الجمعة 7 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عبدالحليم حافظ ترك خلفه ما هو أكبر من الفن السيرة الطيبة

" العندليب " ترك سيرة طيبة بين أهالي بلدته .. التمثال المجسم لا يليق بتاريخه.. صور

الفنان الراحل عبدالحليم حافظ
الفنان الراحل عبدالحليم حافظ

تحِل الذكري الرابعة والأربعين، علي رحيل الفنان عبدالحليم حافظ " العندليب" ولد بقرية الحلوات التابعة لمركز الإبراهيمية بمحافظة الشرقية في 21 يونيو 1929 وتوفي 30 مارس 1977، عن عمر يناهز 47 عامًا، لم يعلم الكثير أن يده كانت دائمًا ممتدة بالعطاء لكل من يلجأ إليه، فعندما تتجول بمسقط رأسه وتتحدث عن سيرته لم تسمع إلا عن فيض عطائه وكرمه والخير الذي كان يقدمه لاهل بلدته في السر والعلن لا حدود له، يحملون له الكثير من الحب لقد غادر الحياة ولكن حبه ظل في قلوب أهل قريته لم يمحيه الزمان، فضلاً عن مساهماته في بناء جامعة الزقازيق والمساجد وتجهيز الأيتام وغيرها المزيد من الأعمال الخيرية.



 

سرد أحمد شكري أحمد داوود، مدير ادارة الشؤون والتحقيقات بشركة مصر للزيوت والصابون سابقا، لـ" بوابة روزاليوسف " وابن خالة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ، والذي يجاور منزله سرايا " العندليب" توفيت والدته بعد ولادته مباشرة، وتولت إحدي سيدات القرية رضاعته، وكان له شقيق في الرضاعة يدعي محمد مصطفي أبوزيد، ولكن أحوال الدنيا ليست باقية لأحد، قبل مرور عام علي ولادته لحق بها والده، ليصبح "عبدالحليم " يتيم الأبوين منذ نعومة أظافره.

أحمد شكري ابن خالة العندليب
أحمد شكري ابن خالة العندليب

 

تولي خاله "متولي عماشة" رعايته ليس وحده فقط بل هو وأشقاؤه الثلاثة " إسماعيل ومحمد وعليا" وكان هو أصغرهم، وبعد مرور عدة أعوام ليست بكثيرة، انتقل بهما وبأسرته للإقامة في شارع الحمام بمدينة الزقازيق، لم يمكث عبدالحليم بها كثيرًا، والتحق بمعهد الموسيقي، ثم عمل مدرسًا بطنطا ونزح بصحبة أبناء خالته شحاتة وفردوس أبوزيد إلي حي العجوزة بالقاهرة، ثم انتقل الي شقة أخرى أمام حديقة الأسماك بالزمالك، وظل محتفظًا بها حتي وفاته، المرض "البلهارسيا" اعتاد " العندليب" أثناء اللهو مع أقرانه في طفولته، التسلل إلي الترعة بمسقط رأسه والاستحمام بها وذات مره غرق وانقذه أحد الفلاحين أثناء العمل بأرضه، ومع مرور السنوات، اكتشف انه انتقل إليه مرض البلهارسيا التي توجد بالمستنقعات المائية الملوثة والتي تسببت بإصابته حتي إنتشرت بجسده وادت إلي نزيف متكرر، وسيطرت عليه وخاصة في السنوات الاخيرة التي أجري علي اثرها 61 عملية وذهب لإجراء بعض الفحوصات والعلاج بلندن حتي وفاته المنية، ماذا ترك لم يترك عبدالحليم حافظ خلفه العديد من الاغاني أو الاعمال السينمائية فقط ، بل ترك ما هو أكبر وأعظم من ذلك، ترك محبه في قلوب كل من عرفه وسمع بسيرته العطره وفيض عطائه وكرمه، ولم ينس أبدا أهل بلدته عندما خرج منها راسمًا أحلامه وسعي لتحقيقها، و ذاع صيته ووصل الي قمة مجده، جلب لها الخير، فهو أول من أدخل الكهرباء بها، قام ببناء الوحدة الصحية بمسقط رأسه عام 1964، في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وافتتحها علي صبري رئيس مجلس الوزراء آنذاك، وتعد هي الملجأ الوحيد لخدمة أهالي القرية والقري المجاورة في ذلك الوقت وحتي تاريخه بعد أن تم ترميمها، وقام ببناء مسجد الفردوس بقريته، بعدما تبرعت إحدي سيدات القرية وتدعي "فردوس سليمان"، بقطعة أرض وسمي علي اسمها، فضلاً عن بناء مسجد الفتح بالزقازيق والذي استمر بناؤه 10 أعوام علي طراز فريد ويضم مركزًا ثقافيًا وإسلاميًا علي مساحة 950 مترًا، ويعتبر من أهم معالم المحافظة، ساهم في تجهيز فتيات القرية الأيتام والأكثر احتياجًا جهازًا كاملاً، وتولي التكفل بكافة مصاريف تعليم أسرة كاملة بقرية تابعة للمركز، أسهم في بناء جامعة الزقازيق من خلال إحيائه لبعض الحفلات التي كان يذهب ريعها لها، وأقام بها حفلة، وجمع تبرعات من التجار بذات المدينه لصالحها،وغيرها من الأعمال الخيرية التي لم تذكر او يُعلن عنها.

