الإثنين 26 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حسين يعقوب متهم.. وليس شاهدًا 
بقلم
عمرو سهل

حسين يعقوب متهم.. وليس شاهدًا 

لا شك أن حضوره كان كاشفًا لأمور كثيرة غابت عن كثيرين كانوا يبلغون بشخصه إلى مقام الصحابة بل اعتبره الكثيرون من أتباعه مصدرًا من مصادر التشريع، ومرجعًا لا يضاهى  في أمور الدين والدنيا.



كان محمد حسين يعقوب رمزًا كبيرًا لفئة معدلة من المصريين تنكروا لتدين مصر الراسخ والذائب في حياتهم، ولم يكن يستشعر أحد أين تبدأ حدوده وإلى أين تنتهي إلى أن ظهر هذا التيار الممول لنشر الوهابية في مصر وتعطيل الأزهر الشريف في محاولة لتحويل القبلة العلمية لأهل السنة والجماعة من مصر إلى جهة أخرى.. ومن هنا بدأنا نعرف ما يسمى "التسلف"، ومعناه الرغبة في العودة إلى عصر الصحابة بل عيش عصر النبوة، ويا ليته كان الرغبة في عيش فهم الصحابة لعصرهم إلى الحد الذي بلغ بالبعض إلى حد إسقاط المذاهب الفقهية، وهي نتاج رباني وهبه الله إلى مخلصين من عباده تلقتهم الأمة بالقبول لقرون عديدة لبيان مراده، وبات شعارهم ودستورهم بيننا جملة "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، فيعيش السلفي منهم لا يسمع للأئمة الأربعة ولا يعيرهم وزنًا في الوقت الذي لا يجيد فيه قراءة جزء "عم" فكيف يسمع لمن هم أقل منهم مكانة في العلم.

 

دخل الرجل وهو يكاد أن تتقطع أوصاله خوفًا من الوقوف في المحكمة ومخطئ من يعتقد أنه كان صادقا في ما قاله وأنا هنا لست بصدد استعراض ذلك المشهد الذي تساقطت فيه تلك الأسطورة الشرعية حين أنطق الله الشيخ فقال أنا لست عالمًا ولست ولست ولست…

 

بالطبع كان القاضي مدركًا أنه ما جاء به إلى ساحة المحكمة لاستجلاء أمور تخفي عليه بل كانت أسئلته كاشفة عن إجابات قاطعة في وجدان المحكمة وأنها راغبة فقط في إرسال رسالة إلى المجتمع مفادها تهافت وزيف تلك الأسطورة، التي أنفق على انتشارها المليارات للعبث في وسطية الإسلام التي أرّقت مضاجع أعداء مصر في الداخل والخارج لقرون عديدة.

 

ورغم ظهور الشيخ مرتعبا مهتزا إلا أنه لجأ إلى "التقية" والتورية في الإجابة عن أسئلة فاصلة ولم ينطق كلمة يدين فيها حركات الإرهاب الإخوان وداعش وأخواتها، مكتفيًا بأنه لا يعلم عنهم إلا ما يذاع في الإعلام، ونسي أنه مؤسس مدرسة الناشئين التي تمد تلك الحركات بجنودها، فدوره ومسؤوليته أن يؤكد للناس أن ما يعيشونه ليس الإسلام الحقيقي وأنه يجب الانسلاخ عن المجتمع اعتقادًا وسلوكًا بل وملبسًا وقولًا وفعلًا، وأن أقل ما يمكن أن يصدر منك كمسلم على المذهب اليعقوبي أن تنكر بقلبك مسار دولتك ومؤسساتها وتتيقن أنها لا تحب الله ورسوله وإن لم يصل بك المقام إلى الجهاد المسلح، فعلى الأقل قدم أموالك لدعم  المجاهدين وأغلق قلبك وسمعك في وجه علماء السلطة على حد وصفهم وارتحل بقلبك مع العلماء الربانين كيعقوب وإخوته إلى فقه الصحراء الوهابي حتي يمكننا الله في الأرض قريبا.

