الإثنين 17 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
دراما رمضان 2021
«الإرهابى رمزى» ميكس «فضل والظواهرى» 2-1

«الإرهابى رمزى» ميكس «فضل والظواهرى» 2-1

ومازالت دراما الحقيقة والمعلومات تربطنا خلال شهر رمضان، وربما نكون توسمنا بداية أن هذا المسلسل أو ذاك سوف يتصدر السباق، ولكنى أجزم بأن الأعمال الثلاثة التي شغلتنى فكريًا وأشعلت نور ونار حماسى هى بالترتيب: (هجمة مرتدة، الاختيار 2، القاهرة - كابول) حتى إن عقلى وعينى يرفضان متابعة أى عمل آخر حتى أحتفظ باستمتاع تلك الدراما التي هى مزيج من المعلومات والأحداث الحقيقية التي عشناها عن قرب وكنا متابعين وبحكم المهنة كنا أيضًا جزءًا منها ناقلين لتفأعلنا معها.



 

وسوف أتناول مسلسلاً اعتبرته فى الأيام الأُوُّل من رمضان (المسلسل الفورة)، ولكنه لم يلبث حتى فقد الكاتب ظله وتخبّط فى الأحداث ولعبَك الشخصية المحورية وهى (الإرهابى رمزى) حتى إن أحد مذيعى التوك شو (اتفذلك) وقال إنه تجسيد لشخصية (أسامة بن لادن السعودى الجنسية) فحدث ارتباك للمُشاهد الذي حضر ذهنه بأن هذا الإرهابى من مصر وأن الأحداث حقيقية خاصة بعد التجسيد الرائع والعبقرى لـ (فتحى عبدالوهاب) للإعلامى العميل (ى - ف) والذي أجاد فيه وتفوّق (طارق كساب) وهو اسمه فى المسلسل ليعبر ويعلن بلغة الجسد عن الشخصية الحقيقية ببراعة تحسب له، وأتوقع أن المعلومات الذي تم إمداد مؤلف المسلسل بها (عبدالرحيم كمال) كانت غزيرة ووفيرة ومؤلمة لهذا الإعلامى الخاين، وربما يكون قد تقابل معه فى مناسبات ما مثل بعضنا... ولكن الأمر الذي نضع تحته عدة خطوط ولا نسامح فيها أن المؤلف لم يكن قارئًا جيدًا فى تاريخ شخصيات وتتبع أحداث الإرهابيين فى (بيشاور وكابول) وغيرهما وأنه أضاع فرصة كبيرة لكشف خط سير تلك الشخصيات بعد تركها مصر، لم يَطّلع أو يقرأ المؤلف ولم يستعن بمتخصصين فى تتبّع وتاريخ هؤلاء الإرهابيين والأكثر أن حتى ثقافته الأولى عنهم هى فى خانة (الصفر) بكل ما تعنى الكلمة…

فى (القاهرة - كابول) حاول الكاتب (عبدالرحيم كمال) أن يجمع صفات وأحداثًا لعدة شخصيات إرهابية فى شخص واحد هو (الإرهابى رمزى) الذي اعتقد المُشاهد أن بزيجاته من نساء يحملن جنسيات عربية وغير مصرية أنه كما توهم إعلامى التوك شو أنه (بن لادن)، والحقيقة والأحداث تقول إنه يجمع عدة أشخاص مصريين كانوا فى (كابول) وغيرها وتزوجوا من كل الجنسيات تحت مزاعم عدة، ومن واقع تناولنا لملف الإسلام السياسى من سنوات عدة كثيرة كتبت عن تلك الشخصيات حلقات بعنوان (الجهاديون قادمون) فى مارس 2010 وخاصة عن (تنظيم القاعدة) الذي من وقت لآخر كان يعلن عن أماكن شاغرة ووظائف خالية بالتنظيم لإرهابيين جدد يفضل أن يكونوا من مصر لأسباب سنذكرها فى تناولنا للشخصيات التي أرى أن الكاتب قد تم إمداده بمعلومات عنها، ولكنه لم يكتبها أو يجسدها بالشكل الصحيح وبعين المثقف، ولا يشفع للمخرج أنه أيضًا لم يكن بأحسن حال عن الكاتب ومما لدَى ويطابق مواصفات (الإرهابى رمزى) شخصيات إرهابية على رأسهم الإرهابيان (فضل والظواهرى) اللذان أسّسَا أول خلية جهادية عام 1968 فى جامع (الكيخيا) بعابدين، وسنتناول كلاً منهما لنضع يدنا على (الميكس) الذي حاول المؤلف أن يعمله فلم يتقنه.

