الثلاثاء 22 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة
مصر الحكيمة القوية.. حصن فلسطين والأمة العربية 

مصر الحكيمة القوية.. حصن فلسطين والأمة العربية 

تظل مصر القوية، حصنًا لأمتها العربية، وراعيةً للحقوق الفلسطينية، فلا ننحاز إذا جزمنا بأن الدولة المصرية هي الأصدق والأشرف في دعمها للأشقاء العرب، وفي القلب منهم الشعب الفلسطيني الشقيق.



 

هي مصر، الأقدر على الدعم للحصول على الحقوق، وعمود الخيمة العربية، الذي يحمي الأشقاء إذا ما هبت عواصف الزمن، وعلت أمواجُ الأزمات والتحديات.

 

يعلم أعداء أمتنا تلك الحقيقة علم اليقين، لذا كثيرًا استُهدفت من الغزاة، ودائمًا يتآمر عليها المتآمرون، مراهنين على أن سقوط العرب- لا قدر الله- يبدأ من مصر، وبها تقوى الأمة وتعبر عثراتها.

 

فمصر هي الراعية، الأمينة للقضية الفلسطينية، المُقدمة الأعظم تضحية في الدفاع عن المقدسات، والحقوق المشروعة، ومصر هي التي بذلت دماء الشهداء من أبنائها وجيشها في حرب ١٩٤٨، وواجهت عدوان ١٩٥٦، و١٩٦٧، وهي التي لقنت العدو الصهيوني درسًا لن ينساه- المحتل- أبد الدهر، تتدارسه الأكاديميات العسكرية حتى اليوم.

 

ومصر هي التي ينطق رئيسها بلسان عربي مبين في كل المحافل الدولية، مؤكدًا أن استقرار الشرق الأوسط، يظل دائمًا رهن إنهاء عادل للصراع العربي- الإسرائيلي، القائم على حل الدولتين، ومنح الشعب الفلسطيني حقه في إقامة دوله فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود ١٩٦٧، عاصمتها القدس الشرقية.

 

وتبقى مصر الدولة العربية النموذج، التي وإن قضت متطلبات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، ومتطلبات استكمال تحرير الأرض، تطبيع العلاقات الرسمية، فإن إرادتها الشعبية ومؤسسات مجتمعها المدني، ترفض التطبيع والأرض الفلسطينية مسلوبة وحقوق الأشقاء منهوبة.

 

لعل مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم، بإعلانه على هامش قمة باريس، دعم مصر إعادة إعمار غزة للتعافي من آثار العدوان، بما قيمته نصف مليار دولار، أي ما يعادل ٧ مليارات جنيه مصري، مع مشاركة شركات مصرية وطنية في الإعمار، هو حلقة قوية في سلسلة المواقف التاريخية الداعمة للشعب الفلسطيني، وتمثل موقف مصري حازم  دعمًا للأشقاء.

 

ربما هناك من يظن، وبعض الظن إثم، أن مصر أهملت يومًا في دعم الأشقاء، واهم من يخطر ذلك بباله، فمصر دائمًا ما تسعى لرأب الصدع الفلسطيني- الفلسطيني، لتوحيد كلمة الأشقاء، ففي وحدة جبهتهم وخياراتهم وقراراتهم، قوة في التفاوض ومنازلة المحتل في ساحات الدبلوماسية الدولية، وتحديد خيارات المقاومة المناسبة وفق المتغيرات والمعطيات.

 

ففي الأشهر الأخيرة، نجح جهاز المخابرات المصرية، في استضافة الفصائل الفلسطينية، ودعم نقاشاتها للخروج بخارطة طريق سياسية، لإجراء الانتخابات العامة، قبل أن تؤجلها السلطة الفلسطينية، مع عرقلة الاحتلال تمكين المقدسيين من التصويت، وقبلها كثيرًا ما دعمت مصر جهود المصالحة، وما من محفل دولي إلا وكانت مصر الدولة، داعمة للأشقاء، وحاشدة للرأي العام الدولي، لدعم حقوقهم المشروعة.

