الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مهن تتحدى الإندثار
البنك الأهلي

الطوب اللبن من التراث السيناوى في طريقه إلى الإندثار

منازل الأجداد من الطوب اللبن
منازل الأجداد من الطوب اللبن

على مر السنوات، أصبح الطوب اللبن "النيء" في سيناء من التراث وفى طريقه إلى الاندثار وهو صناعة قديمة أسّست منازل الأجداد التي أصبحت هي الأخرى في طريقها إلى الاندثار.



 

 

لقد تطورت الإنشاءات والمباني في سيناء "شأنها شأن القرى والمحافظات المصرية" بعد أن تحولت من الطوب اللبن "النيء" إلى الطوب الآلي الحديث والحجري.

 

ويقول محمود حسن الشوربجى الباحث في تاريخ سيناء وجغرافيتها وتراثها إن البيوت الطينية المبنية من الطوب اللبن أو النيء هي الجزء العتيق من مدينة العريش وقلب العاصمة الشمالية لشبه جزيرة سيناء، والتي تقع فوق ربوة تطلّ على البحر المتوسط وتمتدّ على نحو ثلاثة كيلومترات من خط وأدى العريش شرقا الممتد من شمال المدينة إلى جنوبها والممتدة غربا إلى قلب أحياء مدينة العريش القديمة، وهي الأحياء السكنية التي تقع حاليا حول قلعة العريش الأثرية، والتي كان يسكنها الحضر من العائلات الحضرية بالعريش عاصمة شمال سيناء.

 

وتابع: يقال إن فن المعمار قد يؤرخ لوعى الشعوب ويكرس مفاهيم التعامل مع البيئة وظروف عناصر الطبيعة، ومن هنا كانت بيوت الطين السيناوية التي ميزت أهل العريش عن باقي مدن سيناء هي دلالة على صعوبة الحياة في هذه الصحراء التي لا تنتج إلا فصلين في العام: إما برد قارس يغديه هبوب الشمال، وإما حر لافح قاتل تهرب منه حتى الأفاعىن ومن هنا فكّر العقل المتعامل مع هذه الصحراء كبيئة صعبة وقاسية في إيجاد سكن يتلاءم مع مناخها، فوجد أن بيئته غنية بما يوفر له السكن المريح، وقام بتشييد بيته وبيت أسرته من الطين واستفاد من شجر البيئة ليوفر الراحة.

 

وأضاف أن البيوت الطينية السيناوية القديمة تعد حاليا من الآثار والتراث القديم الذي امتد إلى مئات السنوات حتى أصبح الآن نادر الوجود في ظل التطور البنائي السريع الذي انتشر في ربوع المدينة، ولم يتبقَ من هذه الآثار إلا بيوت قليلة جدا يكاد عدّها على الأصابع، وهي من تراث المدينة القديم.

 

وأشار الى انتشار المنازل المبنية من الطوب اللبن في العريش قبل انتشار السيارات في السنوات قبل عام 1800ميلادية، حيث كانت وسائل المواصلات وقتها إما الإبل أو البغال والحمير أو الخيل، وكان الأهالي يستخدمون الإبل والخيل في السفر، بينما كان يتم استخدام البغال والحمير داخل نطاق المدينة فقط، ولعل شكل المنازل التي سيتم سردها تفصيلا تعيدنا إلى زمن الأجداد وما قبلهم في حقبة زمنية قد تكون بدائية مقارنة بالزمن الحالي، ولكنها بلا شك كانت حياة هادئة وبسيطة ورائعة تسودها السكينة والقناعة والرضا. 

 

ومن اللافت للنظر أن بيوت الطينة الموجودة حاليا في شوارع فرعية في أحياء العريش القديمة كانت كلها على نمط بنائي واحد وقاعدة إنشائية واحدة، مما يوحى بأن المدينة لم تكن يوما ما عشوائية البناء قديما، بل كانت أبنيتها على قواعد أساسية جعلت من البنائين المختصين يتوارثون طريقة البناء والرسم الهندسي جيلا بعد جيل، وأن بالرغم من وجود منازل قليلة جدا غير كاملة من الطين في السنوات الماضية كانت تضم غرفة واحدة فقط وباقي المنزل مصنوع من سعف النخيل، ولكن الغالبية العظمى كانت على نمط بناء واحد.

