الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المثقف والسلطة.. أحمد بهاء الدين نموذجًا! (1/3)

المثقف والسلطة.. أحمد بهاء الدين نموذجًا! (1/3)

وحيدًا، انتبذ أحمد بهاء الدين زاوية قصية من مقهى فندق "سان جورج" البيروتي العريق، يحيط به سكون المكان، وهمس الذين توزعوا المقهى الزاهي الحيطان، المتشاوف بأناقته.



أمامه على الطاولة جرائد ومجلات، وبين أصابعه تتلوى صفحات جريدة "النهار"، التي كان يؤثرها على غيرها، من شقيقاتها اللبنانيات. بين الفينة والفنية، يرفع فنجان الشاي من الخزف الصيني المعرق، تقبل حوافيه شفتيه، يحتسي حسوة، ثم يعيده، بحركة تلقائية رتيبة، إلى صحنه الصغير، ويغرق في لملمة كلام أعمدة الجريدة بعينين نهمتين.

 

رفع رأسه عن الجريدة، رآني، تزاحم الكلام في عينيه، رمى على وجهي نظرة، وضعَ فيها كل استغرابِهِ: "تأخرت.. مش عوايدك يعني!".

 

وتركني أجدل الكلام، وأنتحل الأعذار، وأضع الملامة على بيروت التي لا تهدأ فيها الحركة، ولا تستكين ليل نهار! سحبني صوت "الأستاذ" الهادئ من الغرق في الصور المتدافعة والمتلاطمة في رأسي، شعر بحرجي، أعفاني منه، وشى فمه بابتسامة طيب بها خاطري.

 

سوّى من نظارته، أرجعها إلى أرنبة أنفه، تنعكس، دائمًا، على قسماته نفس عذبة، فلو اتفقت عناصر الطيبة المتلطفة، لتختار رجلًا، فيدعمهما بثقافة تستبحر في لجج الثقافتين العربية والأنجلوساكسونية، وعلم صحيح مستنير، لما ختمت قلبها على غير أحمد بهاء الدين.

 

صعيدي كابرًا عن كابر، من "الدوير"، القرية الوديعة الغافية في حضن مركز "صدفا"، عزيز النفس تربى، زاهد عن حق، أنوف عن كبرياء.

 

جاء إلى "المحروسة"، صفا لها، فاكتنفته هناءة الحياة فيها. طلب فيها العلم، فتعلّم، وطرق باب كلية الحقوق في "جامعة فؤاد الأول" سنة 1946، جلس على مقاعدها، تفوق، وأصاب نجاحًا، وتخرج، ولكنه لم يلبس "روب" المحاماة، فتخرجه في سن الثالثة والعشرين أوصد في وجهه باب نقابة المحامين، فقانون النقابة لا يسمح بالانضواء إليها في هذه السن! فكان أن عمل، لبعض وقت، في قسم التحقيقات في "وزارة المعارف"، فقيض له أن يتعرف على عبد الرحمن الشرقاوي، فأنَس منه، وتأثر به، شجعه على الكتابة، واقتدى بنصائحه وتوجيهاته، فانتظم أحمد بهاء الدين في كتابة مقال لمجلة "الفصول" التي أصدرها محمد زكي عبد القادر، وترأس تحريرها، كما كان ود وصداقة مع فتحي غانم.

 

واستملح مسك القلم، والدفاع عن حقوق المظلومين، ليس أمام قوس المحكمة، إنما على الورق، وبالحبر الذي، متى جف، لا يبهت لونه، بل يبقى على مر الزمان.

 

سنة 1952، قبل أوان ثورة 23 يوليو، صدر قانون يقضي برفع نسبة مساهمة الأموال الأجنبية في المؤسسات المصرية تشجيعًا لرأس المال الأجنبي، فكتب أحمد بهاء الدين مقالًا عنَّفَ فيه المُشرعين بكلمات مسننّة وقعًا وواقعًا على حد السيف، وطلب من صديق عليه وادًا مودودًا، إيصال المقال إلى إحسان عبد القدوس، رئيس تحرير "روزاليوسف".

 

تولاه الدَّهْشُ عندما نُشر المقال في مكان بارز، ووُضع له إعلان في الصفحة الأولى. عاود الكرّة، كتب، صار يُعرج على مكاتب "رو اليوسف" ويسلم بواب الدار تلك المقالات، ليعود ويقرؤها منشورة، على صفحات بارزة في المجلة، وضمن الإطار المعروف "حاول أن تفهم".