 

وعلى عكس بعض القوى الدولية، التي تسعى لكسب مواقف سياسية، استغلالًا للقضية الفلسطينية، فإن مصر لا يُسجل التاريخ لها، يومًا أن وقفت في غير خندق الإرادة الفلسطينية، ودائمًا في اللحظات الخلافية تُعلن مصر أنها داعمة لإرادة الشعب والقيادة الفلسطينية، مع مواصلة التنسيق والتشاور الدائم.

 

وكثيرًا ما تحمّلت مصر المزايدات، من الصغار، تارة بالحديث عن معبر رفح، والجميع يذكر مزايدات العام ٢٠٠٨، ومن كان يتشدق بالشعارات لدرجة بلغت ذروتها بالقول: "اعطونا أرضًا ونحن نحارب"، بينما مصر كانت داعمة بما يعلم ولا يعلمه المزايدون.

 

والمؤكد الآن، الذي بات ساطعًا سطوع الشمس للعيان، أن ما سمي بالربيع العربي، وتصدع بلدان عربية، والتوترات السياسية، دفعت ثمنها القضية الفلسطينية، تراجعًا لها في قائمة الأولويات، والاهتمام الإعلامي، فكيف لدولة تواجه تصدعات داخلية ومليشيات إرهابية، كالعراق وليبيا وسوريا واليمن أن تُعطي أولوية للقضية الفلسطينية.

 

علم الفلسطينيون ذلك، صارحوني به خلال زيارتين لرام الله، آخرهما كانت عام ٢٠١٣، هناك شعرت بالسعادة الغامرة في عيون الأشقاء، لتصحيح مصر مسارها بثورة ٣٠ يونيو، واستعادة هويتها، متمنين لها أن تنهض من عثرتها لتواصل مسيرة استعادة أمنها وتنميتها.

 

يومها صرح لي اللواء توفيق الطيراوي، رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية الأسبق، بأن استعادة مصر عافيتها، ضمانة لدعم الدول العربية المتصدعة، وسند قوي للقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى استغلال الصهاينة لما شهدته دول المنطقة من تصدعات، للتوسع في إقامة المستوطنات ونهب المزيد من الأراضي الفلسطينية.

 

إذن هي مصر، نهضت وعادت في أزهى مراحل قوتها، وحكمتها في إدارة الأزمات محليًا وإقليميًا ودوليًا، بفضل قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكيمة، الذي قاد وضع استراتيجية النهوض بالقدرة الشاملة للدولة في خطوط تنمية مكوناتها من القوى المتوازية.

 

فما حدث اليوم وفي الأسابيع والأشهر الماضية، ثمرة سنوات من الإنجازات في شتى المجالات، في مقدمتها النهوض بالقوة العسكرية، أحد أهم مقومات القوة الشاملة، لردع العدائيات وحماية الثروات، ولعل تلك القوة كان لها عظيم الأثر في حماية ليبيا والأمن القومي المصري، بوضع خطوط حمراء لم يتجاوزها القوى الدولية، التي خُيل لها إمكانية العبث بمستقبل أشقائنا وعمق أمننا القومي بالحدود الغربية، بل وحماية ثرواتنا في المتوسط .

 

وقبل ذلك كان إنجاز توحيد الجبهة الداخلية المصرية، في مواجهة الإرهاب، واقتلاع بذور الفتن، والاستثمار في القوة البشرية، أول مقومات القدرة الشاملة للدولة، عبر برامج حماية لصحة الإنسان، وتنمية العقول والقدرات التدريبية والابتكارية، لبناء جيل جديد من القيادات الواعية المؤهلة في مختلف المجالات.

