الإثنين 17 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
دراما رمضان 2021
دراما بناء وإيقاظ الوعي.. والتلقي الفعال

دراما بناء وإيقاظ الوعي.. والتلقي الفعال

بحجم التطور التكنولوجي، وثورة الاتصالات، التي نعيشها، تولد التحديات، التي تهدد حصون الوعي العام، فباتت الجمجمة، هدف جهات عدة، منها المعادية، التي تسعى للتأثير على العقل، بغية خلق مدركات وقناعات واتجاهات تنتج سلوكًا موجهًا، يخدم أهداف هؤلاء القابعين في معامل صياغة وتخليق وبث تلك الرسائل.



 

ومن هنا تأتي أهمية حشد قوى الدولة الشاملة، لبناء عقليات ناقدة، قادرة على التلقي الفعال، للمضامين المكتوبة والمسموعة، والمرئية، وإخضاعها للبحث والتحليل، المُنطلق من معرفة دقيقة، بحقائق التحديات التي تواجه الوطن، وما يُحاك له، وامتداد ساحة المعركة، وتنوع العدائيات، وأسلحتها الحديثة.

 

والدراما أحد أهم أسلحة القوى الشاملة للدولة، كجزء فعال من القوى الناعمة، بالغة التأثير في قطاعات واسعة من الجماهير، فالدراما التليفزيونية، الهادفة، والاحترافية من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا، خاصة أن تأثير فيلم واحد أو مسلسل واحد ناجح فنيًا على عقول المتلقي، يفوق تأثير مئات الكتب والمحاضرات والخطب.

 

والدراما عرفها أرسطو: «إنها فن التعبير عن الأفكار الخاصة بالحياة، في صورة تجعل هذا التعبير ممكن الإيضاح بواسطة ممثلين».

 

الدراما الرمضانية المصرية، بدأت تعود بقوة إلى أهم أدوارها التثقيفية التوعوية، بمدفعيتها الثقيلة على جبهة معارك الوعي، في لحظة فارقة من عُمر الوطن، عبر مجموعة أعمال كان باكورته «الاختيار»، ثم «الاختيار ٢»، و«هجمة مرتدة»، و«القاهرة كابول».

 

 ومن ثم من الأهمية، سبر أغوار الرسائل الضمنية، السياسية والفكرية والاجتماعية، التي حوتها حلقات، تلك الأعمال الدرامية، عبر قراءة نقدية تحليلية، وتلقٍ فعال للنص الدرامي.

 

أهمية تلك الأعمال، تعود إلى:

 

أولًا: معالجتها الدرامية، لأحداث تاريخية، عاصرها أجيالنا، المعاشة، فقد شهدها كل بالغ مدرك في الأعوام ٢٠٠٧، وما تلاها من أعوام، بيد أنها تُظهر بحرفية خفايا، لم يشاهدها كل من عايشها ظاهريًا، دون الغوص في أعماقها وخلفياتها.

 

 

ثانيًا: القضايا التي تناولتها الأعمال الأربعة، «الاختيار 1»، «الاختيار 2»، و«هجمة مرتدة»، و«القاهرة كابول»، يربطها عمود فقري واحد، وهو العدائيات التي تستهدف الوطن، وبطولات مؤسسات الدولة، المخابرات العامة والحربية والجيش المصري والشرطة في التصدي لتلك العدائيات، والتضحيات التي تبذل لحماية الوطن.

 

ثالثًا: المدى الزمني للأحداث، فالأعمال تتناول فترة زمنية معاصرة، تأريخًا لمرحلة عايشها ومازال يعايشها الغالبية العظمى من المشاهدين، حيث تدور أحداثه في أخطر عقد في تاريخ مصر المرحلة الزمنية من ٢٠٠٧ حتى ٢٠١٧م.

 

رابعًا: تقديم رسائل، سيرة ذاتية حقيقية، للأبطال الذين واجهوا التحدي، وقدموا حياتهم فداءً للوطن، وكانت البداية في «الاختيار 1»، سيرة بطل العمل، الشهيد عقيد أركان حرب، أحمد صابر المنسي، قائد الكتيبة ١٠٣ صاعقة، الذي اختار الدفاع عن تراب وطنه، حتى آخر نفس، وعلى النقيض زميله الضابط المستقيل هشام عشماوي، الذي ضل فكريًا، واختار الانخراط في صفوف التنظيمات الإرهابية، مرورًا بأبطال «الاختيار 2»، من رجال الشرطة المصرية، بينما يسلط «هجمة مرتدة»، الضوء على بطولات جهاز المخابرات العامة المصرية، تلك المؤسسة الوطنية، التي تقاتل باحترافية عالية، وترصد ما يُحاك لمصر والوطن العربي، قبل ميلاد ما سمي بالربيع العربي بسنوات.

 

خامسًا: الشكل الدرامي الجديد، الذي دُمج فيه، بين محاكاة الممثلين للوقائع والأحداث، واللقطات الوثائقية الأرشيفية للأحداث، فضلًا على الدمج بين مشاهد المحاكاة التي قام بها أبطال عمل «الاختيار»، ومشاهد حية لأبطال الوقائع الحقيقيين، مع فارق بين «الاختيار»، و«هجمة مرتدة»، تتعلق، بمدى إمكانية تقديم مشاهد حية لاعتبارات أمنية.

