الجمعة 18 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عاجل| قتلها والدموع من العيون تنهمر.. تعهد على الثأر لأخر طلقة

رحالة
رحالة

من القصص المثيرة التي كتبها الرحالة الدنماركي كنود هولمبو علي المجاهدين الليبين.



 

 بدأت فكرة الرحالة الدنماركي كنود هولمبو لخوض تجربة الرحلة عبر ليبيا حين كان في فندق بمدينة سبتة المغربية, هناك كان قد مكث مدة من الزمن تعلم فيها اللغة العربية, واعتنق الإسلام قائلا:” أعتقد ان الاسلام هو المسيحية الحقيقية” وهناك في الفندق كان يتحدث إلى أحد النزلاء الانجليز حول رغبته في الحج والتعرف على الشرق والذهاب إلى مكة, وكان يفكر في السفر بحرا, لكن ضيفه اقترح عليه السفر برا عبر ليبيا ورد عليه كنود :- ” سيكون هذا مستحيلا .. إن الحرب لا تزال دائرة هناك “.

لكن نزيل الفندق أقنعه بأنه سوف يرى الصحراء وما يحدث على حقيقته , ويتعرف على حياة الناس هناك ومعاناتهم في ظل الاحتلال الإيطالي وعاداتهم الشرقية, ولم يلبث كنود أن اقتنع بالفكرة , وحزم أمتعته وبدأ رحلته في شمال افريقيا سنة 1930 على متن سيارته الشيفروليه, رحلة طويلة جدا عبر المغرب والجزائر وتونس وصولا إلى ليبيا حيث حازت الجزء الأكبر والأهم من مذكراته التي سجل فيها قصصا كثيرا عن الحياة في ظل الاستعمار والقمع والمقاومة.

هولمبو أسيرا في قبضة رجال عمر المختار

بينما كان هولمبو في طريقه من بنغازي إلى درنة وسط الجبال, وقع في يد المجاهدين الذين يقودهم عمر المختار , في البداية أطلقوا عليه رصاصة ليوقف سيارته وكانوا يريدون قتله لاعتقادهم أنه إيطالي أو عميل لهم , لكنه أقنعهم بأنه ليس ايطاليا ولا عميلا وانه مسلم وقرأ لهم بعض القرآن ليتأكدوا, ثم اعتقلوه ودار بينهم حديث طويل قبل أن يطلقوا سراحه , ويعرفوا أنه صحفي اوربي مسلم جاء لينقل الحقيقة, ربما يكون لقاءه هذا من المقابلات الصحفية النادرة التي سجلت مع المجاهدين الليبيين آن ذاك.

يقول هولمبو: قلت له:  لقد حضرت إلى هنا لأتعرف على طرق معيشتكم وحياتكم هنا .. إنهم لا يعرفون عنكم شيئا في أوربا. “ سألني : وما هي أوروبا ؟ قلت له: “إنها قارة يعيش فيها الانجليز والفرنسيون وأمم أخرى. رد سائلا : “وهل يعيش الإيطاليون هناك أيضا ؟ ” كان يسميهم الروميون , قلت: “نعم .. اإيطاليون يعيشون هناك أيضا لكنني أنتمي إلى قبيلة تختلف عن الإيطاليين تماما.

ثم بدأنا سيرنا نحو معسكرهم, واصلنا السير حتى حلول الظلام, ثم قمنا بإشعال نار في مكان مفتوح يصلح لإقامة معسكر لليلة واحدة.

جلسنا نحن السبعة حول النار وسألت القائد ” ألا تخشى أن يراك الإيطاليون ؟.

رد بسرعة : ” أنا لا أخشى أحدا .. إن الإيطاليين لا يجرؤون على الخروج من مدنهم التي يتحصنون بها إلا إذا كان لديهم أعدادا كبيرة من الجنود وبنادق سريعة الطلقات , أما في الظلام فهم لا يجرؤون على مهاجمتنا على الإطلاق ” سألني أحدهم : ” لا بد أنك تحدثت مع بعض الإيطاليين .. ماذا يقولون عنا ؟” قلت لهم : إن الإيطاليين يتهمون سكان الجبال بارتكاب فظائع في حربهم معهم ويتهمونهم أيضا بتعذيب سجنائهم.

ونظر إلي القائد ثم ألقى بفرع شجرة كبير جاف في النار فارتفعت ألسنة اللهب ثم قال: نحن نعرف أنك مسلم صالح ولن تخدعنا, سوف أحكي لك شيئا وأقسم بالله أن ما سأقوله لك هو الحق.. إنني لم أعش في الجبال هنا كثيرا ولكنني مجبر على العيش فيها الآن فليس أمامي بديل آخر, فقد حلت بنا مصيبة في الواحة التي كنت أعيش فيها حيث عاش والدي وأجدادي وجميع أفراد عائلتي منذ سنوات عديدة, لقد شعرت بالفرح عندما رزقني الله بولد .. لكن الآن .. الله وحده يعلم أين مكان ولدي, لقد رزقني الله بابنة كانت نور عيني, كانت تملؤ الدنيا بهجة وسرورا , كنت أحبها كحبي لابني ولكن حبي لله أعظم وأكبر من أي حب آخر “.