 سيد إمام الشريف (فضل)

هو منظر تنظيم القاعدة ويلقب «د.فضل»، واسمه الحقيقى «سيد إمام الشريف» مؤسّس جماعة الجهاد المصري، وُلد فى أغسطس 1950 بمحافظة بنى سويف وتخرّج فى كلية الطب جامعة القاهرة عام 1974 بتقدير امتياز، وغادر مصر قبيل عملية اغتيال السادات بعد أن شكّل مع «أيمن الظواهرى» أول نواة لتنظيم الجهاد فى مصر، ثم رحل إلى السعودية ومنها إلى بيشاور فى باكستان؛ حيث تمت مبايعته أميرًا لتنظيم الجهاد حتى عام 1993 ليتولى «الظواهرى» الإمارة كخليفة له. «فضل» رجل يجيد اللعب على كل الأحبال، قام بانقلاب على الجهاديين (الإرهابيين) حول العالم مع أنه هو الذي صاغ لهم دستورهم فى ذلك بكتاب يحمل عنوان (العمدة فى إعداد العدة) ليعود بعدها بسنوات ويدّعى مراجعة أفكاره فى مناورة منه لسحب البساط الأيديولوجى من تحت أقدام الأصوليين والداعين لاستخدام العنف بما أطلق عليه (مراجعاته الفكرية)، وذلك عندما أعلن فى مايو 1997 من سجنه مبادرة لوقف العنف تحت اسم (مبادرة ترشيد العمل الجهادى فى مصر والعالم) وفق الضوابط الشرعية حسب قوله، إذن هو لم يلغ فكرة (الجهاد)، ولكنه وضع لها شكلاً مستحدثًا من وجهة نظره، وهو أنه لا يكون القتل مذهبيّا أو طائفيّا أو عنصريّا بكل أشكاله سواء للمسلم أوغيره.

وإنما يكون القتل على أساس الشكل (الأممى) أى الجهاد أو بمعنى أدق الإرهاب بالدين، الإسلام أمام الصليب وهكذا، وهو فى ذلك يمنح نفسه الصفة (القطبية) أى الجهاد من أجل قيادة أمّة المسلمين لمحاربة الآخرين..إذن أين الاختلاف؟ هل فقط فى أنه حرّم نهب محلات الذهب وقتل أصحابها أو قتل السياح أو المسؤولين المحليين، وجعلها (إرهاب أممى) أى التحول من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر حسبما صاغه ليساير أيديولوجية (تنظيم القاعدة) الذي يعتبر هو منظرها الأول، إذن ما معنى المراجعات وما أثير حولها من تفسيرات واجتهادات لا تمُتّ لها بصلة، والأغرب من ذلك هو أن ما أطلق عليه «فضل» بالمبادرة أسهمت فى جعل الدولة تفرج عن الكثير من عناصر الجماعة فى نوفمبر 2007 ليقوم هؤلاء بدورهم فى تكوين خلايا فرعية بمحافظات الدلتا، فهل كانت مراجعات أمْ تغييرًا فى استراتيجية الإرهاب؟!

كان «فضل» قد توجّه إلى اليمن أواخر حرب الانفصال هناك ووصل لمدينة «إب» جنوب اليمن ولم يغادرها حتى تم اعتقاله عقب هجمات سبتمبر 2001 بعد أن مكث فى سجن الأمن السياسى بصنعاء عامَين ونصف العام وقبل أن يُسَلم إلى مصر عام 2004 بطائرة خاصة من قرية البضائع بمطار صنعاء هو وخمسة من المحكوم عليهم بالإعدام من محاكم عسكرية فى مصر، أى أن تنقلات «فضل» اقتصرت على مصر واليمن وباكستان بالأساس؛ حيث كان مديرًا لمستشفى الهلال الكويتى ببيشاور الباكستانية وأسّس ما يًسَمى بـ(بيت الأنصار) الذي كان عبارة عن مضيفة لاستقبال المجاهدين العرب والجرحى من الجبهات المتحاربة. 

