عاجل
الثلاثاء 18 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المشير حسين طنطاوي
البنك الأهلي
"آن للمقاتل أن يستريح"

"آن للمقاتل أن يستريح"

المشير طنطاوى علامة وطنية أصيلة محفورة فى وجدان الأمة المصرية



القائد العسكرى المَهيب والوطني الشجاع الذي أمسك الجمر بيده بدلاً من إحراق مصر

 

لا تستفسر عن الحزن الذي داهمنا بمجرد سماع خبر رحيل المشير «محمد حسين طنطاوى».. لا تستغرب وفاء الأمة كلها لرجُل عاش لأجل أن يظل هذا العَلم محتفظا بكبريائه.. لا تتوقف أمام شماتة الخونة، فالقائد العسكرى الوطني المَهيب أوجعهم حيًا وميتًا.

قصة بطولة وكفاح المشير «طنطاوى» تستحق أن نحكى عنها كثيرًا ونُعَلمها لأجيال.. هى بحق درسٌ فى الوطنية وامتدادٌ لنماذج تقدّمها على الدوام قواتنا المسلحة العظيمة.

المشير البطل الذي دائمًا أبدًا كان على موعد مع القدر؛ بل هو مشيرُ الأقدار.. خاض كل حروب مصر مقاتلاً.

بدأ مسيرته العسكرية فيما تتعرّض ثورة يوليو لمحاولة كسر إرادة ونزع سيادة بعد تأميم قناة السويس فكان البطل مقاتلاً.. شهد نكسة 67 وكان من الجيل الذي أعلن التحدّى والثأر وخاض معارك حرب الاستنزاف، وهى واحدة من أعظم الحروب فى التاريخ العسكرى ولم تكشف كل بطولاتها بعد.. كانت مصر تقاتل وتعيد تنظيم صفوفها وتستعد للمَشهد العظيم فى آن واحد.

ثم أعلن عن نفسه قائدًا مقاتلاً يوم 15 أكتوبر 73 وتحديدًا ليلة 16 من أكتوبر 73 فى واحدة من أشرس معارك نصر أكتوبر المجيد.

لكن ما الذي جرَى حينها؟

كانت المعارك على أشدّها.. بدأ الجسر الجوى الأمريكى لإمداد ومساعدة العدو لإيقاف تقدُّم القوات المصرية، وهو ما دفع الرئيس «السادات» وقتها لإطلاق مقولته الشهيرة إنه لم يعد يحارب إسرائيل ولكن يحارب أمريكا.

كانت بدايات ما عُرف بثغرة الدفرسوار.. تقدّمت قوات للعدو الإسرائيلى بقيادة الجنرال «شارون»، كانت مهمتها السيطرة على «المزرعة الصينية» والتي تتسم بموقع استراتيچى بالغ الأهمية إذا سقطت فى يد العدو تصبح مهمته فى إسقاط السويس والإسماعيلية أكثرَ سهولة.

هنا تقدّمت الكتيبة 16 بقيادة المقاتل «محمد حسين طنطاوى»، ورُغْمَ تبايُن العِداد والأعداد أمر بفتح النيران على العدو واستمر القتال ببسالة وشجاعة وثّقها العدو فى ذاكرته بعشرات الشهادات. نجح المقاتل «محمد حسين طنطاوى» فى تكبيد العدو بقيادة «شارون» خسائر فادحة، ومثلما صمد الأبطال فى «المزرعة الصينية» كانت المدن الباسلة السويس والإسماعيلية عصيَّة على العدو، ومن هنا بدأت تصفية الثغرة.

ومن هنا قبلت إسرائيل بوقف إطلاق النار؛ لأنها لم يكن لتستمر فى القتال بعد يوم 25 أكتوبر ولو كانت انتصرت فى معركة «المزرعة الصينية» وفتح الباب أمامها لتحقيق أهدافها من الثغرة ما كان ليجبرها أحدٌ بالتوقف.

لماذا أقول إنها لم تكن تستطيع أن تستمر فى القتال بعد يوم 25 أكتوبر؟

لأن الوضع العسكرى الإسرائيلى كان قد وصل إلى هذه الحالة: 

1 - لأن قوات العدو كانت قد فقدت قوة الهجوم ولم يَعُد فى إمكانها تحقيق أهداف هجومية تستفيد منها استراتيچيًا أو حتى تحقق من خلالها بروبجندا إعلامية.