لم أرد عليه بكلمات ولكنني اكتفيت بإيماء رأسي, كانت الدموع تملأ عيون القائد, كانت دموعه تلمع في ضوء النار, وأكمل قائلا : ” كنا نعيش في سعادة في واحتنا, لقد كنت غنيا, كان لدي أكثر من مائة من الإبل, كانت كلمتي مسموعة لدى الجميع, وذات يوم كنت في واحة مجاورة مع بعض الرجال لمدة ثلاثة أيام, وعندما عدنا إلى واحتنا كان أول ما شاهدته زوجتي, جاءت إلي عدوا والرعب يملأ عينيها وشعرها وراء ظهرها وملابسها ممزقة.

كانت تنتحب وتقول ” لا تعد إلى البيت .. لا تعد إلى البيت .. فليغفر الله لي وليسامحني على ما سأقوله لك ” وكانت تبكي بكاء شديدا ولم أسمع منها أي كلمة أخرى, ترجلت من على جملي لأجد أخي قد أتى, قابلني قائلا : “أخي .. أنت تعلم أن الله يعطي كل إنسان ما قسمه له .. لقد مات محمد, لقد كان الإيطاليون هنا, لقد أطلقوا الرصاص على الرجال وقتلوا واحدا من كل خمسة رجال لأننا حاولنا الدفاع عن أنفسنا “.

لقد اهتز كياني لما سمعت .. لم أستطع الكلام, واستمر أخي في روايته: ” عليك أن تثق بالله مهما حدث, لقد اختفت عائشة – عائشة هي ابنتي – لقد أخذها ضابط إيطالي مع بعض الجنود الإريتريين وأخذوا كل الجمال معهم ” قلت لأخي كان يجب أن تجنبني وبيتي هذا العار, كان يجب عليك أن تقتلها قبل أن يأخذوها .. هذا أشرف لنا ” رحلت عن الواحة على الجمل الوحيد الباقي, ولم أكن أدري أن ذلك سيكون آخر عهد لي بالواحة, بحثت عن عائشة لشهور طويلة  في مدن كثيرة وأخيرا عثرت عليها في إحدى بيوت الفسق في درنة, لقد اجبرها الإيطاليون على ممارسة الفسق نظير المال, عرفتني عائشة وعندما طلبت منها العودة هزت رأسها وبكت, قلت لها سيسامحنا الله جميعا, لقد صفحت عنك, ولكن أخبريني كيف وصلت إلى هنا ؟.

ردت باكية : ” بعد أن أخذ الإيطاليون الجمال, أخذوني معهم وأحضروني إلى هنا ” انتحبت عائشة وازداد بكاؤها وقالت لي :” اقتلني يا أبي, لن أستطيع الهرب من هذا المكان, إن موتي على يدك أهون من تركي هنا ” فقتلتها وقبلت جبينها وهربت إلى الجبال.

وأنا أقول لك الآن، سوف أقتل كل إيطالي يقابلني, هذا هو القصاص والعدل, أقسم بالله العظيم أن كل واحد ممن حولك لديه قصة مماثلة, لذا فإننا لن نستسلم, إننا نحارب إلى آخر طلقة في بنادقنا إننا لا نخشى مدافعهم الرشاشة , لا نخشى الجوع , لا نخشى أن تكون ملابسنا رثة , سوف نحارب إلى آخر قطرة دم , هؤلاء الشياطين هم سبب معاناتنا .. حامد ما سبب وجودك هنا ؟.   رد حامد: ” لقد قاموا بشنق أخي. وأنت يا عبد الله ؟. رد عبد الله ” لقد استولوا على كل ممتلكاتي .. قالوا أنني ليس لدي ما يثبت أنها ملكي مع أنني ورثتها من أبي ” وأنت يا محمد ؟ رد محمد قائلا : “لقد أطلقوا الرصاص على أبي وأخي ” وماذا عنك يا عبد السلام ؟. رد عبد السلام : ” لقد حكموا علي بخمس وعشرين سنة أشغال شاقة فهربت “) وبعد أدائهم للصلاة واستمرارهم في حديث آخر يكتب هولمبو انطباعه عن ما دار في هذه الليلة : ( كانت الليلة شبه مظلمة , وأخذت النار تخفت, عرضت على القائد إحدى البطانيتين حتى يلتحف بها فاعتذر عن قبولها , أما البقية فقد افترشوا الأرض وراحوا في سبات عميق , تدثرت بالبطانيتين ونمت نوما عميقا.

 

استيقظت في الصباح قبل الآخرين, نظرت إليهم وهم في نومهم، كانت ملابسهم رثة, ولكن علت وجوههم وهم نائمون نظرات السلام والتصميم على النصر, لقد أدركت الآن لماذا كان هؤلاء الرجال على استعداد للموت دون أن يهتز لهم جفن, ففي اليوم الذي قضيته معهم لاحظت مدى تمسكهم بدينهم واعتصامهم بحبل الله, ولم يخطر ببال أحدهم أن يضيق بما قسمه الله له مهما كان مصيرهم , فقد كانوا يحمدون الله وهم تحت المشانق على نعمة الحياة التي وهبها إياهم ويتحملون أي معاناة , كان هؤلاء الرجال النائمون فقراء وأميون فلم يعرفوا القراءة , بل كانوا يكتبون أسماءهم بصعوبة، ولكنهم كانوا بالنسبة لي أنبل من رأيت من البشر.