 

وتابع أحمد شكري، كان هناك فتاة من أسرة بسيطة انتهت من دراسة الثانوية العامة وضمن الاوائل علي دفعتها، ذهبت إلي معهد السينما تسأل عن "العندليب"، وقام أحدهم بإعطائها عنوان منزله " 7 ش حسن صبري أمام حديقة الأسماك" وعندما وصلت إلي المنزل، طرقت الباب، فإذا به هو من فتح لها أثناء مغادرته لموعد عمل، رحب بها واستقبلها وسألها عن سبب الزيارة، فأجابت " أنا ليا طلب وعايزة اتكلم مع حضرتك" رد قائلاً: " انا نازل رايح مشوار دلوقتي"، وقام بالنداء علي فردوس ابنة خالته، حيث إنها كانت تقطن بالشقة المجاورة له بنفس السكن"، وقال لها اعمليلها حاجة سخنه تشربها وخليها تنتظرني لحد ما ارجع"، وعندما عاد قصت عليه حكايتها وعن حالتها المادية، وأنها تحتاج لمصاريف لإلتحاقها بكلية الطب، وطلبت منه أن يتوسط لها عند عائشة راتب وزيرة الشؤون الاجتماعية حينذاك لطلب إعانه لها، رد عليها بـ لا، قائلاً: "إلا انتي عايزاه هدهولك وأنا متكفل بمصاريفك انتي وأخواتك لحد ما تخلصوا تعليمكم" لافتًا أن هذه الإعانة استمرت بعد وفاته لفترة ما، مشيرًا أن هذه الفتاة كانت مقيمة بمنزل عبدالحليم أيام الخميس والجمعه نظرًا لدارستها بالقاهرة، بحسب روايته التي سمعها منها، وصيته واستكمل ابن خالته، أن "عبدالحليم "صرح لمجلة عكاظ السعودية آنذاك أن ثروته قدرت بـ 3 متر مكعب ذهب، موضحًا أنه أثناء تلقيه العلاج بلندن، صرح لمحاميه مجدي العمروسي، أنه اقترب من الموت ويريد أن يخبره بوصيته، وهي " تقسم تركتي بالتساوي بين أشقائي إسماعيل ومحمد وعليا شبانة وأبناء خالتي شحاتة وفردوس"، بحسب قوله، مشيرًا إلي أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر استثني شركة صوت الفن من التأميم في ذلك الوقت.