 

فيما جاءت القوة الاقتصادية وما شهدته، من إصلاحات جذرية، عبر مشروعات إنتاجية عملاقة، حققت توازن العرض والطلب، وما شهده قطاع الطاقة والبنية التحتية من تنمية، ضاعفت قدراته على استيعاب النمو، وتعزيز القدرة الشاملة للدولة، بانعكاساتها على قوة التأثير في المحافل الدولية.

 

المحافل الدولية تلك التي شهدت سياسة خارجية حكيمة صادقة، ذات رؤية ثاقبة، ترصد بدقة الأعراض، وتشخص أمراض المنطقة، وتطرح روشتات العلاج، التي اكتشف العالم بالتجربة قوة فاعليتها.

 

تذكرون كيف وقف الرئيس عبدالفتاح السيسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة ٢٠١٤، مدافعًا عن الإرادة الشعبية، شارحًا حقيقة ما حدث في مصر، محاولًا تصحيح الصورة الذهنية، في ظل هجمة شرسة تضليلية دعمتها دول كان تنظيم الإخوان رهانها في تحقيق مخططاتها.

 

وكيف تحوّل الموقف على الصعيد الإفريقي من تجميد عضوية مصر، لرئاستها للاتحاد الإفريقي، لطرحها رؤيتها الداعية لأن تنبع الحلول الإفريقية من إرادة إفريقية، وشراكات قارية، وكيف دعمت مصر استعادة الدول العربية لمؤسساتها الوطنية، كحل وحيد لمواجهة الميليشيات والتنظيمات الإرهابية.

 

قوة مصر، في خدمة السلام القاري والإقليمي والعربي، دعم للحقوق والشرعية، ردع للطامعين والناهبين والإرهابيين، بات هذا من المسلمات والبديهيات التي لا تخطئها عين. 

 

عودة للموقف الداعم للأشقاء الفلسطينيين،  فمصر تتخذ مساعي دبلوماسية لوقف إطلاق النار حماية للدماء، وفي الوقت ذاته فتحت المعابر، والمستشفيات، لنقل الجرحى وعلاجهم، وتقديم كل سبل الدعم من المحروقات والمستلزمات الطبية، والسلع التموينية.

 

وفتح صندوق "تحيا مصر"، حسابًا رسميًا في كل البنوك، بتوجيه من الرئيس السيسي، لتمكين المصريين بالداخل والخارج وكل من يرغب في المساهمة في دعم الشعب الفلسطيني من المشاركة، فيما أشادت ودعمت كل الأحزاب والقوى المدنية والنقابية والشعبية مبادرة الرئيس، التي تقدم فيها مصر ٥٠٠ مليون دولار دعمًا لإعادة إعمار غزة.

 

ولعل ذلك القرار الرئاسي، جاء على هامش مشاركة سيادة في قمة مؤتمر دعم الانتقال الديمقراطي في السودان بحضور قيادات دولية، يعكس دعم مصر لكل الأشقاء على مختلف الجبهات والاتجاهات الاستراتيجية.

 

فمصر تدعم بكل قوة الانتقال الديمقراطي في السودان، وتقدم كل الدعم للنهوض بقدرات الدولة، عبر تقديم الخبرات، وبناء الشراكات في جميع المجالات.

 

إن التحرك المصري السريع والحازم بتوجيه من القيادة السياسية، بالتعاطي الكريم والحكيم الداعم للشعب الفلسطيني في مواجهته لعدوان المحتل- الذي أشعل الأزمة بمحاولته الإخلاء القسري لعدد من سكان  حي الشيخ جراح، بالقدس الشرقية، والعدوان على المسجد الأقصى في الأسبوع الأخير من رمضان، والمماطلة في الاستجابة للوساطة الدولية- ذلك التعاطي الحكيم- حقق جملة من الإيجابيات.

 

أولًا: تكاتف ودعم للشعب الفلسطيني، وتخفيف عنه بعض آلام العدوان، وإن كان المعتدون يألمون كما يألم الفلسطينيون الذين يرجون من الله ما لا يرجوه المحتلون.

