الأحد 19 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
"خناقة" فرنسية أمريكية على لبنان

ماذا فعلت الأم الحنون للبنان المجروح 2-2

"خناقة" فرنسية أمريكية على لبنان

لا أعرف لما تعذر عَلَيَّ  النوم، مع أنني كنت متعباً من هموم النهار ومشاكله.. أشباح مرعبة كانت تحوم فوق رأسي، تخطف النوم مني، وحاولت أن أطردها من مُخيلتي مراراً، فكانت تعودُ تتمسك بي. 



تصورت نفسي بين قبضة ملثمين، تناوبوا عليَّ ضرباً بأعقابِ بنادقهم، ثم رموني في غرفة معتمة مع غيري من المخطوفين المأسورين،  فاستفقت مذعوراً يتصبب العرق البارد من جسمي.

 

عند تفتق جلد الليل عن النهار، سمعت رشاقات من رشاشات أوتوماتيكية، تبعتها انفجارات.

 

بدأ نهار آخر من القتل

روّجَ بعض الساسة بأن الانفراج بات وشيكاً، و أن حنان "الأم الحنون" سيبلسم جراح لبنان المنهوك، المذبوح من الوريد إلى الوريد.

 

كنتُ أقرأ في عيون بعض الزملاء الصحافيين، وفي تقاطيع وجوههم وتغاضين جباههم، كثيراً من التساؤلات وبعضاً من الارتياح بأن شكلاً ما من الوفاق سيظهر، وسيكون شاملاً ثابت الأركان، يعيد لبنان إلى  لبنان.

 

إلا أن الآمال راحت تتبدد من الأفواه و من حبر الأقلام، فالتوتر  ارتفعت وتيرته: اغتيالات على الحواجز، وكمائن في المنعطفات حيث تتسرب الشرور و الشرارات، ولم يعد هناك ما لم يحترق في بيروت، اشتعل، ترّمد، أصبح أثراً  بعد عين.

 

وكأن ذلك التوتر المفاجىء تم افتعاله لكي يلمس كل من موريس كوف دو مورفيل Maurice Couve de Murville، ورفيق دربه في المهمة الفرنسية الصعبة جورج جورس Georges Gorse، حقيقة الحرب الدائرة في لبنان وعليه.

 

"سيجتمع بقيادة المقاومة الفلسطينية".. قالوا وتمّشى الخبر بين الصحافيين من فم إلى أذن، إلاً أن دو مورفيل أحاط تحركاته بالصمت، و لم يكشف أي شيء رسمياً، وبقي الأمر"حكي جرائد" كما يقول  اللبنانيون عند التشكيك بمصداقية أي خبر.

 

الجمعة 21 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1975.

استفاق فندق "بوريفاج" على جلبة وحركة غير عادية، واستسلمت أروقته الفخمة لرجال الأمن، والمنطقة حوله وحواليه أُحيطت بحزام أمني غير مسبوق. 

 

دخل ياسر عرفات محوطاً بحَرسه ومعه مترجمه الخاص، تبعه بعد نصف ساعة موريس كوف دو مورفيل، ولحق به مترجم  من السفارة الفرنسية.. أُغلقت أبواب الردهة الكبرى حيث دار اللقاء، ولم تفتح سوى مرتين لإدخال القهوة والشاي. 

 

خَبَّرَ من حضر من الصحافيين أن الموفد الفرنسي خرج مرتاحاً، كذلك لاحظوا ارتياحاً على قسمات وجه عرفات، ولم يُترجم هذا "الارتياح" في تصريح  أو تعليق أو تسريب ما نزل على الرجلين من كلام على مدى ساعات ثلاث.

 

وما لم نعرفه يومها كشفت عنه الوثائق التي أفرجت عنها Quai d’Orsay وزارة الخارجية الفرنسية.