 

وفي أسبوع، لم ترق له مقالة رئيس التحرير، فامتشق القلم، كتب، فكان شديد الوطأة في نقده، لكن برهافة، وسلاسة أسلوب ولين. وفي حين توقع أن يُهمل المقال، وجده منشورًا في الصفحة نفسها، وضمن الإطار نفسه. وتنسلت الأيام، وكرّت الأسابيع، يكتب، ويكتب، ويترك ما يكتبه عند البواب، ويمشي، من دون أن يتعرف على أحد في المجلة التي تهتم بما يكتب. 

 

ذات صباح، وكعادته أودع المقال عند البواب، ومشى... ناداه البواب يستوقفه، ثم لحق به عميد الإمام، سكرتير التحرير، الذي بادره مازحًا: "رئيس التحرير أمر بالقبض عليك"... ودخل معه إلى مكتب إحسان عبد القدوس، وإلى "روزاليوسف".

 

بعد سنوات، روى إحسان عبد القدوس، ما حدث في ذلك الصباح، فقال إنه نجح في "القبض" على أحمد بهاء الدين بعد خمس سنوات من وصول مقالاته إلى الدار من دون أن يعرفه أحد، وأنه حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في "روزاليوسف"، وأقام له سجنًا أطلق عليه "صباح الخير".

 

عام 1956، وعندما كلفته الست روزاليوسف برئاسة تحرير "صباح الخير"، لم يكن تجاوز التاسعة والعشرين من سنيه، فأصبح أصغر رؤساء التحرير سنًا. 

 

شعرتُ لما دَخَلَ مكتبي في "صباح الخير" للمرة الأولى، أنني أعرف من زمان، ذلك الشاب الذي تنكَّبَ مهمة إصدار مجلة "شبابية"، تطرح قضايا لا تتجرأ على تناولها رصيفاتها، مجلة "غير شكل"، كما سمتها الست روزاليوسف، وهو في مقتبل العمر، وغير مجرب، يدير جهازًا من الكتاب والرسامين، هم أوسع أبناء عصرهم، أثرًا وتأثيرًا، لهم أمزجتهم، وأفكارهم، وميولهم، وانتماءاتهم، وتناقضاتهم، وفوراتهم، حتى لا أقول "فلتاتهم" على رأي العوام عندنا.

 

كان أحمد بهاء الدين ودودًا، لين الجانب، هادئ النبرة، وجدته ملمًا بفن التصميم الصحفي، ومعلوماته عنه واسعة المدى.

 

يدور بعينيه في التصميم الذي كنت أعرضه عليه، حاد النظر يجول في "كادر الصفحة، يتمعن بالخط المستخدم في العنوان، وفي النص، يستمهل قبل أن يناقش، ودائمًا، بلين وهوادة، يستفهم ليفهم، دقيق الانتقاد، سريع الخاطر، لماحًا، حاد الذكاء، يعرف كيف ينقي الكلام، ويُحفز الهمم.

 

أنس مني، فقربني منه، وكان يصر أن يبدأ نهاري في مكتبه، خصوصًا أننا، دائمًا، أول الواصلين إلى المجلة. ومع قهوة الصباح، يحلو الكلام، فقد كان من ألطف الناس خروجًا إلى حديث نوادر.

 

وتدريجيًا، مع مرور الأيام والأشهر، توثقت العلاقة بيننا، فصار، مع طفرات الكلام، في دورانه على الشؤون والشجون، يبوح لي بكتمات صدره، وأبادله أحاديث البوح... حتى بعدما ترك "روزاليوسف" إلى "الهلال" ثم "الأهرام" لم تنقطع لقاءاتنا، واستمرت الأواصر تتعمق. وما جرى، في تلك الفترة، بيننا من كثير أو قليل، فهو متروك للزمان.

 

عندما عزمت على ترك "المحروسة" والاغتراب عنها، وجدته مشجعًا، خصوصًا عندما عرف أن وجهتي بيروت. فهو من العاشقين المولهين بها، وله فيها صولات وجولات، وأصدقاء، وذكريات، وكان لا يبرح يتردد عليها، كلما سنح الزمن، وشعر بالضيق. فلقد كان يجد في بيروت، مثله مثل كثيرين أحبوا تلك المدينة حتى الوله، الملاذ الذي يشبع نهمه إلى الحرية، وإلى المعرفة، والراحة.

 

"فندق سان جورج"، ينهض للتاريخ، عمره مديد، شيخ فنادق الشرق وأحلاها، وأبهاها، وأعرقها رمّة. سنة 1920 صمّمه الفرنسي أوغوست بيريه Auguste Perret وشاركه في الهندسة والتزويق، أنطوان ثابت، على قطعة أرض تداعب البحر، ويغازلها موجه، في "ميناء الحصن". 

