عاجل
الإثنين 29 نوفمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ثورة 30 يونيو
البنك الأهلي
المخطط الشيطاني وصراع الهوية

٣٠ يونيو.. ثورة بناء الجمهورية الجديدة.. ٢

المخطط الشيطاني وصراع الهوية

حبس الشعب أنفاسه، وتسارعت دقات القلوب، القابعين في المنازل، بين مطالعين للاشتباكات في الشوارع، وبين الباحثين عن أبناء خرجوا لتظاهرات الجمعة ٢٨ يناير ٢٠١١، ولم يعودوا.



 

الدخان يتصاعد من المنشآت التي استهدفت في توقيت متزامن، خاصة الشرطية، ومقرات الحزب الوطني الحاكم، صافرات عربات الإسعاف تدوي في الشوارع، والعشرات من المصابين بعضهم فارق الحياة في استقبال المستشفيات.

 

كانت "الجزيرة" تهلل في نشوة الانتصار، وفي الفضائيات المصرية، من تقمص دور البطولة بأثر رجعي، ومن احتفى، ومن قدم تحليلات مهنية، صدمة التصاعد المفاجئ للأحداث، لم تمكن الكثيرين من التعاطي الحرفي، فجاء التركيز على انسحاب الشرطة من الشوارع.

 

الجيش نزل بقواته وفق خطط الانتشار في الأزمات، لتأمين المؤسسات الحيوية، وأيضًا الجماهير في الميادين، فيما تكفل مواطنون بحماية شوارعهم عبر لجان شعبية.

 

كانت جهات أخرى سيادية، غير مرئية لها دورها الأعظم، في الرصد، والتأمين، على مدار اللحظة، ترقب تطور الأحداث، وتحدد المواقع الحساسة التي تتطلب سرعة التأمين، كالبنوك والوزارات وغرف الأوراق والمستندات، ومحطات الطاقة وغيرها، تقدم تقديرات للموقف وفق المتغيرات على الأرض، ومقترحات التعامل للحفاظ على بنيان الدولة، وليس نظام الحكم.

 

وفي الوقت الذي تصارعت فيه قوى سياسية لاقتناص اللحظة، وملء الفراغ، كان تنظيم الإخوان الإرهابي يخطط مع جهات مخابراتية دولية؛ لبلوغ السلطة، للبدء في معركة تغيير هوية الدولة المصرية.

 

المخطط كان أكبر من ثورة شعبية، تُسقط نظامًا حاكمًا، أساء إدارة البلاد في العقد الأخير من حكمه، فساهم في بلوغ درجة الاشتعال- على النحو المُبين في المقال السابق- بل كان استثمارًا للحظة غضب شعبي، وإزالة نظام، للتغلغل لإسقاط دولة بحجم مصر، عمود فقري للأمة العربية، وبوابة منيعة للقارة الإفريقية.

 

فتلك القوى الدولية المعادية، وأجهزتها الاستخباراتية، نجحت في رصد تفاصيل المشهد في معظم بلدان الوطن العربي في العقد الأول من الألفية الجديدة:

 

- حكام طال بهم المكوث في السلطة، وتراجعت قدرتهم على الإنجاز.

- حكومات متعاقبة تقدم حلولًا قشرية للمشكلات، ومسكنات لا علاجات للأزمات الاقتصادية، فتكتفي بالدعم والعلاوات دون إصلاحات اقتصادية حقيقية.

- خلط المال بالسياسة خلق الفساد، وإقحام الدين بالسياسة خلق التطرف.

- أجيال جديدة بلغت مرحلة الفتوة، تمتلك وسائل اتصال حديثة، لم يلاحقها تطور في الخطاب السياسي.

- معدلات البطالة تتفاقم، ومن يبثون روح اليأس والتشكيك تزيد معدلات نجاحهم في خلق سخط عام وتوسعة مساحات الإحباط.

- الأحزاب المدنية ضعيفة، لا تقدم بديلًا  قادرًا على مشاركة النظم الحاكمة بفاعلية، في الوقت الذي تتغلغل فيه التيارات الدينية في الجامعات والنقابات والمؤسسات النيابية.