 

وفي تلك الوثائق أن باريس اعتبرت أن مشكلة الوجود الفلسطيني في لبنان تأخذ وجهين: الأول ضرورة وضع تعريف دقيق لوضعية اللاجئين الفلسطينيين، مدنياً وقانونياً، أي أن المطلوب حسب تفسير دو مورفيل، التعاطي القانوني مع اللاجئين باعتبارهم "مواطنين أجانب" ينتمون إلى الدولة الفلسطينية التي سيتم إنشاؤها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي هذا الصدد تحديداً كنت قرأت تصريحاً لدو مورفيل بعد عودته إلى باريس، أعلن فيه أن الفلسطينيين يريدون أن يبقوا فلسطينيين، أي أنهم لا يريدون "التوطين" في لبنان، و تَرَك الاعتقاد بأن "عرفات" هو الذي عبّر له عن ذلك.

 

أما الوجه الثاني فهو سياسي و عسكري، وقد طلب دو مورفيل من  عرفات و المنظمات الفلسطينية، الكفّ عن التنقل بأسلحتهم خارج المخيمات، والامتناع عن التدخل في الحياة السياسية اللبنانية. 

 

وتشير الوثائق التي بين يدي، إلى أن دو مورفيل أكَّدَ على ضرورة التوصل إلى اتفاق وتفاهم لبناني- فلسطيني، من شأنه أن يكفل تطبيق اتفاق القاهرة (1969) بشكل صارم.

 

وتنقل الوثائق (عبارة عن تقرير واف ومسهب حول المهمة الفرنسية في لبنان) أن الديبلوماسي الفرنسي المحنك والمجرِب، توجه إلى ياسر عرفات قائلاً: "إن أولوية الأولويات تتمثل في المصالحة بين جميع اللبنانيين على تعدد انتماءاتهم، والأمر الثاني الملح يتمثل في عودة النظام بشكل نهائي إلى البلد، هذا الأمر هو أولاً مسؤولية الحكومة اللبنانية، لكن إعادة بسط الأمن لا يمكن أن يتحقق من دون الإسهام الناشط للفلسطينيين".

 

و طلب دومورفيل من عرفات وجوب العودة إلى الاتفاقات التي تمّ توقيعها في العام 1969 (اتفاق القاهرة) وفي سنة 1973 (ملحق ملكارت)، والتي تحدد الوضعية القانونية للفلسطينيين في لبنان. 

وفي كلام آخر صريح قال دومورفيل لعرفات ما أنقله من الوثائق:

 

"يجب الاعتراف في هذا المجال أن هناك حقوقاً تم منحها للفلسطينيين بشكل يتجاوز القاعدة الطبيعية لمعاملة الأجانب الذين يعيشون في بلد ليس بلدهم".

 

وتابع دومورفيل: 

"إنّ وضع حداً للقتال الدائر الآن يتطلب أن يعود كل طرف إلى مواقعه، ويجب فى كل الأحوال نزع سلاح اللبنانيين، أما أنتم الفلسطينيون فيجب أن تعودوا إلى مخيماتكم".

 

وأوضح المبعوث الفرنسي لرئيس منظمة التحرير، أن إسرائيل سوف تحتلّ فوراً جنوب لبنان في حال تفجّر الوضع في هذا البلد، أي في حال حققت "منظمة التحرير" و"الحركة الوطنية" الغَلَبة على الطرف الآخر.

 

ولم يُنزع السلاح من اللبنانيين، ولم تمتثل المقاومة الفلسطينية لما طلبه الموفد الفرنسي، وظل الجرح اللبناني مفتوحاً على الألم والحزن، والموت اليومي. 

 

منذ البداية لم يخف موريس كوف دو مورفيل أن لدمشق أصابع فيما يجري في لبنان، وهي معنية بشكل مباشر بالأزمة في بلاد الأَرز، أو هكذا على الأقل ما تكشف عنه وثائق الخارجية الفرنسية، فحمل  المقترحات الفرنسية إلى عاصمة الأمويين، وكرّر أمام عبد الحليم خدّام ليسمع حافظ الأسد الأفكار والاقتراحات التي عرضها على القادة الذين التقاهم في لبنان، وخلال لقائه مع خدّام في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1975، قال دو مورفيل إن هناك ضرورة لعودة السلام إلى لبنان قبل دراسة التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تبدو ضرورية في نظره، كذلك أكّد أن جميع اللبنانيين باتوا يدركون ضرورة إجراء هذه التغييرات.