 

لو أن حيطان ذلك الفندق العريق لها ألسن تنطق بالأسرار، لحكت حكايات لها تواريخ. مقهاه كان العنوان الدائم لكبار الصحفيين، عربًا وأجانب، "وكر أخبار"، كما كان يسميه عفيف الطيبي، نقيب الصحافة السابق، وصاحب جريدة "الأيام". محمد حسنين هيكل يضرب مواعيده فيه، نزيل دائم ومداوم، ومن المولعين بجبال لبنان. حنا غصن، صاحب "الديار" كتب فيه افتتاحياته. هؤلاء وغيرهم، وبينهم من تعاونوا مع أجهزة الاستخبارات المتعددة الجنسيات، أبرزهم المصري خيري حماد، الذي نسج علاقات واسعة مع عدد كبير من السياسيين اللبنانيين، والجاسوس البريطاني كيم فيليبي.

 

على مدار ربع قرن، اُعتبر "بار" فندق "سان جورج"، من أهم سبعة "بارات" فندقية في العالم، وفيه التقى الملوك، (محمد ظاهر شاه، الأفغاني، والحسين بن طلال...)، والسفراء، والقناصل، كما كان مقرا للمشاهير والفنانين منهم الممثل والمغني الفرنسي موريس شوفالييه، والمغني شارل أزنافور، ونجوم هوليوود: إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون، أورسون ويلز، بريجيت باردو، صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا.. وفنانين عرب مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. وكان يوسف وهبي من نزلائه الدائمين، وعندما قرّر أن يوزع إقامته بين القاهرة وبيروت بعد حرب 1967، اشترى شقة في منطقة "الأشرفية"، وأصبح منذ 1969 يقيم فيها مع زوجته الثالثة (والأخيرة) سعيدة منصور أشهرًا طويلة إلى أن اشتعل لبنان سنة 1975، فعاد "عميد المسرح" إلى المحروسة. كان ملء بالي، ساعة اتصل بي أحمد بهاء الدين، وضرب لي موعدًا أن آتيه إلى "فندق سان جورج"، الذي يحفظ أسراره، كما هو يحفظ تاريخه، ويستمتع بعراقته. الغرفة هي ذات الغرفة، في الطابق الثالث، تطل على البحر، الذي يسبح نظره فيه في العشايا المقمرة، لحظة تتغامز النجوم، تغوي القمر وتناغيه، وفي الصباحات ساعة تستحم أشعة الشمس فيه، يواسيه، وينعشه.

 

رفع نظارتيه عن وجهه، مسحهما بمنديل ورقي، رماني بنظرة مشحونة بالهموم والقلق، ومع أنه كان يجيد إخفاء مشاعره وهمومه، بأنفة وكِبَرٍ، ويبقى متأهبًا للظروف، مهما كانت وتبدى منها، إلاَّ أنني شعرت، هذه المرة، أن الحزن يأكل من تقاطيع وجهه، والخيبة تُغيّب عن شفتيه الابتسامة المحببة.

 

كان رجع صدى خلافه مع الرئيس أنور السادات، وإبعاده الجائر وغير الجائز عن "الأهرام"، يدور في بيروت، التي أحبها أحمد بهاء الدين وأحبته، وله فيها ما له من صداقات ودودة، نهضت له.. ولا غرو أن تتنافس الأقلام في أعمدة الجرائد البيروتية، تنتصر له، وتدافع عن الحريات في مصر.

 

وجد أحمد بهاء الدين نفسه، بعد خمس وعشرين سنة من العطاء الصحفي، تبوأ خلالها أرفع المناصب، بلا عمل مع مئة وعشرين صحفيًا وكاتبًا، بينهم يوسف إدريس، نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.. ولا يكفي ذلك، إنما صدر القرار المذل بنقلهم إلى "مصلحة الاستعلامات".

 

لا هتف أحمد بهاء الدين، ولا شكا. رفض تنفيذ قرار نقله، انكمش عن الناس، ولزم بيته، صونًا لكرامته.  حِرْتُ، كيف أبدأ بالسؤال، كيف أنقي الكلمات، التي لا تنكأ الجراح. هوَّنَ عليَّ، سحب تحرقي للكلام، والسؤال، والاطمئنان:

 

"يبدو، يا مودي، أنني أصبحت شخصًا غير مرغوب فيه في بلدي...".

اعتلت وجهه مسحة حزن:

"يا صديقي، أنا في طريقي إلى دولة الكويت...". 

وسكت.