الأحد 19 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ثورة 30 يونيو
البنك الأهلي
القوى الشاملة للدولة وسد النهضة

٣٠ يونيو.. ثورة بناء الجمهورية الجديدة.. ٣

القوى الشاملة للدولة وسد النهضة

حفظت ثورة ٣٠ يونيو الهوية المصرية، وحررت السلطة السياسية من قبضة الفاشية الدينية، واستعادت لُحمة مكونات الدولة، في مواجهة جملة التحديات غير المسبوقة.



 

تلك التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، لم يكن بالإمكان مواجهتها بدون تعاظم القدرة الشاملة للدولة، ولا تنمو القدرة دون نمو مختلف مكونات القوة.

 

لكن ما الفرق بين القوة والقدرة؟ القدرة هي محصلة مكونات القوة، وتعني تعبئة طاقات وموارد الدولة، المادية والمعنوية، بما يعظم قدرتها على الفعل الملموس، محليًا ودوليًا.

 

والمحلل لعقل دولة ٣٠ يونيو بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، يكتشف أنها تملك عقلًا استراتيجيًا، ذلك العقل الذي نجح في احتواء حجم المخاطر والتهديدات للأمن القومي داخليًا وخارجيًا، ثم شرع في تنفيذ خطط النهوض بمختلف مكونات القوة المصرية، لبلوغ مستويات القدرة الشاملة للدولة، عند الحد الذي يمكنها من الفعل، بدرجاته المادية والمعنوية، بما يحقق أعلى مستويات حماية لكيان الدولة وأمنها القومي.

 

عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي، عن طموح بلوغ مستهدفات القدرة الشاملة للدولة في أكثر من حديث، بلغة بسيطة لم يستوعب الكثيرون مضمونها، فظنوا أنها تصريحات حشد معنوي للطاقات وحسب، عندما قال: «مصر أم الدنيا، وهتبقى قد الدنيا».

 

لم يدرك حينها الكثيرون، أن المقصود هنا بلوغ أعلى مستويات القدرة الشاملة للدولة، عبر خطط علمية استراتيجية، بمستهدفات زمنية، يمكن بعد ثماني سنوات، قرأت فصولها عبر تتبع ورصد حروف الإنجازات المتحققة، وإعادة تركيبها لتنطق بجمل وعبارات، ومضامين التحليل السياسي.

 

لكن ما هي أولًا، علميًا مكونات القوى الشاملة للدولة.

١- القوة الحيوية الممثلة في الشعب وكتلته السكانية.

٢- موقع الدولة وجغرافيتها ومكونات بيئتها الحاضنة للشعب.

٣- القوة الاقتصادية، ممثلة في الموارد، سواء كانت مستثمرة أو كامنة.

٤- القوة العسكرية، قدرتها على تحقيق الأمن الداخلي والخارجي.

٥- القوة الناعمة في مقدمتها الدبلوماسية والنفوذ السياسي، وقوة الإعلام والمؤسسات المدنية ذات النفوذ المعنوي الممتد.

 

لأسباب ذات علاقة بالحدث المهم اليوم، الذي تعرض فيه مصر والسودان، للمرة الثانية على مجلس الأمن، التعنت والصلف الإثيوبي، باتخاذ قرار منفرد بالملء الثاني لخزان ما يسمونه سد النهضة، بما يمثله ذلك التعنت والقرارات أحادية الجانب من تهديد للأمن والسلم الدوليين، نبدأ بالدبلوماسية.

 

تمكنت مصر ٣٠ يونيو، من النهوض بالقوة الاقتصادية، عبر مشروعات تنموية وعمرانية، وجراحات اقتصادية، ضاعفت من قوة الاقتصاد، في الوقت ذاته نجحت الدولة في تعاظم وتنامي القدرات العسكرية، وفي القلب من ذلك تحقيق أعلى معدلات الأمن، وبناء حصون الوعي، ما خلق لُحمة داخلية وعزيمة في مواجهة التحديات.

 

كانت القوة الدبلوماسية، من أهم مقومات القوة الشاملة التي تسعى مصر لبلوغها، فنجحت مصر في فك الحصار الدولي، الذي سعى البعض من خلاله لإحباط ثورة ٣٠ يونيو، من تجميد عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، إلى رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في ٢٠١٩، في دورة ناجحة شهدت تفعيل اتفاقية السوق الإفريقية المشتركة.

 

وفي الأمم المتحدة، تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي بلسان مصري عربي إفريقي مُبين، موضحًا ما قام به الشعب المصري من إنجاز استعادة الهوية، وتحمله كلفة الجراحات الاقتصادية ومعركة مكافحة الإرهاب، وصولًا  إلى تقديم روشتة علاج لمشكلات المنطقة والقارة.

 

استعادت الدبلوماسية المصرية قوتها، وشهد العالم ما يجري في مصر، من تعاظم القوة، فانعكس ذلك على القدرة الشاملة للدولة، ومنها اليوم القدرة الدبلوماسية التي ينعقد معها مجلس الأمن استجابة لطلب مصر والسودان.

