الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

الصنـــــدوق

رسم: ابراهيم عبدالملاك
رسم: ابراهيم عبدالملاك

كل المَشاهد من أعلى تبدو جميلة، هكذا أخبرونا، فكلما ابتعدنا تظهر لنا لقطة أخرى لم تكن بالحسبان ربما تضيف لجَمال هذا المَشهد بُعدًا آخر، كل المَشاهد هكذا إلا هذا المَشهد الذي يراه هذا الحكيم الذي صعد إلى أعلى قمة جبلية فى المدينة والتي تُدعى "الرفيل"، يمكنك أن ترى جليًا هذا اللون الأصفر الذي يملأ عينيه ويداعبهما، لم تكن أشعة الشمس كما اعتقد الجميع ممن شاهدوا هذا المَشهد لأول مرّة فلم يكن حكيمنا ينظر للأعلى؛ بل كانت نظرته إلى الأسفل؛ حيث النار التي اشتعلت فى المدينة فلم تُبقِ عليها نسلًا ولا حرثًا، ومن كان يريد معرفة قصة وصولنا إلى هنا، فلحكيمنا قصة أهم لكى تُحكى.



إن كنت تسأل عن الزمان فالقصة لم تختلف باختلاف وقت حدوثها، فهى المَثل الذي يُضرَب لنا صغارًا كى لا نقع به كِبارًا، فما إن أُتيحت لنا الفرصة لنكون أول المهتدين حتى ضربنا ما علمنا عرض الحائط وانضممنا إلى نخبة الخاسرين، وإن كنت تسأل عن المكان فكل أرض مَهما حملت فى طيات عمرها فقد ساقها شعبها إلى هذا المصير الأسود يومًا ما وتبقى بها قمة صامدة تحمل آخر من تبقى من أهلها ليخبرنا بنفس القصة التي لا نتعلمها أبدًا.

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

على نفس تلك الأرض كان الحاكم الذي يتولى أمورَ العامّة يُطلق عليه "القاسم" أيًا كان اسمه أو صفاته، وكان القاسمُ يتسلّم صندوقًا ذهبيًا يوم توليه مقاليد الحُكم ويتوارثه كل الحُكّام على مدار حُكمهم، كان الصندوق مغلقًا دائمًا ولم يكن أحد يعلم من يمتلك مفتاحه، وظلوا فقط على اعتقاد أن ما يحتويه هذا الصندوق هو سبب بقائهم بالتأكيد على قيد الحياة، فمن تمّلك الصندوق قد صار حاكمًا علينا وله منا الطاعة، إن أخطأ القاسمُ فلا حساب عليه، ومَن سيحاسبه وهو يملك الصندوق!! وإن أخطأ فردٌ من العامّة فله العذاب والويل من صاحب الصندوق، نَعَمْ هى تلك الحُقبة التي تعلمنا فيها درس السادة والعبيد.

بعد وثبة زمنية فى أحداث قصتنا ليست بالقليلة وخلالها استمر الوضعُ على ما هو عليه، ماتت أجيال واندثرت سيرتها وجاءت أجيال أخرى إذا ما سألتهم يومًا عن سبب رضاهم عن الذّل والخضوع الذي يتجرّعونه يومًا بعد يوم لأجابك أحدُهم فى لحظة من الجهل الذي يصيبك بالمرض (هكذا وجدنا أنفسَنا)، ربما تذهب مخيلتك إذًن لسؤال آخر ربما يكون هو حَجَر الزاوية الذي ربما سيصل بنا إلى نقطة الحل: ما سبب إيمان الناس بهذا الصندوق الذي يُعطى صاحبه صك الحُكم؛ بل الاستحكام وكأنه معجزة قد اصطفى بها الإله أحدَ أنبيائه؟! وإن كانت الإجابة كسابقتها فهل لم يتطرّق أحدُهم يومًا إلى التفكير فى تحطيم هذا الصندوق اللعين لتنكسر معه تلك الخرافة البائسة التي انكسرت عندها رقاب العامّة ذلًا وتنكيلًا؟!