- إهمال الحكومات برامج العدالة والرعاية الاجتماعية للأكثر احتياجًا، تركوهم فريسة سهلة للتنظيمات المتأسلمة، لتحويلهم إلى مزارع أصوات يمنحونهم الإعانات، تثمينهم لحصدهم في الانتخابات.

- كل ذلك يهيئ البيئة للاشتعال في كل بلد يقترب فيه تبادل السلطة من نقطة الصفر، فيسهل عليهم النفاذ بعملائهم لتنفيذ مخططهم الأخطر لهذه الرقعة الأهم في الكرة الأرضية، بما لها من مكانة جيوسياسية وثروات نفطية وبشرية وحضارية، وما تمثله من طوق حول إسرائيل، التي غُرِست في المنطقة لأهداف غير خافية.

 

المُخطط الشيطاني

 

يتلخص- في تقديري- مخطط القوى الدولية المعادية وأجهزتها الاستخباراتية، في استغلال البيئة الهشة لإشعال دول المنطقة، وفي القلب منها مصر، واسطة العقد، لتحقيق جملة أهداف رئيسية محاورها:

 

١- استعمار المنطقة عبر وكلاء

٢- التحكم في الوكلاء عبر رأس حربة لهم يدينون له بالولاء.

٣- طمس هوية الصراع العربي- الصهيوني في الشرق الأوسط، وخلق صراع بديل بهوية وقضية تحقق أهداف الاستعمار البديل.

٤- ومن ثم تحقيق أهداف استراتيجية وعسكرية واقتصادية، دون تحمل أعباء وأثمان الاستعمار التقليدي.

 

آليات تنفيذ المخطط الشيطاني

 

وفي سبيل تحقيق تلك الأهداف، كانت الآليات محددة سلفًا وهي:

١- دعم بلوغ الإخوان السلطة في مصر، ومن ثم دعم بلوغ أفرع التنظيم في دول عربية أخرى السلطة، مثل سوريا وتونس والأردن وليبيا.

 

٢- يعمل التنظيم الإخواني وفروعه على تغيير هوية الدول، إلى الهوية الدينية، والتغلغل داخل صفوف المؤسسات وأخونتها.

 

٣- تتحكم القوى الأجنبية المعادية في رأس التنظيم الإخواني في مصر «مكتب الإرشاد»، ويدير هو أفرعه بالوكالة في الدول الأخرى.

 

٤- بالتزامن مع خلق كتلة الإخوان الحاكمة بأيديولوجيتها السنية، تسعى رأس حربة أخرى شيعية «نظام الملالي» بإيران من تمكين أذرعها ذات الولاءات المذهبية  حزب الله في لبنان، وأذرعها في العراق وفي سوريا، والبحرين من السيطرة.

 

٥- التحكم في المعادلات السياسية، لإشعال الصراع السني الشيعي، لطمس هوية الصراع العربي- الصهيوني، ومن ثم خلق هوية لصراع جديد يسهم في تأكل الدول مزدوجة المذهب، وانقسامها، واستنزاف قدرات الدولتين اللتين تمثلان رأس الحربة في الصراع.

 

٦- من هذا الصراع الذي سعى إليه المخطط، يمكن التحكم وجني الثمار، عبر اقتصاد تصنيع وتجارة السلاح، واستنزاف موارد الدول المنهكة والمتصارعة مقابل التسليح والسلع، وخلق دول فاشلة متصارعة يجعلها مجرد سوق لتصريف الإنتاج الغربي، مقابل المواد الخام بترول أو معادن.

 

ولذا سعى المستعمر الجديد لتمكين تنظيم الإخوان الدولي، فهو صنيعتهم في عهد الاحتلال البريطاني لمصر، وهو من يستضيف قياداتهم، واستثماراتهم، وقد حان لحظة قطف ثمار تجهيزهم.