سرايا العندليب
سرايا العندليب

 

وعبر " شكري " عن استيائه من محو معالم ذكرى "عبدالحليم" بمسقط رأسه، مشيرًا إلي الفيلا التي قام بشرائها من خاله " عماشة" علي مساحة 6 قيراط حتي الآن عبارة عن أطلال، وقام الورثة بعد وفاته ببيعها، حيث قام المشتري ببناء جزء من أرضها " مخبز عيش"، مضيفًا استمرت احتفالات إحياء ذكراه بعد وفاته علي مسرح نادي القرية ما يقرب من 35 عامًا، ثم تم هدم المسرح ومنذ عدة أعوام لم يتم إقامة إحتفالات لإحياء ذكراه، قائلاً : "لا يوجد بالقرية مايدل علي أن عبدالحليم ساهم في شيء ولم يتم تقديره بقريته من الجهات الحكومية منذ حقب زمنية كبيرة ولا يوجد ما يخلد اسمه، ولم يدون علي الوحدة الصحية ان رئيس الوزراء افتتحها لافتًا أن التمثال الذي تم تدشينه أمامها هزيل ولا يليق بإسمه وتاريخه.

 

واستكمل أحمد شكري حديثه، والدي كان ناظرًا للعزبة التي قام عبدالحليم بشرائها من خواجة يوناني ومصممة علي هيئة قصر كان مقرها بمركز الحسينية وزياراته لها كانت قليلة حيث إنها كانت مشتركة بينه وبين أبناء خالته، وذات ليلة أثناء السير في الطريق إليها، رأي عبدالحليم رجلاً " فلاح "علي حافة الطريق ينتظر سيارة، همس الي عبدالفتاح سائقه ليقف للرجل لتوصيله بطريقهم وأثناء التسامر معه علم منه أنه يذهب لشراء راديو بعد بيعه لإحدي الماشية التي يمتلكها للحصول علي ثمنه لرغبته في سماع أغاني "العندليب" فهمس عبدالحليم الي شقيقه محمد شبانة بالنزول واصطحابه وشراء الراديو له، ولم يفصح عن شخصيته لذلك الشخص الذي يحبه دون أن يراه، لان في ذلك التوقيت من الزمن لايوجد تلفاز. الإعانات المرسلة لا تصل لمستحقيها التقت "بوابة روزاليوسف " محمد عبدالهادي، 80 عامًا وأحد قاطني القرية، أثناء جمعه نبات البرسيم بالأرض الزراعية رجل يبدو عليه نقاء القلب، خط الشيب رأسه وعلامات الزمان رسمت تجاعيد وجهه، واستوقفته عن عمله وسألته عن " العندليب " فبمجرد ذكر اسم عبدالحليم، صمت بضع لحظات متأثرًا وذرفت عيناها بالدموع حزنًا عليه عندما استرجع ذاكرته، قائلاً: " البلد عشان هي قرية الطير الا كان بيتعلم فيها كان بيجري لانها محرومة من متعة الحضارة.. البلد كانت منسية وكان هو أول من له الفضل بالتعمير والتطوير الذي حدث بها "، ولكن ما يؤسفني أن عبدالحليم كان به عيب، كان يأ تمن الحاشية المحيطين به بغرض الانتفاع منه لمصالحهم الشخصية"، لافتًا أن الإعانات التي كان يرسلها لا تصل إلي أهلها ومستحقيها كاملة وكان من حوله أكثر استغلالاً له لطيبته وكرمه وعطائه الكبير، "كان بيقابل كل الناس كويس وكان حنون " بهذه الكلمات وصفه الرجل الثمنيني، وتابع في يوم من الأيام جاء زيارة للبلدة وفي ذلك الوقت نقوم بالعمل في الأرض الزراعية، وتفاجآت به أثناء مروره طلب من أحد الصحفيين تسليط الكاميرا لالتقاط بعض الصور للفلاحين أثناء جمع نبات البرسيم، ولم نري المشهد إلا عند عرضه علي شاشة التلفاز، ويختتم الرجل الثمانيني، حديثه "رسالة مننا جميعًا الدعاء له بالرحمة والمغفرة.. لانه كان كله خير ".

