الخميس 5 أغسطس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي
ربيع الدم!

ربيع الدم!

الشمس حوّلت دربها عن الشباك بعدما غمرت الغرفة بأشعتها التي انسكبت شلالً ذهبياً، طَلَع النهار، وجهه يشبه البدايات المفعمة بالوعود الجميلة و ... التفاؤل.



هبّت نسمة ربيعية، عبّت طويلاً من رائحة القهوة، أصداء منغومة رافقت صوت فيروز التي لا تغني لنا إنما تغني في حياتنا. جنّ رنين جرس الهاتف، على الطرف الآخر جاءني صوت إسلام شلبي يخبرني أنه عاد، عودة الإبن الضال من رحلة البحث عمن يأخذ بيده لتحقيق حلمه فى إنشاء مطبعة "مصرية "على "الأرض اللبنانية"، تكون منارة تضيء على الثقافة العربية من خلال مؤلفات و إبداعات الكتّاب المصريين .

 

وكان موعداً، ثم لقاء أطلعني فيه على نجاحه فى استقطاب ممولين، على رأسهم  تمويل ساهم فيه الدكتور حسن عباس زكي, وزير المالية في إحدى الحكومات التي كان شَكّلها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, ليصبح بعدها مستشاراً اقتصادياً في بلاط الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وأول رؤسائها، ثم الصحافي رجاء مكاوي إبن "أخبار اليوم" الذي ترك الصحافة ليصبح هو الآخر في مستشاراً صحفياً لدى شيخ الإمارات العربية المتحدة، وكان مكاوي أسهم في نقل الخبرة الصحافية وبناء العمل الصحافي والإعلامي للإمارات، وكان أيضاً من مؤسسي جريدة "الاتحاد" ومركز الوثائق و الدراسات، ولقد ساعدت أعماله فى نقل الوجه المشرق للعاصمة أبو ظبي والإمارات العربية عامة .

 

ولقد قام مكاوي بجهود جادة و مضنية في إطلاق نهضة أبو ظبي، ونجح في إبراز مبادرات الشيخ زايد، ونقل تجربة الاتحاد إلى العالم على مدى 20 عامًا، ومن بين الممولين أيضا لكن بنسبة أقل موريس يعقوب، وسامى ناصر، زميليّ إسلام في الدراسة في الجامعة الأميركية"، ووُضِع المشروع على سكة التنفيذ.

استأجرت مقراً للمطبعة الجديدة في منطقة "الرملة البيضاء" على ساحل مدينة بيروت، وتحديداً في أحد الأدوار الأرضية من بناية في "شارع الجنرال ديجول"، وكان المبنى على رمية حجر من السفارة المصرية.

 

جهّزت المطبعة بمعدات التصوير والصف الإلكتروني وبآلتي طباعة "كولور ميتال " سويسرية الصنع، جديدة ودقيقة ورائعة، ولم تكن معروفة وقتها.. كنّا أول من استخدمها في منطقة الشرق الأوسط، واستعنت بالمعلم "نهاد" وهو من أمهر الطبّاعين في لبنان، و كان يعمل بمطابع إيلي زكا، التي كانت من أدق و أندر المطابع جودة في لبنان و المشرق العربي برمّتة، وقد عُرِف إيلي زكا بتقديسه للعمل والتخصص المهني، وقدرته على مضاهاة الكمال فى المحتوي الطباعي، والرقابة على الجودة، والاهتمام بالتفاصيل الأساسية والفرعية إلى درجة أنه كان يعدم أية مطبوعة لا يرضى عنها، ويُعيد طباعتها.. فلقد كان ملتزماً بحماية أية مطبوعة من أى أخطاء قبل تداولها، حتى لو كانت بسيطة لا تُلاحَظ.  

 

اخترت للمطبعة اسم Modern Printing Press، والتي دارت تروس سلندرات ماكيناتها لتطبع كتباً لتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، والدكتور عبد العظيم رمضان، لحساب الهيئة المصرية للكتاب، إلى جانب إصدارت "دار الوطن العربي للنشر" التي أنشأها إسلام شلبي.

 

خلال أشهر قليلة أصبحت المطبعة بين أشهر المطابع في بيروت، و بصراحة وصدق كان إيلي زكا هو  النموذج الذي احتذي به في مفهوم الجودة الطباعية.. اقتربت منه حتى في اختيار مكان المطبعة (على بعد أمتار من مطبعته)، تقاربنا سريعاً، فكيمياء العلاقات الانسانية جذبتنا فتصادقنا، كان يكبرني فى العمر بسنوات، لم أره مرة يرتدي بذلة لكنه أنيق بملابسه البسيطة وألوانها المتناسقة التي تدل على ذوقه الجمالي.

 

دعاني  ذات يوم إلى منزله المطل على البحر، والقريب من المطبعة، ليس من أجل الافتخار بمقر سكنه وأثاثه الإيطالي الحديث، ولا بزوجته الفرنسية الجميلة راقصة البالية، بل ليُقدمني إلى غرفة ملابسه المبالغ في مساحتها, وما تحتويه من خزانات وأرفف بهارمونية ألوانها.. كلٌّ منها يحمل طاقماً كاملاً من الملابس، من داخلية إلى سترة وقميص مُنّشاة، وبنطلون، وجوارب، وغيرها ... متناسقة الألوان جاهزة للارتداء والتعبير عن شخصية الرجل عاشق الألوان والإبداع الطباعي.

 

كان العميل الرئيسي للمطبعة "هيئة الكتاب المصرية "، و"الوطن العربي" وبعض دور النشر اللبنانية.