 

الانعقاد في حد ذاته، آثر القدرة الدبلوماسية، قبل التطرق لمخرجاته المحتملة، فمجلس الأمن أحد الأجهزة الرئيسة الستة للأمم المتحدة، وأهمها بما يتقاسمه من اختصاصات مع الجمعية العامة، السلطة الأعلى لأجهزة الأمم المتحدة المنصوص عليها في ميثاق التأسيس، الصادر في سان فرنسيسكو ١٩٤٥.

 

يضم مجلس الأمن في عضويته ١٥ دولة، خمس منها دائمة العضوية، وهي "أمريكا وروسيا والصين وإنجلترا وفرنسا"، والدول العشر تُنتخب دوريًا من قبل الأمم المتحدة كل عامين. ويعقد مجلس الأمن جلساته وهو قرار إجرائي استجابة لطلب دولة أو أكثر أعضاء بالأمم المتحدة؛ لمناقشة قضية تهدد الأمن والسلم الدوليين بموافقة ٩ أعضاء، بينما يتطلب إصدار قرارات في القضايا الموضوعية، التي بينها ما تعرضه مصر والسودان اليوم، موافقة ٩ أعضاء، بينهم الخمسة الدائمين "متفقين".

 

ويعد الاستجابة لمطلب الانعقاد نجاحًا للدبلوماسية المصرية، وقدرة الدولة، فهو يعني موافقة ٩ دول على الأقل من أصل ١٥ دولة عضوًا، على ما تطرحه مصر من أن التعنت الإثيوبي يهدد الأمن والسلم الدوليين.

 

أما فيما يتعلق بالمخرجات المتوقعة من الاجتماع، فإنها ستكون توصيات، في الغالب دعوة للأطراف للعودة للمفاوضات، ويعد نجاح باهر إذا دعا المجلس إثيوبيا بوقف الملء الثاني لخزان السد، لحين التوصل لاتفاق يضمن حقوق دول المصب.

 

الانعقاد اليوم، وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الفصل الذي يحدد اختصاصات مجلس الأمن في حل النزاعات سلميًا. تنص المادة ٣٣ منه على: «يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجئوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها».

 

فيما تنص المادة ٤٣ من ميثاق الأمم المتحدة على: «لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعًا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي».

 

ويعد التعنت الإثيوبي، وتهديد حياة شعبي مصر والسودان، من تلك التي ستؤدي حتمًا إلى احتكاك دولي، فلن تفرط مصر في حقوقها التاريخية، ولكن ما هي صلاحيات المجلس وفق ذلك الفصل، تخبرنا بها المادة ٣٦ حيث تنص على: ١- لمجلس الأمن في أي مرحلة من مراحل نزاع من النوع المشار إليه في المادة ٣٣ أو موقف شبيه به، أن يوصي بما يراه ملائمًا من الإجراءات وطرق التسوية. 

٢- على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم.

٣- على مجلس الأمن، وهو يقدم توصياته وفقًا لهذه المادة أن يراعي أيضًا أن المنازعات القانونية، يجب على أطراف النزاع- بصفة عامة- أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية، وفقًا لأحكام النظام الأساسي لهذه المحكمة.

 

ومن الفقرات الثلاث لهذه المادة يتضح، أن صلاحيات مجلس الأمن بموجب الفصل السادس، هو إصدار توصيات بالأطر والإجراءات التي يمكن من خلالها تسوية النزاع سلميًا، ولا يتطرق لتفاصيل النزاع والبت فيه بقرارات.

 

كما يتضح أن التحكيم القضائي لمحكمة العدل الدولية، أحد الآليات المتاحة، لكن بالرجوع إلى النظام الأساسي للمحكمة، فإنها تشترط موافقة كتابية على نظر النزاع من مختلف أطرافه.

 

والأهم من ذلك هو النص الذي يلزم المجلس بمراعاة الإجراءات السابقة، والسابق كان مفاوضات ١٠ سنوات ورعاية الاتحاد الإفريقي للمفاوضات، وتوصيات مجلس الأمن، ومن ثم يكون على مجلس الأمن إصدار توصيات جديده تدعو إثيوبيا للالتزام بوقف الملء، لحين التوصل لاتفاق يحفظ حقوق الجميع.

 

وإن لم يحدث ذلك، فمصر والسودان رابحتان، فقد نظر مجلس الأمن تطورات الموقف، والتعنت الإثيوبي، واطلع على استنفاد مصر للحلول التفاوضية والوساطات الإقليمية، واللجوء لمجلس الأمن؛ ليكون ذلك في مجمله حماية دبلوماسية وشرعية لما تتخذه مصر من إجراءات تراها مناسبة لحقها في الحياة، من بينها العسكرية.

 

وفي حال بات الخيار العسكري هو الخيار الوحيد، سيكون على مصر والسودان إخطار مجلس الأمن بإجرائها، انطلاقًا من الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس في مواجهة عدوان على مياه النيل، شريان الحياة في مصر، وعندها يكون في مضابط مجلس الأمن جميع التفاصيل، وكل المساعي التي بذلتها مصر، سعيًا للحصول على حقها المشروع بالطرق السلمية، وكذلك السودان.

 

ولعل تنامي قوة مصر الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، يصب في معين تعظيم القدرة الشاملة؛ للحفاظ على مقدرات الدولة المصرية، وحماية أمنها القومي في أقصى نقطة يصل إليها، هناك عند منابع النيل.

 

وللحديث- إن شاء الله- بقية في الحلقة الرابعة.