 

وطلب  المبعوث الفرنسي من خدّام لفت نظر كمال جنبلاط إلى ضرورة احترام القواعد الدستورية، أي أن يتمّ إقرار الإصلاحات من جانب الحكومة والبرلمان، خصوصاً أن هذه الاصلاحات لن تتحقق في حال لم تتم عودة السلام الداخلي.

 

وفيما يتعلق بالفلسطينيين، ذكر المبعوث الفرنسي أن "عرفات" بدا له عقلانياً، لكن الفلسطينيين منقسمون وتوجد في صفوفهم قوى متطرفة، مثل جورج حبش"، بينما "تقتضى مصلحة المقاومة بأن تظهر ككلّ متحد ومسؤول" على حد تعبيره.

 

سمعت دمشق ما جاء دورفيل يعرضه عليها، دخل من أذن اليمين وخرج من أذن الشِمال.

بالهدوء المعتاد الذي يواجه به ياسر هواري احتدام النقاش بين المحررين خلال اجتماعات التحرير في جريدة "الديار"، فتح ملفاً أمامه و أخرج ورقة قرأها: معلومات خاصة: باريس وضعت تصوراً لحل أمني دولي من أجل وقف الصراع".

 

ساد صمت بليد، وتطايرت علامات الاستفهام تسابق علامات التعجب، لم يتسرب مثل هذا الكلام خلال مهمة موريس كوف دو مورفيل، ففيما كان المبعوث الأمريكي دين براون يواصل جولاته  ومهماته، فاجأ المبعوث الفرنسي العالم بإعلانه عن الجانب الأمني للمبادرة الفرنسية..

 

                                                   في كتابه  Lebanon In crisis: Participant and Issues كشف روبرت ويلسون ستوكي  Robert Wilson Stookey عن "كونسورتيوم" لإعادة إعمار لبنان، كان براون اقترحه بعد أن يستتب السِلم الداخلي. و قد كُشف ذلك لجورس في 11 إبريل (نيسان) 1976، والمشروع قد يتضمن "جانباً عسكرياً" من دون الإفصاح عن المزيد من التفاصيل أمام المبعوث الفرنسي.

 

و أذكر فيما أذكر أن لوسيان دحداح، أحد معاوني الرئيس فرنجية، هو  أول من اقترح بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 1976، فكرة إنشاء "كونسورتيوم دولي لمساعدة لبنان وتنسيق عملية إعادة الإعمار"، داعياً فرنسا إلى ترؤسه. 

 

بعد إصرار وزارة الخارجية الفرنسية على معرفة النيات الأمريكية في هذا الشأن، تم الحصول على معلومات تشير إلى أن براون طرح أمام المسؤولين الذين أجرى محادثات معهم "فكرة الكونسورتيوم الدولي"، على شكل إطار تعاون بين دول عربية وغربية، كما ورد في أحد التقارير الفرنسية الذي ينقل بدوره عن الرئيس سليمان فرنجية قوله إن "بإمكان هذا الكونسورتيوم أن يتضمن كذلك إقامة نظام أمني، يمكن أن تشارك فيه الولايات المتحدة دولاً أوروبية وسوريا والأردن والسعودية".

 

لا أذكر خلال متابعاتي أنني قرأت أو إطلعت من زميل أو مرجع سياسي على تصريحات علنية أمريكية في هذا المنحى، وبعض المداولات الديبلوماسية السرية التي كُشف النقاب عنها لا تتضمن أية إشارة في هذا الاتجاه، لكن المواقف التي أطلقها الاتحاد السوفيتي في ربيع 1976 محذراً من مغّبة أي تدخل غربي، تغذي استنتاج المراقبين أيامذاك، خصوصاً أن البوارج الحربية الأمريكية والسوفيتية ازدحمت بكثافة في شرق البحر المتوسط في تلك الآونة، بيد أن تسلسل الأحداث أشار إلى أن واشنطن حصرت اهتمامها بتغطية "التدخل العسكري السوري".