مخبر العيش الذي تم بناءه بجزء من سرايا العندليب بعد بيعها
مخبر العيش الذي تم بناءه بجزء من سرايا العندليب بعد بيعها

 

حكاية العيدية والـ 20 جنيه، رجُل يبدو عليه الفصاحة والذكاء وقوة الذاكرة، ينتظر قليلاً ويسترجع ذاكرته، " احلفلِك علي مصحف اني أقول الحقيقة ولا تغيير فيها"، بهذه الكلمات بدأ عبدالعزيز الغمري في العقد التاسع حديثه، في ليلة من الليالي كان فيه مسجد تم افتتاحه جديدًا يسمي مسجد " الفردوس"، قمت باداء صلاة المغرب وانتظرت ما يقرب من 10 دقائق لصلاة العشاء، كان يتقدمني في الصلاة شخص وعند خروجي رأيته ينتظرني أمام المسجد بمنتصف الشارع، ولا أعلم هويته لانني لم يسبق لي رؤيته من قبل، القيت عليه السلام أثناء سيري متوجهًا لمنزلي، كان متأنقًا يرتدي أبهي اللباس بدلة ومِعطفًا طويلاً وقبعه صوف، استوقفني وسألني " انت من البلد فأجبت بنعم"، "وطلب منه أن يجوب معه علي بيوت الأهالي حتي ينتهي من توزيع الإعانات علي المستحقين بعد أن أدله علي أسماء الناس الغلابة بالقرية" .

مسجد الفردوس الذي قام ببناءه
مسجد الفردوس الذي قام ببناءه

 

واستكمل الرجل التسعيني، لم يتردد للحظات في أن يخطو معه في سبيل الخير وهز رأسه وردد بصوته معبرًا عن موافقته، وأخرج ورقة وقلم من معطفه وقام بتدوين الأسماء ، وهمو بطرق أبواب المنازل ليلاً حيث يقوم أحد أفراد المنزل بفتح الباب، ممسكًا بقبضة يده اللمبة الجاز لمعرفة من الطارق، ويقوم بإعطاء من يفتح له مبلغًا من المال لم أعلم عن قيمته شيئًا، حتي أن انتهينا من اعطاء مساعدات لـ 44 منزلاً للفقراء والمحتاجين، وفي نهاية الطريق طلب مني الذهاب معه الي منزل "متولي عماشة" قولتله ايه انا مش هروح معاك هو انت تعرف ده يبقي مين ده خال عبدالحليم حافظ يعني مش محتاج ده ممكن يطلع يضربني بالمركوب" وبعد مفاوضات ذهبت معه، وانتظرت بالخارج ووصلنا إلي منزله، "وطرقت الباب وقولتله انا عبدالعزيز الغمري ومعايا ضيف غريب بيسأل عليك.. وفتح متولي عماشة الباب حاملاً " كلوب" ورحب بنا " وامتنعت عن الدخول، فإذا بالفنان الراحل ممسكًا بكتفي ودفعني برفق للداخل رغمًا عني، وكان متواجد عنده حينها أحمد النمر مساعد خاله، " قال خاله ليا انت متعرفوش ده عبدالحليم حافظ.. قولتله أصل انا مقابلتوش قبل كده"، وجلسوا يتسامرون سويًا"، وأخرج عبدالحليم كشف أسماء الغلابة ليُطلع عليه خاله ليعرف منه ما اذا كان يستحقون أم لا، وعندما قرأ الاسماء قال له " الله ينور عليك انت عملت خير كبير" وسأله عما اذا كان أعطي رفيق طريقه عديته.. رد قائلاً لا، في ذلك الوقت كانت ليلة العيد ورفضت بشدة وأخذت المبلغ منه بعد إصراره، ووصف" الغمري " العيدية، "ورقة كبيرة فئة عشرين جنيهًا عريضة من بتاعة زمان.. وقالي دي عدية عيالك".

واختتمت، عبدالعزيز الغمري، الي ان "الحاجة فردوس" سالفة الذكر، عندما كان يرسل الفنان الراحل اعانات للمسجد ، تقوم هي الأخري بإعداد زيارة وترسلها لمنزله، ولكن شقيقه محمد شبانة كان يقوم برفضها، قائلاً: "عبدالحليم باعتهم لله".

تمثال الفنان الراحل عبدالحليم حافظ بمسقط رأسه
تمثال الفنان الراحل عبدالحليم حافظ بمسقط رأسه