 

ثانيًا: عكس صلابة الموقف المصري، وبعث برسائل سياسية للمحتل، وللقوى الدولية التي احترفت في الأزمات السابقة النضال بالشعارات بلا دعم حقيقي على الأرض، بل وقطعت فرص المزايدة على مصر، التي لم تدخر يومًا جهدًا في دعم الأشقاء بلا شعارات ولا ضجيج.

 

ثالثًا: تدعم مصر الشعب الفلسطيني، دون النظر لفصائل ولا حسابات، كما تستضيف جميع ممثليهم على مائدة مفاوضات توحيد الصف ورأب الصدع، وهي بذلك الراعي للحق الفلسطيني في المسرات والملمات.

 

رابعًا: تقدم القيادة المصرية نموذجًا محترمًا للدعم الحقيقي، المنظم رسميًا وشعبيًا بخلق قنوات الدعم الإيجابي الفاعل، لا الشعارات والهتافات التي كثيرًا ما كان يتخذها المتاجرون سياسيًا بالقضية لتحقيق مكاسب تنظيمية وحزبية ضيقة.

 

ولعل ذاكرتكم مازالت تحتفظ بمظاهرات المئات من تنظيم الإخوان الذين كانوا يرفعون مع كل أزمة هتافات: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، فما يلبثون أن يحوّلون المظاهرة إلى منصة هجوم على النظام المصري، عازفين على أوتار المشاعر، جامعين التبرعات للتنظيم لا للأشقاء.

 

ولعلكم تذكرون هؤلاء المتأسلمين، عندما اعتلوا السلطة، فإذا برئيسهم يُخاطب رئيس الكيان المسمى إسرائيل بـ«عزيزي وصديقي العظيم شيمون بريز»، ثم يختم رسالته بـ«صديقكم الوفي» وقيادتهم عصام العريان يرحب بعودة اليهود إلى مصر، والأدهى والأمر أنهم حشدوا عناصرهم الإرهابية في سيناء لقتال جيش وشرطة مصر، وهم على بُعد أمتار من الحدود مع المحتل، بيد أن جنود مصر قطعوا دابرهم ولاحقوا فلولهم.

 

خامسًا: المبادرة المصرية تحفز دولًا غربية وعربية، على المشاركة في الدعم لإعادة الإعمار، وما أدراكم ما حجم الدمار، والمعاناة التي يعيشها مواطنو غزة، فقد زرتها ضمن وفد اتحاد الصحفيين العرب، خلال عدوان ٢٠١٤، وشاهدت كيف يعيش أهلها بين مطرقة الدمار الذي خلّفه العدوان وبين سندان تأخر الإعمار ومتاجرة فصائل بآلامهم.

 

ويبقى الخيار والفريضة الغائبة، وحدة الفصائل الفلسطينية، وإيقاظ الضمير العالمي لوقف جرائم الاحتلال، ومواصلة النضال في كل المحافل الدولية لانتزاع الحقوق المسلوبة، ووقف إرهاب الكيان الصهيوني الذي لا عهد له ولا ميثاق.

 

فهناك في أرض كنعان، يقف التاريخ ممشوق القوام يهتف في زائريها، أن تحسسوا الخطى، عسى أن تطأ أقدامكم موضع قدم نبي، أو شهيد ارتقى في الصراع الأبدي.

 

هناك حيث المرابطين المقدسيين، الشجعان الأبطال، ترنيمة داود وبشارة عيسى ومسرى خاتم المرسلين، صلى سيدنا محمد بالأنبياء أجمعين، ولهذا فإن المقدسيين صابرون، يتصدون لأحقر وأقذر احتلال عرفه البشر، وإنا ومصرنا على الدوام إن شاء الله لهم لمن الداعمين.  

 

[email protected]