الخميس 15 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

نشوى سلامة تكتب: عذاب القبو.. رسالة من هناك

نشوى سلامة
نشوى سلامة

ستجد كل من حولك أناسًا لطفاء للغاية يتحدثون إليك همسًا مخافة إزعاجك، حريصين كل الحرص على إبقائك هادئًا، سيبذلون جهدًا دون امتعاض لتلبية رغباتك، سيشعرون بك وبمدى ألمك حتى إن لم تصارحهم بذلك، فكل منكم يلمس الحب من الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أدلة ثبوتية ولا براهين، ربما لا يحتاج لبعضٍ من كلمات ولا إشارات ولا حتى بعض الدفء في نظرة العيون، ربما لا يحتاج للنظرة حتى.



 

سيتغاضى الجميع عن أي زلات لك، لن يشعرونك قيدَ أَنمُلة بذنبٍ أنك مثلا قد تتسبب في انهيار النظام الكوني وأنك المسؤول الأوحد عن انتشار الوباء في المحيط القريب والبعيد، سيحملون كل شيء قدره تمامًا ويرجعون كل شيء لأسبابه، سيسلكون سلوكًا مختلفًا مع كل آتٍ من الخارج إلى محيط ذاك القبو وحوله لأنهم يعلمون أن الخطر في كل مكان وليس أنت وحدك مثلًا رمانة الميزان والكل آمن وسليم.

 

أعتقد أن هذه المثالية ستجعلكم تستبقون إلى قبو مماثل لتعيشوا نفس الشعور، لكن انتظروا قليلا فالحقيقة دائمًا مختبئة، ولعل ما سبق هو حلاوة روح وتخاريف مريضة كورونا، فإليكم رسالتي من حجرتي أو قبوي الصغير.

 

الحقيقة أنك ستعيش مع نفسك في قبوك لحظات ودقائق وساعات وأيامًا تستعيد فيها كل حياتك، لذلك أسميته قبوًا، أجدني أرقد ممددة لا حول لي ولا قوة، بين التفكر ومقاومة التعب، أقاوم التركيز لكن دون جدوى، أنظر حولي أجد خزانة ملابسي بها كل متعلقاتي متراصة ومرتبة تنتظر! وماذا سأفعل بها؟، وهناك أدراج تمتلئ بأوراقي وكل ما يثبت وجودي وأنني شخص اعتباري لطالما قضيت في وسطها أوقاتا جادةً، لكنها مجرد أوراق، هل ستصمد معي، أما مرآتي الكبيرة فقد عكست سكون وهدوء ذاك القبو، انعكاسًا مضاعفًا، حتى إذا جلست أمامها استطاعت أن تصحح لي رؤيتي وتحاسبني وتحادثني دون تدخل من مدافع أو مهاجم، فهي الآن صادقة جدًا ولا تحتمل المجاملة ولن تنسيني جزءًا من حياتي، وأنا أيضًا لا أجيد نسيان شيء، ترى ماذا سأفعل بكل هذه المخزونات، هل ستذكرني فيما بعد، هل ستظل تعكس صورتي، وأي صورة ستعكس؟ فنحن الآن- أنا وهي- نتحدث لبعضنا البعض طويلا أكثر من أي وقت مضى، أما ذو العينين الزرقاوين فينظر لي صامتًا ينتظر أن نخرج من قبونا سويا، انه كلبي الذي اخبروني انه لم يتناول طعامه ويرقد ببابي منتظرا.

 

الآن أستطيع أن استمع لكل من حولي واشعر بهم تمامًا كما كانوا يقصون علينا أن الميت يشعر بمن حوله، ولكن أنا لست بميت لانني قادرة على استرجاع واستعادة أمور كثيرة لن استطيع الإمساك بها حال إذا توفيت، فهل يكون هذا القبو بمثابة الاختبار التجريبي، هل استطيع التخلص مثلا من عاداتي السيئة التي آلمتني وآلمت غيرى حتمًا، هل استطيع تدارك أمور تبدو لي الآن تافهة لا تستحق الحديث عنها وطيها ونسيانها، هل تكن تلك التجربة بمثابة صفارة الإنذار قبل استكمال الرحلة إن تبدل قدري؟

 

كل ما استطيع أن أقوله أن عذاب هذا القبو موحش لا تملك أن تقول نفسي ولا غيري، كما هو الحال تماما وقت الحساب، تكون أنت وعملك فقط، أما في القبو لا ولن تستطع أن تدفع عن نفسك ولا عن غيرك، أنت بين مطرقة وسندان، الآن حتى شفافية القلوب لا تستطيع أن تخون أو تتجمل، بل تصبح صادقة تمامًا، ستجد الحب وغيره، وتشعر بالاهتمام وغيره، ستبصر وكأن بصرك حديد، والناس أحوالهم أحوال، فقط: حاول أن تكون شخصًا خفيفًا لا يُثقل أحدا بهمه، حتى إذا تذكروا منك لا يتذكرون إلا كل لطيف، وقل الحمد لله وبالغ في طلب رضاه فهو القادر وليس بقادرٍ سواهِ.