 

وأصبح الأمر شاقا للغاية في البحث والدراسة عن منازل طينية قديمة متبقية في أحياء العريش القديمة داخل كتلة سكنية مزدحمة بالطوابق الإسمنتية التي محت التراث القديم بلا رجعة، وذلك لبُعد هذه المنازل عن بعضها وندرتها، وتلاحظ أن أكثر الأحياء التي تقع فيها أطلال بيوت قديمة من الطوب اللبن هي الأحياء التي تجاور قلعة العريش، ومنها أحياء: الفواخرية والسمران والصفا والشرابجة والكشاف والسلايمة والأحياء الواقعة خلف ميدان الرفاعي، فضلا عن الكتلة السكنية الواقعة جانبي مجرى وادى العريش ومن أهمها حي: أبو صقل، تلك البيوت القديمة التي كانت عامرة بأجدادنا لمئات السنوات، وباتت في زوال الآن.

 

ووفقا للمصادر القديمة، فقد كان عصر بناء البيوت الطينية في أزهى صوره في عهد الدولة الخديوية وما قبلها، فقد أُنشئت تلك البيوت قبل مئات السنوات من سبعينيات القرن التاسع عشر ، وقد حدد المؤرخ نعوم بك شقير في كتابع وصف سيناء عدد البيوت التي تتواجد في مدينة العريش خلال فترة تأليف كتابه قبل سنة 1899ميلادية وكان عددها 600 بيتا ، واصفا المدينة وشكلها العام قائلا : شوارعها متسعة نظيفة ، وبناؤها بالطوب النيء والطين ، ولكن طوبها متين كالحجر ، ولكل بيت من بيوتها فناء مسور بباب عظيم لإيواء الإبل والخيل والغنم ، وكانت أسوارها مرتفعة جدٍّا حتى أن راكب الهجين في شوارعها لا يرى ما في داخل أفنيتها، وللبلدة سوق صغيرة بجانب القلعة .. فيها نحو 70 حانوتًا تباع فيها الأقمشة والحبوب والزيت والسمن واللحم والسكر والصابون والبُن وأصناف الفاكهة والخضر.

وتتفاوت مساحات البيوت الطينية القديمة في العريش ما بين 60 إلى 100 مترا مربعا على حسب مساحة الأرض، ويحيط البيت الواحد سور عالٍ ومرتفع يوضع أعلاه زجاج مفتت أو قطع مكسورة أو أسلاك شائكة كدروع حامية من تسلق اللصوص عليها، ويصل ارتفاع السور الخارجي إلى 7 أمتار، وهو أيضا مبنى من الطوب اللبن. ووفقا لحديث الأجداد فإن الطوب اللبن مصنوع من خلال أداة بدائية من صندوق صغير توضع فيه عجينة الطين المخلوطة بالرمل وبعض التبن وغيرها من المواد ويترك أكثر من 25 يوماً تحت أشعة الشمس ثم يتم البناء به باستخدام خلطة البناء التي هي أيضا من الطين، ولعل أكثر الأماكن التي كان يتواجد بها الطين هي: منطقة بئر لحفن جنوب مدينة العريش والواقعة على مجرى وادى العريش.

 

وقيل في القديم: كان الناس يأتون بالطين من منطقة " بئر لحفن " محملا على ظهور الإبل والحمير، ثم يُجمع في مكان واحد تتوفر جانبه بئر مياه أو مصدر للمياه، حيث يقوم العمال بتفتيت القطع بآلة " الفأس " إلى قطع صغيرة ثم يصبون عليها الماء لتصبح عجينا، وتترك لعدة أيام يتم خلالها إضافة بعض العناصر الأخرى مثل مخلفات سنابل الشعير أو القمح المعروفة بـ " التِبِن "، وكان الغرض من إضافة هذه العناصر هو تماسك الطوب اللبن وعدم تفككه.