 

لم يقل يعقوب إن الدولة مسلمة بل قال فيها مسلمون وأنهم بلا خليفة، وأن رؤساء الدول ليسوا إلا أولياء أمور وأنهم سيوقفون عقارب الزمن في التعاطي مع الدولة القائمة حتى يعود الخليفة مرة أخرى.

 

لم يقل يعقوب إنه وأتباعه لا يعدون الأقباط في مصر مواطنين  ولا حتى أهل ذمة، بل مشركون كفار لا يجب أن يكون بيننا وبينهم أي نوع من تشارك أو جهد في البناء.. ولم يحدثنا يعقوب عن دوره السياسي إبان حكم الإخوان وكيف قاد أتباعه لإقرار الدستور الإخواني، في ما عرفت آنذاك بـ"غزوة الصناديق"، بل واصل إلهاءنا بالقول إنه يعمل من أجل الله والوصول إليه فقط، مكتفيًا بالقول أنا الشيخ محمد بتاع "صلِّ على النبي".

 

على أي حال إن ظهور يعقوب في هذا المشهد لن يضر أتباعه أو تكاثر مريديه كثيرًا، فهم متيقنون من أن الشيخ يواجه ظالمين، وهو في حكم المضطر، وعليه أن يلجأ لأكبر مناوراته في ما يسمونه "المعاريض"، التي هي مندوحتهم عن الكذب حتى يمر من بين أيدي هؤلاء الظالمين الذين لا يحكمون بالشرع، كما قال في المحكمة حين سأله القاضي عن طريقة الإعدام فقال "احنا بنحكم بقوانين وضعية" والشرع شيء آخر.

 

لم يتب يعقوب ولم يدرك زمانه بعد، ولم يفهم أن ماكينة الأموال التي كانت تمده وأتباعه للتكاثر في المجتمع قد أغلقت، بل بدأ المجتمع الذي كان يراه نموذجًا يسعى لتطبيقه في مصر في تحويل دفته بعيدًا عنه، فهو مجرد استنساخ من مدرسة فقهية متآكلة تصارع للبقاء والاستمرار.

 

إن يعقوب كان من الواجب أن يقدَّم للمحكمة متهمًا وليس شاهدًا، فهو جزء أصيل وركن ركين في آلة العبث بحياة المصريين الدينية وإرباكها.. كان من المفترض أن يقدم إلى المحكمة بتهمة انتحال صفة "عالم" لعقود، وهو ما نفاه قائلا أنا من العبّاد، في وقت كان يتصدر المشهد كإمام متبع وصاحب مذهب فقهي هو "السلفية" التي نفاها، قاصرًا إياها على القرون الثلاثة الأولى، ثم عاد قائلًا أنا في نفسي "سلفي".

 

لقد كان حديث يعقوب حديث مجرم يريد الإفلات من المساءلة، لكن لننتبه فإن ما يروج له ما زال راسخًا في وجدان أتباعه الذين قرروا أن ينحنوا أمام الريح الشديدة التي هبت في الثلاثين من يونيو إلى حين إشعار آخر.

 

إن واجبنا اليوم- بعد الاستماع إلى مدعي العلم- أن نجرّم ونغلق المدرسة التي تأسست على أكتافه، وأن يكون واضحًا لأتباعه أن ما تسيرون فيه من طريق بات مجرَّمًا مرفوضًا شرعًا وقانونًا وعرفًا، وأن العودة إلى صفوف المصريين هي طريق التوبة الوحيد والاستغفار عما أصبتمونا به،  وأن نبدأ على الفور تفكيك ما تأسس من كيانات تنتج تلك العقليات، مهزوزة الولاء، ناقصة الفهم بصحيح الدين وصالح الدنيا، وذلك من منطلقين؛ الأول: الدفاع عن دين الله وإبراء ساحته من خرافاتهم، والثاني: دفاع عن وطن أُثخن بالجراح نتيجة لوجود مثل هذا الفكر اللقيط الغريب المستغرب، الذي بات خنجرًا في ظهورنا.. إن تغييب العقول بفهم مغلوط ليس أقل جرمًا من تغييب الأجساد بالقتل.