 

ولعل ذلك يفسر خروج باراك أوباما، رئيس أمريكا، ٢٠١١، متجاوزًا الأعراف الدولية، ومقتضيات السيادة الوطنية، متحدثًا بلغة آمرة للرئيس الأسبق مبارك: عليك أن ترحل والآن، هلل البعض يومها- ظنًا منه- أنها انحياز «للثوار»، بيد أنها ضغط سياسي لإخلاء الساحة للإخوان، باعتبارهم الفصيل المجهز.

 

وقد ظهر ذلك جليًا، وظهر استهداف الهوية، في جمعة «قندهار»، التي أسماها الإخوان- وحلفاؤهم المتأسلمين- «مليونية الشريعة»، في تلك الجمعة ٩ نوفمبر ٢٠١٢، ذهبتُ للتغطية، وجدت أعلام داعش السوداء مرفوعة، بينهم هاربون من السجون، وآخرون كانوا أدينوا في جرائم اغتيالات سابقة وقضوا عقوباتهم.

 

الحشود كانت من محافظات عدة، سألت بعض الشباب: لماذا حضرتم اليوم؟ كانت إجاباتهم: لدعم الشريعة.

وماذا يهدد الشريعة؟

لا نعلم

إذن لماذا حضرتم؟

نحن ننفذ تعليمات شيوخنا.

والطريف أن تلك القوى المتأسلمة، وهي تنهي جمعة قندهار، دعت لوقفة يوم الثلاثاء لإقالة النائب العام، وقطعًا هناك تنسيق بين هؤلاء ومكتب الإرشاد، لمحاولة السيطرة على القضاء، فكانت معركة انتهت برحيلهم.

 

موقف آخر شديد الدلالة، كنت يوم ٢٢ نوفمبر في نقابة الصحفيين، وفي طريق عودتي، لاحظت حشودًا من الإخوان تخرج من محطة مترو جمال عبد الناصر، وأخرى أحضرتها باصات يجلسون أمام دار القضاء العالي، سألت بعضهم: لماذا تحتشدون هنا؟ قوبل السؤال بسؤال: من أنت؟

 

أجبت: صحفي؟

- قالوا: جئنا لنؤيد الرئيس مرسي، ما نعلمه أن قرارات مهمة ستصدر.

 

ما هي هذه القرارات؟

- لا نعلم.

إذن كيف تؤيدون قرارات لا تعلمونها؟

 

وهنا أظهروا الغضب من أسئلتي.. فتركتهم وذهبت في طريقي، ليعلن بعد ساعتين الإعلان الدستوري الديكتاتوري.

 

فهي طاعة عمياء، أتباع مغيبون، لقادة يعملون لحساب مستعمر جديد، والمعركة كانت بدايتها الهوية، هوية الدولة الوطنية.

 

ثم توالت المشاهد الدالة، من مظاهرة الاستاد وحضور قتلة الشهيد السادات حفل انتصارات أكتوبر، ثم إعلان «الجهاد» في سوريا لإسقاط نظام بشار، لإخلاء الساحة لأذرع التنظيم للسطو على السلطة، في دولة متنوعة الإثنية، وهي بيئة مناسبة للمخطط الشيطاني.

 

كل تلك المشاهد، الدالة، التي يرتكز عليها في هذا التحليل، تظهر، بقوة، كيف استثمر الأعداء طموح الغالبية النظيفة من الشعوب في الإصلاح والتغيير، للانحراف به إلى تمكين الفاشية الدينية، لتنفيذ مخططات التخريب والتدمير.

 

في ٢٩ يوليو ٢٠١١، هاجم إرهابيون قسم ثان شرطة العريش، بسيارات يرفع مستقلوها الرايات السوداء، أطلقوا النيران و١٥ قذيفة آر بي جيه، تصدت قوات الشرطة والجيش ببسالة، وألقي القبض على ١٥ منهم، بينهم ١٠ من جنسية غير مصرية.

 

فور مطالعتي الخبر، أدركت أن سيناء يُحاك لها الجزء الأكبر من المخطط، قررت الذهاب أغسطس ٢٠١١، إلى شمال سيناء للتحقيق، فأجريت سلسلة من ١٦ تحقيقًا بعنوان جامع: "سيناء ثلاثون عامًا من التحرير في انتظار التعمير".