وكانت صناعة الطوب اللبن تتم من خلال قالب مصنوع من الخشب على شكل صندوق بطول نصف متر وعرض ربع متر، ويؤخذ من خلطة الطين المعجون ويضاف إلى القالب ثم يترك لبعض من الوقت حتى يجف ثم يفرغ على أرض رملية مستوية ونظيفة، وبعد يومين أو ثلاثة أيام يتم تجميع قوالب الطوب بشكل رأسي في صفوف حتى يحافظ على تماسك القالب من الشروخ، وإتاحة فرصة أخرى لاستكمال جفاف جوانبه التي لم تتعرض للشمس من قبل.

وكانت الطريقة المتبعة للبنائين في ذلك الوقت هي إنشاء ما يسمى بالقواعد أو ما يسمى " الّْلِبْشَة " التي سيقام عليها البناء فيما بعد، بحيث يتم حفر السور المحدد للبناء بعمق ثلاثة أمتار وبعرض يصل إلى متر أو أكثر، لأن سُمك الحائط وحده أكثر من نصف متر ، وبعدها يتم وضع قوالب الطوب اللبن بشكل هندسي دقيق محدد من جانبه بخيط مستقيم حتى لا يحدث أي ميول أو انحدار للبناء ، ويتم وضع الطوب باستخدام " المونة " وهي خلطة الطين الأبيض، ويحدث التصاق بين القالب والآخر إلى أن يتم الانتهاء من بناء السور بالكامل بارتفاع نحو 7 أمتار، ومن ثم يتم إنشاء الغرف التي تصل مساحة أقل غرفة منها إلى 20 مترا مربعا ، وبعد وقت يتم إنشاء السقف من سعف النخيل وبعض الأخشاب المتينة من نوع خشب الزان مغطى بطبقة طينية في شكل منحدر للتخلص من مياه الأمطار بسرعة وقت الشتاء من خلال " مزاريب المياه " ، وهى قطعة مستطيلة طولها نصف متر أو أكثر قليلا من الصفيح ليسهل تطبيقها أو تصنيعها بأي شكل مطلوب ، ويكون شكلها مربعا من الأمام وضيقا من الخلف من ناحية السطح ، ويتم وضعها وتثبيتها بالطين بشكل مائل حتى يتم تفريغ مياه الأمطار التي تتجمع أعلى السطح ، ولا يتبقى منها شيء راكد.

وتلاحظ في البيوت المبنية قبل الخمسينات من القرن التاسع عشر أنهم كانوا يضعون أعلى السطح طبقة من القير أو المادة السوداء المعروفة بـ " البلاك "، كما يصنعون مزرابا أيضا بجوار باب المنزل، وهو مصب للتخلص من مياه الأمطار التي كانت تتجمع في قاع الدار ومنها إلى الشارع خارج المنزل، وكان هذا يتم للبيوت التي لا توجد بها زراعات كثيرة،  فلا حاجة للمياه الكثيرة فيها، أما البيوت الواقعة بجوار مزرعة أو بها زراعات كثيرة فكان يوجد داخل البيت السيناوى ما يسمى بـ "الحاووز" وهو يوضع فيه الماء الذي يتجمع من المطر ليتم تنقيته بعد ذلك واستخدامه للغسيل إذا فاضت وزادت كمية المياه ، أو يتم استخدامه في ري الزراعات المجاورة.

كما لوحظ أن النوافذ بالبيوت القديمة المطلة على الشارع تكون في الأعلى حتى لا تُنتهك حرمات البيوت بالنظر، أما النوافذ داخل البيوت تكون على ارتفاع متر ونصف متر أو أكثر قليلا. 

كما أنه أثناء عملية البناء يترك فراغ بين القوالب، وقيل إن هذه الفراغات بين القوالب أثناء البناء تجعل من الغرف معتدلة الحرارة بين الفصول، بحيث تكتسب الحرارة التي تم امتصاصها في زمن الشتاء لتكون دافئة طوال الشتاء، وكذلك في زمن الصيف تمتص الحرارة لتكون لطيفة أو معتدلة في الصيف.