 

ورغم زيارة شريكي المطبعة الرئيسيين "زكي" و "مكاوي" لبيروت والإطلاع على استثماراتهما، إلا أنهما شاركا أيضاً فى حجب أية تعاقدات طباعية قد نفوز بها من الإمارات، خوفاً من أن يُعْرف أن لهما علاقة بهذا المشروع لأن أمر شراكتهما بقي سراً.

 

أما باقي الشركاء ناصر و يعقوب، فقد كانا في زيارات مستمرة للمطبعة داعين أصدقائهما لـ "الفرجة "و مفتخرين لمشاهدة مشروعهما المساهمين فيه، بينما شلبي في ضغوط عصبية بين محاولات الحصول على غذاء للماكينات الجائعة، والأدهى أنه انشغل بتسوية سوء التفاهم بينه وبين توفيق الحكيم حول نسبة المؤلف من المبيعات حسب العقد المبرم بينهما، فقد ادّعى الحكيم بأن إسلام شلبي "نَصَب" عليه، واتهمه بالإحتيال! فما كان من إسلام شلبي إلا  أن أقام دعوى سب وقذف وربحها، واضطر توفيق الحكيم لكتابة اعتذار للناشر فى جريدة "الأهرام" حتي يتنازل عن مقاضاته وعدم توقيع غرامة مالية لا يحب توفيق الحكيم أن يسددّها !

 

بعد النجاح الذي حققته المطبعة، بدأنا نواجه بعض العثرات المادية نتيجة تأخر تسديد المستحقات من زبائن المطبعة، و"شلبى" المسؤول عن حساباتهما، في وقت كانت المؤشرات تلوح بأزمة اقتصادية في سماء الاقتصاد اللبناني، لأن تركيبته أصبحت متنافرة مع ظروف المحيط العربي ومعطياته، وتراكمت التشوهات الاقتصادية والاجتماعية، و بدأت بعض الحوادث المتتالية التي لا يمكن أن تُغفل تؤشر بِشرّ قادم على البلاد التي تضم 18 طائفة ومذهباً، يتعايشون فى تجانس .. مما دعاني إلى التساؤل: هل تأت الرياح بما لا تشتهى السفن؟

 

كانت الأجواء فى لبنان "ربيع و الجو بديع، قفِّل على كل المواضيع، قفِّل قفِّل".. واحدة من أغنيات فيلم "أميرة حبي أنا" عام 1974، والتي تسللت كلماتها إلي الآذان والقلوب بصوت الساحرة سعاد حسني، وبصمة صلاح جاهين، والإبداع الموسيقي لكمال الطويل، كانت الأجواء غنوة، ربيع دائم، وفرحة، وبسمة، و بيروت بجاذبيتها الكونية اللبنانية ازدهار واستقرار ، وقت كان فيه لبنان ساحرأً و مسحوراً ، بلد تتزلج  فيه في  "فقرا " و"اللقلوق"و "الأرز"، وتسبح فى نفس الوقت فى بحره .

 

بلد صاغته حفنة من اللبنانيين ممن رعوا السياحة و الاصطياف، واستقبلوا المغنين، وأشهر نجوم العالم ليشاركوا فى مهرجانات فنية وفلكلورية في "بعلبك" و"الأَرز" و"بيت الدين"، وبيروت قلب لبنان النابض، لم يصنعها ذوات وأعيان، إنما جهد و كدّ أبنائها، مدينة هي المقهي والمطعم والمصرف والمستشفي والجريدة ودور النشر والسينما و المسرح والمعاهد والجامعات..  يأتيها المثقف العربي قبل الممول، جامعاتها اللبنانية والأميركية واليسوعية والعربية، تمضي فى إنتاج نخبة جديدة تكسر المركزية الطائفية والمناطقية للبنان، تفتحها على مصادر التعليم المختلفة فى المنطقة والعالم.

 

لبنان الذي  أحببت العيش فيه وقبِلت الغربة إليه وعنه، وفي يوم الأحد والدنيا ربيع عام 1975، وكان الناس كعادتهم يفترشون البحر حيث يعيش الفرح ويرقص الأمل، أو يصعدون الجبل المتوهج بالبهجة، الساحر المُعَبّق بروائح التاريخ وهواء الصنوبر لقضاء يوم راحتهم, سُمع إطلاق نيران بكثافة في منطقة "عين الرمانة"، فى الوقت الذي كان فيه  رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل يحضر الصلاة فى كنيسة، وبعد انتهاء مراسم الصلاة سُمعت أصوات نيران كثيفة تتعالى استهدفت إحدي الحافلات "البوسطة" التي كانت تنقل عدد من الفلسطينيين المتوجّهين إلى منطقة مخيم تل الزعتر، مما أدي إلى سقوط العديد من ركاب تلك الحافلة بين قتيل و جريح، جاءت النيران من جهة غير معروفة، وعُرفت فيما بعد بحادث "بوسطة عين الرمانة".

 

وحدث هذا أيضاً في وقت كان رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية يقضي فترة نقاهة قصيرة في مستشفى الجامعة الأميركية، على  إثر خضوعه لعملية جراحية . 

 

بدأت تداعيات هذا الحادث تنتشر مجتمعياً و سياسياً بسرعة مذهلة فى مختلف الأوساط اللبنانية، بما فيهم روّاد المقاهي علي الأرصفة، من مفكرين و أدباء وإعلاميين وفنانين، أصابهم صمت، انحبست أصواتهم وعجزوا عن الكلام من خَرَس المفاجأة، و سادت حالة من الاستنفار داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين .  

 

وفجأة ساد الوجوم العاصمة بيروت و ضواحيها وسائر مناطق لبنان، بعد دقائق و ثوان استغرقها الاعتداء علي الحافلة المنكوبة، وبقي السؤال: ماذا بعد؟