 

و بدأت "الخناقة" الفرنسية والأمريكية على لبنان، فقد انزعجت باريس و لم يطمئن قلبها للتصرف الأمريكي، ولم يكن انزعاج باريس من مضمون مشروع براون، فهو يتقاطع مع مشروعها، إن لم يكن نسخة طبق الأصل منه، لكنها استاءت من التكتم الذي مارسه الأمريكان تجاهها، ومن الحذر تجاه "السياسة الديجولية" التي تتمسك بها الدبلوماسية الفرنسية. 

 

ردّت باريس على ذلك التكتم والحذر بإطلاق تصريح علني مفاجئ، وسارع جورس إلى الإعلان عن استعداد بلاده للمشاركة في نظام للمراقبة الأمنية، حال كان هناك امكانية لإقامته.

 

وتكشف وثائق الأرشيف الديبلوماسي أن فرنسا كانت سبّاقة في طرح هذا التوجه، وكانت تُبلغ جميع المعنيين أن مبادرتها تتعلق بـ "نظام أمني مصغّر" يتضمن "فريق مراقبين من مختلف البلدان، يتولى  مهمة الفصل بين المتحاربين، والإشراف على تنفيذ اتفاق إطلاق النار". 

 

وقد يُتبين لاحقاً أن سبب هذا التكتم الأمريكي مع الفرنسيين يكمن في أن مهمة براون سعت في المحصلة إلى رعاية "اتفاق الخطوط الحمراء" بين سوريا و إسرائيل، والتمهيد للتدخل العسكري السوري، وانتخاب إلياس سركيس رئيساً للجمهورية. 

 

هل كان الفرنسيون يجهلون كل هذه الأمور؟

الوثائق الفرنسية تسمح بالاستنتاج بأن الديبلوماسيين الفرنسيين لم يكونوا على دراية كافية بحقيقة أهداف واشنطن وخطواتها آنذاك، وهذا سبب امتعاض باريس وحنقها على واشنطن و"خناقتها" الدبلوماسية المستترة، إذا ما جاز لي التعبير. 

 

على أية حال، ثبت كما قال لي أحد السياسيين اللبنانيين، أن براون قام بتضليل كمال جنبلاط حين أوهمه أن واشنطن لا توافق على تدخل قوي لسوريا، وحاول بتعليمات "خبيثة" من هنري كيسينجر إحداث شرخ بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وكمال جنبلاط، رئيس "الحركة الوطنية"، وثبت أيضاً أن براون كان ميّالاً منذ البداية إلى دعم "عملية التدخل العسكري السوري"، وكان يتذمر من تردد إدارته، التي لم تسمح إلا بتدخل جزئي اعتباراً من 11 إبريل (نيسان) 1976، قبل أن توافق لاحقاً وبشكل ضمني على تدخل ضخم اعتباراً من مطلع يونيو (حزيران) 1976.         

 

                                            ومع بداية التدخل السوري الهائل مطلع  يونيو (حزيران) 1976، حرصت واشنطن على ضرورة التزام دمشق بما نص عليه "اتفاق الخطوط الحمراء"، منعاً لإثارة ردة فعل إسرائيلية، وقد اضطرت القوات السورية إلى استخدام أسلحة ثقيلة كي تتمكن من حسم المعارك مع القوى الفلسطينية واليسارية اللبنانية التي قاومت بضراوة، الأمر الذي تفاجأ به الجيش السوري الذي كان دخل الأراضي اللبنانية مدججاً بالسلاح والعتاد الثقيلة، وأعربت واشنطن عن قلقها لكنها ظلت مقتنعة بأن دمشق تتصرف بمسؤولية، أي أن تدخلها لن يتجاوز "اتفاق الخطوط الحمراء".

