الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

أفيش

رسم: هبة عنايت
رسم: هبة عنايت

كنت في أولى ثانوي، أجر بنطلوني وهو يلتصق بحذائي مقاس 43، رغم أن رجلي تشبه في حجمها أرجل الفتيات. كنت حييًا أشد الحياء.



الوالد لما يشتري لك حذاء، عليك بلبسه ولا تجادل، وضعت الكثير من الجوارب، أحدهم ملك لي، واستلفت من أخي جوارب متقطعة وتصدر منها رائحة كريهة، سمح لي ذلك بالمشي ولو بصعوبة.

أضع تحت إبطي محفظة أخي المهترئة، التي لم تعد تصلح لشيء، سوى أن يسقط قلم أو محبرة من ثقوب كبيرة.

وضعت أغراضي المدرسية في النيلون، وهكذا تفاديت خسارة الأقلام والكراريس. 

 الأمر لم يكن مخجلًا في منتصف السبعينيات، حال البلد لم يكن يريح أحدًا.

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

يشدني والدي من أذني كلما تقاعست عن ذهاب للمسجد ومرات أخرى كنت أرفض تعويضه في المحل، خاصة أيام الخميس لما يعرض التليفزيون أفلام ألفيس بريسلي.

لساعات طويلة، مشدوه لأفلام الكوبوي والبطل الذي دائمًا كان وسيمًا.

قبل أن ألتحق بمقاعد الدراسة، كنت أقف مشدوهًا، أمام صور الأفيشات، المعلقة في بهو السينما.

صور بألوان الطبيعة، وقد اعتادت عيني على الأبيض والأسود.

وقفت مشدوهًا وتصادف ذلك اليوم مع قرار حارس القاعة، أن يضع الأفيش في الطريق، مما جعلني أتطاول وأضع يدي على وجه الممثلة، كانت تشبه حبة الرمان.

صرخ من داخل القاعة، صوت أجش:

- أبعد يدك المتسخة عن وجه حبيبتي!

جرى ورائي، سقطت في أول وهلة، ثم هرولت، ألتفت فلم أجده، ولكن صرخاته، كانت تسمع من بعيد، فمه مزبد. شكاني إلى والدي، الذي كان يبحث عن أعذار ليضربني، إلا أنه على غير عادته، لم يسألني عن فعلتي تلك.

صورة الممثلة "نيللي"، بقت محفورة لسنوات في ذهني، ومازالت. ممثل يضع طربوش وهو يدنو منها، هكذا يظهر لي، لم أر في بلدتي من هي أجمل منها.

 أصابني الهلع، ولم أعد أمر من ذلك المسلك، كنت أغير من لباسي، وبعض الأحيان أندس وسط أصدقائي. مرة شاهدته وهو يكنس أمام باب السينما. 

يرفع من صوت الأسطوانة، تأخذه نوبة رقص غير عادية. كانت رقصة تانجو، لم أسمع بها من قبل.

بعد أشهر، بعدما أحسست أنني أصبحت من الماضي، عدت إلى وقوفي أمام الأفيشات ويدي وراء ظهري.

في يوم ما، كان الباب موصدًا، والأفيشات التي كانت ظاهرة في الفترينة، اختفت.

1 حتى الآن لم أعرف ماذا كان يشتغل، هل هو البواب، أم المسير؟!

ولم أجد أحدًا، يجيبني عن سؤالي. سألت الوالد لما كان في لحظة صفاء، ولم يكدر نفسيته شيء.

قال لي وهو يستغرب من السؤال:

ـ هو المشرف عن القاعة.

كان يعزه والدي كثيرًا، ولم أعرف السبب، وكيف جمع الشامي والبغدادي.

 ما دخل والدي في السينما والفنانين، وهو من الموالين، يعيشون على تربية الأغنام ولا يعرفون إلا حرقة الشمس والجفاف الذي لا يرحم؟!

سمعت والدي يدعو له بالشفاء، وهزت والدتي رأسها وكأنه قريب لها.

أحضرت لي الوالدة صينية حلوى، وقالت لي أن أذهب بها إلى قاعة السينما، أعدت عليها الحكاية، رغم أنني متأكد بالحرف الواحد، هذا ما قلت لها منذ أشهر. تظاهرت أنها لم تسمع أو لا تريد أن تسمع، وقالت إنه قريب لها وقد أعدت حبات "الغريبة" خصيصًا له، ولا يمكن أن يلومك وأنت تقدم له الحلوى.

في كرسي داخل القاعة، جلس وهو يدخن سيجارًا. بدلة عجيبة يرتديها، لم أرها من قبل.

حذاء إيطالي، بدلة بنية، ماركة أجنبية.

أشار بإصبعه أن أبقى عند الباب، قام من جلسته، محييًا الكراسي الفارغة. بدأ العرق ينزل من جبهتي وكأنه صنبور ماء.

وضع يده على رأسي، ثم أردف يقول بصوت خافت:

ـ مرحبًا بابن الكريمة! 

أحسست بغضب، وأنا أسأل نفسي: (كيف لم يذكر والدي واكتفى بوالدتي؟).

طلب مني زيارة المكان بصحبته، وهذا كل أملي، أشار إلى آلات، لم أسمع بها ولا يمكنني تذكرها، أسماء أجنبية، فرنسي على إنجليزي.

ثم فتح أروقة، أسر لي، إنه هو الذي صنعها بنفسه، تمر الأفيشات بنقرة بأصابعك، كم تلونت عيني ببهاء الفنانات. ضحك قليلًا وكأنه يحس بما انتابنا من مشاعر المراهقة.

ثم سألني:

ـ هل تعرف ما أحلى شيء في قاعة السينما؟! 

ـ لا!

2

ـ الظلمة.. نعم الظلمة، كل واحد منا، يعيش فيلمه الخاص، يشاهد ويحلل حسب هواه.. قصة حب مثلًا، العازب لا يعيشها مثل المتزوج، وهكذا دواليك.

كنت أستمع وأنا مبهور بما يقوله، طلب مني الجلوس، بعدما أدار الشاشة، فيلم صامت، أبكانا وأضحكنا.

في نفس الوقت.

الشخص الذي كنت أخافه، يصبح أكثر من المقربين، أردت أن أسأله ولكن أرجعت الأمر إلى فرصة أخرى.

رأيته فيما بعد، يكنس ويخرج الكراسي إلى الشمس، ثم يأتي بقصاصات الجرائد ويمسح زجاج الأبواب.

قال لي إنه سيعرض فيلم: "مع مهب الريح"، يوم الأحد.

ودعاني لمشاهدته، حكى عنه الكثير، يقتني الجرائد ويسمح للأخبار الفنية.

رأيت وجهه، بدأ يميل إلى السواد في الأيام الأخيرة، وكأن مرضًا ألم به، كان صبورًا، لا يشتكي.

سألتني والدتي عنه، فلم أخبرها عنه، قلت لها إني لم أره منذ زمن، ولم أعد أمر على قاعة السينما، وجدت مسلكا آخر، أصل به إلى الثانوية.

راحت تسأل والدي، الذي لم يجبها، ثم تذكر أنه سمع من أصدقائه أنه في المستشفى.

طلبت منه أن تزوره، رفض الفكرة. 

سألت صديقي، عن حارس قاعة السينما.

أخبرني أنه مات، ولم يتزوج أبدًا، عشق الممثلات، ووجد ميتًا في قاعة البث وحيدًا، يفترش ورق الأفيشات.