 

سادسًا: تقدم الأعمال مواجهة فكرية، تفنيدًا بالوثائق، الدعايا العدائية، ففي «الاختيار» مواجهة فكرية، في أكثر من مشهد، المعتقدات الفاسدة للمتطرفين، وفي «القاهرة كابول»، تعرية تناقضاتهم، وتفصيلهم فتاوى لتبرير جرائمهم، بينما في «هجمة مرتدة»، تعرية لخيانات ترتكب باسم حقوق الإنسان عبر منظمات تلتحف بستار المجتمع المدني.

 

سابعًا: القراءة النقدية، سعيًا للتلقي الفعال، تُسهم في بناء عقليات ناقدة، قادرة على التلقي الفعال، للمضامين المكتوبة والمسموعة، والمرئية، وإخضاعها للبحث والتحليل، وهو ما يظهر من نظرية التلقي، أحد أهم نظريات النقد الحديث التي تجعل القارئ في بؤرة اهتمامها، ردًا  على بعض الاتجاهات النقدية، التي جعلت النص صاحب السلطة، وألغت بذلك دور كل من المُبدع والمتلقي.

 

ولذا من المهم جدًا إخضاع تلك الأعمال لدراسات نقدية، تعظم من فاعلية تلقي رسائلها، ومضامينها، وشرح أبعادها، والوقوف على مواطن القوة والضعف، للبناء على أهدافها عبر سلسلة من الأعمال، التي تعظم تحقيق ما تسعى إليه من أهداف تُسهم في بناء حصون الوعي، كإحدى أدوات التوثيقات والتوعية والتنوير.

 

وتنوعت تلك الرسائل الضمنية، في الأعمال الدرامية الوطنية، بين ما هو موجه للمجتمع، كاشفًا تفاصيل معلوماتية، خافية عن الكثيرين، تُسهم في تقوية حصون الوعي، وأخرى تذكر بالبطولات والتضحيات، عبر الدمج بين المحاكاة والمشاهد التمثيلية، وهو ما يعظم تأثيرها ومصداقيتها، وما يكشف الستار عن خفايا مواقف وخلفيات أحداث ونماذج لشخصيات، لعبت دورًا مهمًا في أحداث تاريخية.

 

وبعض الرسائل موجهة للجهات المعادية وأجهزة مخابراتية، وبعضها موجه إلى المغيبين، المتأثرين بالدعاية التضليلية من التنظيمات الإرهابية، صاحبة خطاب المظلومية.

 

ولعل مسلسل «هجمة مرتدة» من الأعمال الدرامية الوطنية، التي تتطلب تحليلًا دقيقًا، وتلقيًا فعالًا لمضامينها، بداية من العنوان: «هجمة مرتدة»، الذي يلخص مضمونه ورسالته، وهي كل ما حدث في مصر والمنطقة، كان هجمة من جهات معادية، سعت لتفكيك المنطقة وهدم الدول الوطنية، لنهب ثرواتها، وفي القلب منها غاز المتوسط، تلك الثروة التي رصدتها أجهزة الاستشعار عن بُعد لجهات معادية، فنجحت المخابرات المصرية، وأجهزة الدولة الوطنية، في رصد المخططات مبكرًا، ورفعها للقيادة السياسية.

 

ورغم الأخطاء السياسية، فترة ما قبل ٢٠١١، وما أسفرت عنه السنوات التالية، كان استيعاب الهجمة وتفريغ قدرتها على تحقيق هدف هدم الدولة، لتبدأ الهجمة المرتدة، بصيد الأفاعي، وحماية بنيان الدولة، ودعم حماية الإرادة الشعبية بثورة ٣٠ يونيو، ثم قرارات الرئيس عبدالفتاح السيسي، المصيرية، بترسيم الحدود، للحفاظ على ثروات مصر واستثمار غاز المتوسط.

 

والأهم من ذلك أن الهجمة المرتدة، حققت أهدافها، باقتلاع تنظيم الإخوان الإرهابي من جذوره، وهو الذي راهن عليه الأعداء كوسيلة لبسط نفوذهم على مصر، والوطن العربي، بل ودعم الدول الشقيقة في صد ما يحاك لها من مؤامرات، بدعم استعادة مؤسساتها الوطنية.

 

يبدأ مسلسل «هجمة مرتدة»، من العراق، ويمر بما يحاك لمصر وفلسطين، ودور الأنفاق في نقل الإرهابيين لمصر، وكيفية استغلال رغبات الشباب في الإصلاح والتغيير، لاستخدامها للتخريب والتدمير.

 

كما كان «الاختيار»، ملخصًا في عنوانه، اختيار بين الحق والباطل، بين الوطن والخيانة، فكان دائمًا من يختار الوطن هو الرابح.

 

ومن ثم، فإننا أمام ما يمكن وصفه بـ«الإعلام الدرامي»، مدفعية إعلامية ثقيلة، في معركة الوعي، أكثر من كونها  أعمالًا درامية تليفزيونيًا، تستفيد من الشعبية الكبيرة لشاشة التليفزيون، التي تصل بالرسائل إلى بيوت المواطنين، في شهر يمتاز بأعلى نسب المشاهدة، لتصل الرسائل لأكبر عدد من القطاعات المستهدفة.

 

وتبقى مسؤولية الإعلام مواصلة القراءة والتلقي الفعال للفت انتباه المشاهدين لما قد يخفى عليهم، وهو ما سنقدمه في دراسات نقدية علمية في المقالات التالية، إن شاء الله.