

وأين أجد تلك الفتاة التي تركتها على أبواب الماضي، وما عادت إليّ؟

ضحكات لا تشبه ضحكاتي.

وكلام لا يشبه كلامي.

وأيام تشبه الأيام.

وحياة لا تشبه الحياة.

ورياح تقتلعني من جذور ذاتي فأضيع في تلك العاصفة، التي أخذتني إلى غربةٍ بعيدة.

ولكن لا أبي لا يموت.

أبي لم يكذب، لم يمت يومًا ولن يمت وإن كان التعبير عنه أخذ شكلًا آخر، وبات الحديث عنه بكلمات تبدأ بفعلٍ ماضٍ.

بات فعل (كان) ثقيلًا وموجعًا إلى حد الألم.

وباتت الكلمات تموت قبل أن تُولد، وتتبعثر بقاياها على شفتيّ.

هذا الرجل الذي أتى بي إلى تلك الدنيا لا يموت، لأن من زرع الحب لا يموت.

من علمني كيف أحب لا يموت.

أنت يا من كانت تشرق الشمس من عينيك، ويعود الأمان بلمسة يديك؟

كيف تصالحني الطبيعة وأحاسيس هاربة مني؟

من أين ستشرق الشمس؟

هل ستشرق من عينيك أيضًا في سماءٍ بعيدة فتجد أشعتها عيناي الغارقة في الدموع؟

الآن علمت لماذا أحب أن أرى تلك السماء البعيدة.

لأنها حيث تسكن أنت، وحيث تنظر إليّ وتبتسم من بعيد.

ربما عليّ أن استجمع قواي وأمضي.

وأترك الحزن يأخذ مجراه، وأرضى بتلك الحقيقة أن الحياة لن تخلو من الخسارة.

وربما كانت بداية خسارتي هي أكبرها وأكثرها تحطيمًا لي.

ولكن ربما عليّ أن أتقبل أيضًا خسارة ما مضى معك يا أبي.

ومنذ قلت لنفسي تلك الأشياء، وقررت أن أمضي مع تلك الحياة.

ناسيةً ما مضى ومغادرةً وجع لا يغادرني.

كان عليّ أن أدرك أن الخسارة تأخذ وقتًا قصيرًا، ولكن وجعها أحيانًا يترك جرحًا غائرًا لا يذهب أثره.

فإن تناسيت الوجع سأظل دائمًا أتذكر ما ترك الجرح من أثر.

سأتذكر أن أبي هو هذا الشخص الذي لا لن تعطيني إياه الحياة سوى مرة واحدة، ولن يعود مثله، ولن يعوضه شيء ولن تكرره أيامي.

فهو كالعمر واحد فقط.

وإن كان أبي مات لم ولن أسمح لآخر قطعة منه أن تموت.

فهأنذا يا أبي.

مازلت أحيا بك ومازلت تحيا بحبك فيّ وبي.

مازلت أكتب.

مازلت أحبك وسأبقى أبدًا.