 

كانت الحلقة الأولى عن الأنفاق، ١٢٠٠ ثقب في جسد الوطن، ذات يوم غضّت عنها الحكومة الطرف؛ لتخفيف ضغط حصار الاحتلال عن الأهالي في غزة، فإذا بمن استثمرها من قبل، يحوّلها إلى معبر للتنظيمات الإرهابية والسلاح، ودخول من يقتحم السجون ويهدد أمن البلاد.

 

في سيناء كانت محاولات التكفيريين، استقطاب الجنائيين، تجرى على مدار الساعة، يستغلون كونهم ملاحقين قضائيًا، وخبرتهم في دروب الجبال، لتقديم الدعم اللوجستي لهم، فيما كان الإخوان يسعون لتحويل سيناء لساحة لتدريب عناصرهم الإرهابية ومأوى لعملاء الأجهزة المعادية، للاستقواء بهم ضد من يحاول إحباط مخطط التمكين.

 

تزايدت المعركة، وما لبث الإخوان أن استغلوا من أسموهم "شركاء الميدان"، الذين دعموا وصولهم للحكم، حتى ألقوا بهم بعيدًا، ليفيق جميع المخدوعين على صدمة الإعلان الدستوري الكارثي، وحوصرت مدينة الإنتاج الإعلامي، وتصاعد الحراك السياسي، بتمرد وغيرها والدعوة إلى ثورة شعبية في ٣٠ يونيو.

 

كانت معركة الحفاظ على وطنية مؤسسات الدولة، ومنع اختراقها، من أقوى المعارك التي تصدى لها رجال، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى أدرك الشعب خطورة المخطط، وانكشف لهم عجز ذلك التنظيم الإرهابي، ووجهه الحقيقي في عام واحد تولى فيه السلطة.

 

وكانت ثورة استعادة الهوية، إحباط أكبر مخطط استهدف بنيان وهوية الدولة المصرية والدول العربية، فكانت مصر كما عرفها التاريخ، صاحبة الريادة في الذود عن أمتها.

 

مصر التي هزمت التتار والمغول، والحروب المسماة "الصليبية"، التي دعمت ثورات التحرر في الوطن العربي وإفريقيا، وحطمت الغطرسة الصهيونية، هي ذاتها التي صدت أخطر مخطط استعماري جديد، وبدأت معركة جديدة للتحرر، هزمت فيها محاولة استعمارية جديدة، لتعود قوية عفية تدعم استعادة مؤسسات الدولة العربية الوطنية التي شهدت تصدعات في ٢٠١١.

 

خرجت مصر من معركة الهوية وإسقاط حكم المرشد، مثخنة بجروح اقتصادية، وانفلات أمني، وخلايا إرهابية، ومحاولات خارجية للحصار الدبلوماسي، وتهديدات على مختلف اتجاهات الأمن القومي الاستراتيجية، بيد أن الله قدّر أن ينتقل القائد عبد الفتاح السيسي، من قيادة للجيش الحامي للإرادة الشعبية، إلى رأس الدولة، السلطة السياسية رئيسًا وطنيًا، يقود معركة العلاج  والبناء والتعمير، يقود عقل الدولة التي عبر بها أخطر التحديات التاريخية لبناء قدرة شاملة تجعلها بإذن الله أقوى من أي تهديد مستقبلي.

 

عن استراتيجية بناء الجمهورية الجديدة غير القابلة للانكسار، استراتيجية بناء القدرة الشاملة للدولة بمختلف مكوناتها وساحاتها وآلياتها، ومستهدفاتها.

 

للحديث بقية، إن شاء الله، في الحلقة الثالثة.

 

٣٠ يونيو.. ثورة بناء الجمهورية الجديدة     قراءة في عقل دولة السيسي  "١"

 

تحطيم الأصنام.. هل يوقظ الَّذِينَ اتَّبَعُوا؟