كان هذا السؤال هو سبب الوثبة الزمنية التي قُمنا بها منذ قليل، فقد اتجهنا نحو أول الساخطين، أول من خلع عباءة التسليم بالواقع المتوارث والمفروض رُغْمًا عن الجميع، صاحب أول كلمة (لا) على تلك الأرض على مدار عقودها البائدة، كان حَكيمًا وإن قلّ عمره، كان يعلم بأن بعض الأسماء تظل عالقة فى الأذهان لا يمحوها الزمان فأطلق على نفسه (الثائر)، كان يعلم جيدًا بأن مبدأ إقناع العامّة بضرورة تغيير تلك الأفكار المتوارثة لن تُجدِ نفعًا، فهذا الجهل الذي اعتمد فى غزوته على أسطورة زائفة لم يعلم أحدٌ يومًا حقيقتها سيحتاج بكل تأكيد إلى أسطورة أخرى ولكن تمتلك من الحقيقة تلك المرّة ما يجعلها تصمد للجهل أبدًا، وإن أردت تملُّك الغابة فعليك بمناطحة الأسَد فى عرينه.

كان اليوم هو يوم تتويج أحد الحُكّام الجُدُد لمقاليد الحُكم، لن يختلف الأمرُ كثيرًا حول مَن هو الحاكم الجديد أو صفاته بالنسبة للشعب، فكل ما يعلمونه أن اسمَه قد صار "القاسم" وأنه أصبح يمتلك من حياتهم ما لا يملكونه، أثناء مراسم التتويج وتسليم الصندوق إلى الحاكم الجديد اندفع (الثائر) بين الحشود وقفز نحو منصة التتويج حيث الصندوق الذهبى وأمسَك به فى غفلةٍ من حراس المَلك ثم أطاح به أرضًا فى صرخة عارمة ربما تظل حتى يومنا هذا هى رمز الثورة والنضال، انكسر الصندوق وانكشف للعامّة ما يحتويه بداخله، وقد كان ما ينتظره الثائر تحديدًا، فقد كان الصندوق خاويًا تمامًا، لا يحتوى على أى شىء من المعجزات أو السّحر كما حاول الناسُ اقناع أنفسهم بهذا عبر آلاف السنين.

بعد وثبة صغيرة تلك المرّة نجد أنفسنا ولأول مرّة فى تلك الحياة التي تتساوَى بها الرؤوس لأول مرّة فليس هناك سادة ولا عبيد، من أخطأ فعليه عقابه والكبير قبل الصغير، كل هذا تحت نظرات صديقنا الثائر الذي صار حاكمًا على شعبه يعلمهم حقوقهم قبل واجباتهم، فإذا حفظوا الحقوق طالبهم بالواجبات، ولكن لم يكن الجهل ليخرج خاسرًا من تلك المعركة ويركن إلى الاستسلام، فخرج علينا ذات يوم رجل لم نعرف له أصلًا ولا نَسَب، وإن كنت أعلم شيئًا عن مستقبله فهو بالتأكيد من سيُدعى بالقاسم يومًا ما، خرج ومعه هذا الصندوق اللعين مرّة أخرى مع نفس تلك الخرافة البائدة التي سئمنا منها، كان يعلم جيدًا بأن الثائر قد مات ومات معه كل من حضر يوم أطاح بهذا الصندوق لأول مرّة، اشتعلت الحرب بين أهل القرية بين من ظل حافظًا لوعد الثائر وتعاليمه ومن عاد مرّة أخرى لعبادة الجهل، وما كانت النتيجة إلا نارًا حارقة تأكل القرية وتحصد أهلها حصدًا.

إن كان يجب علينا معرفة أمر واحد فى تلك القصة هى حقيقة أننا بالتأكيد من بدأنا كل هذه الفوضى، فهذا الجهل الذي زرعناه بالأمس سيحين وقت حصاده نارًا تأكل الأخضر واليابس.