2 - حجم القوات الإسرائيلية كان أقل بكثير من حجم المساحة التي تواجدوا بها داخل الثغرة، وهو ما يعنى فى التخطيط العسكرى عدم القدرة على إحكام السيطرة ويجعلهم بمثابة (حفلة شاى) لقوات الصاعقة المصرية، وهو ما حدث بالفعل فى الفترة من نوفمبر 1973 حتى يناير 1974.

3 - استراتيچيًا كانت قوات العدو محكومة بمتنفّس وحيد عبارة عن مَمَر عرضه 10 كم، وهو المَمَر الوحيد البرّى المؤدى إلى قوات العدو داخل الدفرسوار، يعنى بزاوية أخرى تقدر تعتبرهم تحت الحصار.

4 - أكذوبة كبرى ردّدها الإعلام الإسرائيلى أن بإمكانهم التقدم نحو القاهرة، وده درب من دروب المستحيل.. لا يمكنهم التقدم للقاهرة غربًا لوجود الفرقة الرابعة المدرعة.. ولا يمكنهم التقدم شمالاً باتجاه الإسماعيلية لوجود مانع مائى يتمثل فى ترعة الإسماعيلية ومن أمامها قوات صاعقة ومظلات يتلهفون لاصطياد الدبابات.

5 - فوق كل ذلك صعوبة وصول إمدادات ومؤن لقوات العدو بسبب طول المسافة من منطقة «الطاسة» على المحور الأوسط وصولاً إلى موقع الثغرة فى منطقة الدفرسوار، وهو ما يُعرّضها للقطع بواسطة الكتيبة 16 بقيادة البطل «محمد حسين طنطاوى».

وثّقَ المشير «طنطاوى» شهادته عن حرب أكتوبر وبطولة فرقة الكتيبة 16 حينها، والحمد لله أن الدولة المصرية انتبهت لتوثيق شهادات أبطال النصر كى يترك الدرس للأجيال بعيدًا عن يد العبث والتزييف.

استمرت المسيرة العسكرية المشرّفة لهذا الرجُل الوطني العظيم إلى أن أصبح القائد العامَّ للقوات المسلحة، ولكن لأنه رجُل الأقدار كان قائدًا على موعد مع التاريخ خاض حرب تحرير الكويت وفى 2011 كان اختبار نهاية العمر.

مهمة بحجم مصر!

جرَى ما جرَى فى مصر.. وما كان لأحد أن يتوقع حجم الخراب القادم على الأمة من المشرق إلى المغرب والهدف والجائزة الكبرى هى مصر.. إلا أصحاب البصيرة الوطنية النافذة.

كان المشير وأعضاء المجلس العسكرى على دراية كاملة بأن الهدف إحداث الفوضى فى مصر والمستهدف هو الجيش المصري بأن يصبح مثل جيوش بعض الدول فى المنطقة، وإذا ما حدث سقطت الدولة المصرية؛ لأن القوات المسلحة المصرية هى عماد الدولة الوطنية المصرية، هى الداعم والسَّنَد والحافظ لكل مؤسَّسات الدولة.. استحمَل حملاً لا تطيق به الجبال.. تآمر الجميع على مصر وأول من تآمر عليها نخبة الفوضى الذين سلموا مصر للجماعة الإرهابية والذين سعوا مرارًا ومرارًا لإحداث الوقيعة بين الشعب والجيش، ولهذا لا تستغرب نباحهم بعد موته.

كان الرجُل بحكمة يمضى ممسكًا بالجَمْر فى يده كى لا تحترق مصر كلها وتسقط فى مهب الريح، وأدّى أمانته الوطنية بشرف ونزاهة وبطولة لم تفارقه إلى أن جاءت لحظة الرحيل.. فـ «آن للمقاتل أن يستريح».. وداعًا ابن مصر العظيم.. وداعًا سيادة المشير «طنطاوى».

 

من مجلة روزاليوسف

تابع بوابة روزا اليوسف علي
تطبيق نبض جوجل نيوز