فى القاعدة كانوا يعتبرونه (عالم ربانى) لتمتعه بكاريزما مؤثرة فكريّا فى مَن حوله، وقد نشرت مجلة «فورين بوليس» الأمريكية فى 2009 عنه أنه من المفكرين المائة الأكثر تأثيرًا فى العالم، مع أن «فضل» لم يكن معروفًا للإعلام حتى بعد اعتقاله من اليمن وترحيله لمصر، فهو انطوائى ويرى أن التأليف أهم من الظهور وقد ألف كُتُبًا أخرى بخلاف كتابه دستور الإرهاب (العمدة فى إعداد العدة) فله أيضًا (الجامع فى طلب العالم) و(الحجة فى الملة الإسلامية). ويُذكر أنه عندما عمل «فضل» بمستشفى «الثورة» بـ (إب) فى اليمن تزوج من سيدة فلسطينية وأنجب منها أربعة أولاد وبنتًا، ثم تزوج من سيدة من (إب) وأنجب منها بنتًا أخرى، وقد اختار أن ينزوى بعيدًا عن اليمن مع صديقه الذي كان ضابطًا سابقًا فى الجيش (عبدالعزيز موسى الجمل) واسمه الحركى «أبوخالد».

كان «فضل» لا يكتب اسمه على مؤلفاته، وقد اعتبر التابعون له أنه شىء من التواضع، إلا أن الحقيقة هى نوع من التخفى الذي يعطى تشويقًا للاكتشاف، ولذلك استخدم اسمًا حركيّا يضعه على مؤلفاته هو «عبدالقادر بن عبدالعزيز»، ويعتبر «فضل» هو الذي دفع فى اتجاه سيطرة الجهاديين المصريين على معسكر (بيشاور) ومن ثم السيطرة على «أسامة بن لادن»، وكانت رؤيته فى ذلك هى الاستفادة من إمكانات بن لادن ومعسكر (الفاروق) لتجميع الشباب المصري هناك وتعليمهم وتدريبهم، واستطاع زرع شخص يدعى «على الرشيدى» الذي يعرف باسم «أبوعبيدة التبشيرى» والذي يُعتبر أول مسؤول عسكرى للقاعدة وقد غرق فى بحيرة فيكتوريا بأوغندا فى عام 1996وتولى بعده «صبحى أبوسنة» الملقب بـ «أبوحفص المصري» الذي قتل فى الغارات الأمريكية على منازل الأفغان العرب فى قندهار عام 2001 وتولى بعد منه «سعيد المحاسب» وهو أحد مسؤولى القاعدة منذ عشر سنوات وحتى الآن فى أفغانستان.

عندما تولى «فضل» إمارة جماعة الجهاد التي تكونت فى بيشاور عام 1989 خُيّر أن يصير مُنظرًا ومُشرعًا للجماعة أو يكون مسؤولا عن إدارتها، اختار الأولى وترك الإمارة رغم أنه كان مسيطرًا عليها بالفكر وترك الإدارة للظواهرى، وكان فضل يفسر (البيعة السرية) أو ما أسماه بـ(بيعة الصفة للتنظيم وليس لشخص بعينه)؛ إنما كان يريد أن يكون الولاء للمنظر والفكر أى لشخصه هو وليس لمن يتولى إدارة الجماعة، ومن هنا يمكننا وصفه بالثعلب؛ لأنه من خلال كتبه صار هو مفتى وفقيه (القاعدة) والمُنظر الأول لفكرة (عولمة الجهاد)، وهى الأطروحة التي مهدت لبزوغ نجم (القاعدة) كمَظلة للممارسات التي تصنف بـ (التيار الجهادى الأصولى)، وهذا يفسر لنا ما فعله فى مراجعاته ما هى إلا تأكيدات لنظريته فى الجهاد الأكبر وترك الجهاد الأصغر أو المحلى جانبًا إلى حين.

وتعتبر فترة تولى (فضل) إمارة (تنظيم الجهاد) حتى عام 1991 هى بمثابة البناء الأساسى لهذا التنظيم الذي لا يمكن بأى حال الاعتقاد بأنه زال من الوجود، فهو له هيكلة لا تقل فى شكلها العنقودى عن (تنظيم جماعة الإخوان) ولكن حتى يتم الفصل بينهما فقد قام كل منهما باتباع واعتماد أسلوب مختلف فى الشكل، ولكنه مطابق فى الجوهر والمضمون وهو الوصول إلى السُّلطة بأى شكل وفرض الدولة الدينية، تبدأ من الجهاد الخارجى أو الدعوة الداخلية كلاهما يجتمع على المطمع الأساسى الحكم بزعم الدين لا محالة.

 

من مجلة روزاليوسف