وتلاحظ أن غالبية البيوت التي تم بنائها كانت واجهتها ناحية البحر شمالا، والتي كانوا يطلقون عليها " غرب " لتكتسب المنازل لطف الهواء البارد المشبع باليود القادم من ناحية البحر.

وكان بجوار البيت السيناوي ما يسمى بـ " الحوش " وهو مكان تربية الإبل والأغنام وغيرها ، وكان بعض الناس يخصصون جزءا منه لعمل فرن من الطين لعمل الخبز البلدي ، وكان مكونا من طبقتين : الطبقة الأرضية منه مخصصة لتزويده بالحطب أو النار ، والعليا منه لوضع العجين أو الخبز النيء، وكانت مصنوعة من صاج حديدي من الصلب يُطلقون عليها " عَرصة " ويتم مسحها بالزيت قبل استخدامها .

أما قاع الدار فهو المكان المتسع للجلوس والحركة والزراعات القليلة الموسمية، وهو أمام الدرابزين، ويتم بنائه مضافا إليه رملة وزوفزف البحر، وفى ركن بعيد في البيت يتم إنشاء غرفة لتخزين المؤن والأدوات وهي معروفة باسم: " البايكة " ليتم وضع فيها الأشياء التي لا تستخدم بشكل يومي.

وتلاحظ أثناء التنقيب في بقايا أطلال منازل العريش القديمة أن الأبواب عالية ومرتفعة وقد يصل الباب إلى أكثر من ثلاثة أمتار، وكذلك الباب الخارجي بنفس الارتفاع وعرضه نحو ثلاثة أمتار أخرى، ويطلقون عليه باب الشارع.

 كما يوجد باب صغير لدخول الناس منه مدمج في الباب الكبير، أما الباب الكبير فهو للإبل والخيل وغيرها. وكان يتم إنشاء المطبخ بعيدا عن غرفتي النوم والضيوف والصالة، والمطبخ دائما تكون مساحته كبيرة، فالأدوات التراثية داخل المطبخ والمنزل كثيرة، والحمام ودورة المياه غرفتان منفصلتان بجانب بعضهما ومن أهم أدوات المطبخ: الطاحونة التي كان يُطحن فيها القمح لصنع الدقيق، ثم أي شيء آخر يمكنهم التعايش مع ظروفه.

وعلى الرغم من تطور البناء في السبعينيات، تم عمل طبقة أسمتيه فوق الطينة لحمايتها من عوامل البيئة والحفاظ عليها مدة أطول وهي بالمفهوم العادي " محارة أسمنتية ". 

كما تطور الأمر بعدها ببناء بيوت بالطوب الإسمنتي البلدي بالصبة البلدي على نفس الشكل الهندسي للبيوت الطينة، ثم تطور بعد ذلك. ورغم حداثة المعمار والبناء.

وأصبح بيت الطينة أو البيت العرايشى ذكرى لكبار السن والشباب، فقد عاشوا فيه طفولتهم وريعان شبابهم، ويتذكرون الهدوء والبساطة والقناعة والرضا وراحة البال والسلام النفسي، فكل البيوت السيناوية سواسية لا تعرف غنيها من فقيرها.

وعلى الرغم من العناء والجهد الذي كانت تبذله النساء من نظافة البيت وقاع الدار والحوش بشكل يومي، حيث يقمن بتنظيفه بقنو النخيل ثم تنقيته بالغربال، فضلا عن إحضار الطعام لثلاث وجبات لكافة أفراد الأسرة، وغسيل الأواني وغسيل الملابس بالصابون يدويا، وأشياء أخرى كثيرة، إلا أنهن كُن سعيدات بهذه البيوت القديمة. ومن جانبه، يؤكد عميد الصحفيين السينمائيين حمدي نصر على قوة ومتانة بيوت العريش القديمة، مشيرا إلى أن قوتها بدت في تماسكها وصمودها أمام الزمن، وتماسكها في مواجهة القصف الإسرائيلي المكثف بمختلف أعيرة القنابل والصواريخ عند الاحتلال الإسرائيلي للعريش وسيناء عام 1967.