 

التأييد الضمني للتدخل السوري ترافق مع قلق أمريكي على مصير نظام حافظ الأسد، بعد العملية العسكرية التي شنّها ضد الفلسطينيين وحلفائهم في "الحركة الوطنية"، الحديث عن هذا القلق ورد في جريدة  "لوموند"، وفي محضر اجتماع بين فاليري جيسكار ديستان وهنري كيسنجر في باريس في 21 يونيو (حزيران) 1976.

 

خشي كيسنجر أن يحصل انقلاب ضد الأسد يقوم به "المتطرفون العرب"، خصوصاً أن "العزيز هنري" كان يرى أن "الأسد قد يواجه صعوبة في اقناع الرأي العام السوري بعملية عسكرية موجهة ضد الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، هادفة لحماية المسيحيين".

 

ولم يكن كيسنجر يريد أن تحقق سوريا سيطرة كاملة على لبنان، الأمر الذي دفعه إلى عدم منع إسرائيل من تسليح القوى المسيحية خفية،  لأنه كان يدرك مسبقاً أن عزم الرئيس المصري أنور السادات على توقيع اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل سيؤدي إلى نهاية التحالف "المؤقت" السوري - الأمريكي في لبنان.. سيعود الأسد للتحالف مع "منظمة التحرير" و"الحركة الوطنية"، وستغدو منطقة النفوذ الكتائبي - المسيحي معقلاً مناوئاً للهيمنة السورية، وهو ما بدأ يتكرّس فعلياً اعتباراً من العام 1978.

 

باريس راحت تدرك تدريجياً أن فرص إرسال قواتها إلى لبنان باتت شبه معدومة، لكنها لم تتنازل.. جيسكار ديستان عاد وكرّر العرض الفرنسي خلال اجتماعه مع كيسنجر الذي كرّر رفضه بلباقة وبشكل ضمني.. في الواقع أراد الرئيس الفرنسي بعد أيام على زيارة الرئيس الأسد إلى باريس، وبعد ثلاثة أسابيع على بدء التدخل السوري، القول إن بلاده ما زالت لا تؤيد حصول تدخل عسكري قبل توصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وهذا يعني رفضاً ضمنياً للحل السوري الذي انتهى بمواجهات عنيفة مع الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، وكذلك حرصت باريس على توجيه رسالة بأنها تعارض أي مشروع يهدف إلى فرض "هيمنة سورية على لبنان"، وترفض أي محاولة لانتهاك السيادة اللبنانية.

 

خلال زيارته لباريس لم يسمع حافظ الأسد كلاماً واضحاً من الفرنسيين حول تأييدهم المطلق لتحركه في لبنان.. بالطبع لم تصدر أية إدانة فرنسية، ولم يصدر أي اعتراض ولو حتى خفيفاً، لكن حاولت الديبلوماسية الفرنسية بدهاء أن تدعو إلى الإسراع فى عقد "مؤتمر مصالحة وطنية بين اللبنانيين"، وأعربت عن استعدادها لرعاية طاولة "حوار وطني لبناني"، وهو ما اعترض عليه حافظ الأسد بطريقة ضمنية، تحت ذريعة رفض تدويل الأزمة اللبنانية، وحصر الحل في الإطار العربي. 

 

بمعنى آخر، كانت باريس مستعجلة لدفع اللبنانيين إلى التوافق وعدم العودة إلى الاقتتال، وكانت تريد أن تستدرج سوريا إلى تحديد جدول زمني لموعد انسحابها من لبنان بعد إعادة بسط الأمن والاستقرار، وبعد المصالحة الوطنية، لكن الأسد غادر باريس من دون أن يعطي ديستان أي التزام ملموس في شأن الانسحاب.

 

وكان أن تمدد النفوذ السوري، فيما عرف بالوصاية لمدة ثلاثين سنة، ظل خلالها البوم ينعق في ليالي لبنان.