الأحد 11 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الدراما الطقوسية المصرية القديمة

الدراما الطقوسية المصرية القديمة

 في إطار العودة لدراما قدماء المصريين، يجدر العودة إلى أقدم النصوص المسرحية التي عرفها التاريخ البشري، والتي دارت حولها تأويلات تراها طقسًا دينيًا، وليس محاكاة درامية، إلا أن قدمها وأسبقيتها على المسرحية الشهيرة انتصار حورس يجعلنا نتأملها من زاوية البناء الدرامي والعناصر المسرحية. 



 

لعل الدراما المنفية هي أقدم نص مسرحي عرف في التاريخ. إذ تدل الهيروغليفية التي كتب بها النص، وكذلك المضمون الذي ينطوي عليه من فكرة توحيد الوجهين في عهد مينا عام 3000 ق.م تقريبًا.

 

ونحن هنا نلفت النظر لهذا النص لقيمته المسرحية، "بعد أن اهتم به الدارسون منذ برستيد Breasted 1901، حتى جون ويلسون 1946 من الناحية التاريخية والدينية. وقد وصلنا في صورة نقوش على حجر شبكة Shabaka Stone المحفوظ الآن في المتحف البريطاني.

 

    وقد قارن البعض بين الدراما المنفية ودراما الأسرار في العصور الوسطى الأوروبية، والتي كانت تقدم في إطار المسرح الكنسي.

 

    ورأت بعض الآراء أنها أقدم سلف لمسرحيات العصور الوسطى، وفي ذلك يرى سليم حسن أن:      "الوثيقة تشبه كل الشبه – لحالة تجذب النظر – القصص المقدسة التي مثلت في – المسرحيات الرمزية في القرون الوسطى".

 

    وهو الأمر الذي يمكن فهمه على وجه دقيق من حيث التشابه في استخدام التلاوة المقدسة، ولكن من المؤكد أن حضور الجمهور في مسرحيات العصور الوسطى كان حضورًا مختلفًا، فهو كان يجمع بين الفرجة والصلاة.     ولكن الجمهور في الدراما المنفية نسبة إلى مدينة (منف) (ممفيس)، لا يمكن الاستدلال عليه، لأنها أشبه بطقوس جلوس الملك، وتتويجهبما تحوي من معان دينية وفلسفية ذات مرجعية أسطورية. 

 

إلا أنها مراسم تتويج واحتفال يحضره الخاصة من الكهنة وأهل الحكم فلا إشارة واضحة لمشاهدين محتملين أو مفترضين في هذا النص.      

 

كما أنه لا يأتي من أجل إيضاح النص اللاتيني الذي كان الإنجيل مكتوبًا به، وأخذت عنه معظم نصوص مسرحيات العصور الوسطى الأوربية لتشرحه بالحركة وباللغة المحلية التي يفهمها السكان.

 

بل هو باللغة المصرية القديمة ذاتها، كما أن التشابه يبدو تشابه المصادفة لما هو معروف من انقطاع الصلة بين العصور الوسطى الأوروبية، وتراثها الإغريقي واللاتيني، فما بالك بهذا الانقطاع المؤكد عن حضارات مصر القديمة.  هذا وتنقسم الدراما المنفية إلى أقسام ستة، والجزء الأول يأتي مهشما وفيه إقرار من أتوم إله الشمس الخالق طبقًا للعقيدة المصرية السائدة أن بتاح خلقه كم خلق الآلهة الآخرين.  والقسم الثاني يعرض للصراع بين حورس وست، وفيه إشارة لظهور تاج الوجهين على رأس حورس، بعد تحكيم التاسوع المقدس الذي اجتمع لمنعهما من الاستمرار في الشجار، والإشارة التاريخية هنا لمينا موحد الوجهين، والإشارة الدينية لحورس الوريث الشرعي لأبيه أوزوريس. الجزء الثالث يتناول العلاقة بين منف العاصمة الجديدة، وحورس الوريث الشرعي، والإشارة إلى العاصمة بأنها مخزن الغلال.  والجزء الرابع يتناول بناء القلعة الملكية في منف. والجزء الخامس، وهو سر ذيوع، حيث هذا النص يقول بالوحدانية المطلقة للإله، فالآلهة المتعددون ما هم إلا صفات لبتاح. والنص هنا يؤدي اعتقادًا ثابتًا بأن أساس الوجود هو أساس روحي: ما هو إلا مدركات في ذهن الخالق، اتخذت صورة موضوعية فور نطقه بها. أما الجزء السادس والأخير، فيشرح لماذا أرض منف هي الأرض الخصبة ومخزن الغلال والعاصمة، ذلك لأنها المدينة التي تم فيها دفت جثمان أوزوريس، ولذلك أصبحت مصدراً للقوة التي تشع في أرجاء المملكة.      وفيه أجزاء لا تحمل توجيهًا مسرحيًا يبدو أنها كانت من تلاوة الكاهن ولكن التوجيه المسرحي الواضح موجود في إشارتين، الأولى هي:

 

كلمات يقولها جب لست: اذهب إلى المكان الذي ولدت فيه. كلمات يقولها جب لحورس: اذهب إلى المكان الذي غرق فيه أبوك حورس مصر السفلى. كلمات يقولها جب لحورس وست: لقد حكمت بينكما" مصر العليا ومصر السفلى.

 

وتعرف تلك الدراما المنفية بلاهوت ممفيس، ويفهم منها أنها طقس ديني ملكي ربما كان يحدث في احتفالات التتويج، أو في احتفالات دينية لتجديد شرعية الملك، فكل ملك مصري قديم كان يحمل لقب حورس. المظاهر المسرحية قليلة جدًا، وهى تأتي في سياق الإشارة للحوار، والباقي نص يحتمل التلاوة، ويحمل وصفًا لبعض من الحركات الإيمائية الطقسية.

 

إنه طقس واضح مكتمل الملامح وربما كان نموذجًا دالًا على تلك الدراما الطقوسية المصرية القديمة.

 

أما الدراما الثانية واضحة الارتباط بالدراما الطقوسية الدينية، فهي دراما السر حول وراثة الملك، وهى المسماة ببردية الراسيوم، وقد نشرها زيته في الجزء الثاني من نصوص درامية، فهذا القرطاس الطويل من البردي يضم النص الفعلي لمسرحية مثلث عند ارتقاء سنوسرت الأول إلى العرش.  ومع ذلك فمما لا شك فيه أنها تضم عناصر يرجع أصلها إلى قرون طويلة قبل الدولة الوسطى، إذ إن الباحثين عن الروح – الذين يقومون بدور فيها – عرفوا في آثار تعود إلى الدولة الأولى، والمسرحية التي تعود في شكلها الحالي إلى عام 2000 قبل الميلاد تقريبًا، ربما كانت نموذجًا لعرض كان يعاد تقديمه عند ارتقاء كل ملك إلى العرش.

 

وهي تدور حول تتويج الملك، والصلة هنا شديدة الوضوح بحفل التتويج والمسرحية تبدو في هيئتها الدرامية ذات طابع واقعي، ليس في صياغتها وإنما في وظيفتها الدرامية، فهي احتفال مراسمي ديني طقوسي الطابع مختص بتتويج الملك على العرش.

 

وهي مجموعة من المشاهد التي لا يربطها رابط سببي، وتنتقل بين الأحداث بشكل مفاجئ، في بناء شبه متكرر من حيث الشكل والمحتوى، يستهدف الحالة الطقسية الدينية الخالصة.

 

وهي كما أمكن للمختصين جمعها وتنسيقها قد تم إدماجها في أجزاء ستة، والجزء الأول فيها يتم فيه إعداد القارب الملكي وقوارب الأمراء وتقديم الأضحيات.  والجزء الثاني يعرض للأدوات والعلامات الملكية كعصا الملك وشاراته الملكية.

 

جدير بالذكر، أن الملك هنا وإن كان سنوسرت الثالث، فهو يحمل صفة حورس أيضًا، وذلك حتى يحمل الصفة الإلهية. وما سبق الإشارة إليه هي الدراما المصرية القديمة ذات الطابع الطقوسي الشهير، وهو الطابع الذي تم سحبه على معظم الدرامات المصرية الأخرى نظرًا لتاريخيته وأهميته، مما أسهم في نشر الاعتقاد الخاطئ بأن الدراما المصرية القديمة جميعها دراما طقوسية، بينما أثبت البحث التاريخي أنها تحتوي على العديد من الدرامات نصف الطقوسية والدرامات الدنيوية المتعددة، والتي يحضر فيها بوضوح دور المتفرج، كما يحضر أيضًا بوضوح دور الفرق المسرحية الجوالة بعيدًا عن الطقس الديني.  تجدر الإشارة إلى أن نص الدراما المنفية ونص دراما السر حول وراثة الملك قد نقلهما عن الهيروغليفية ه. و. فيرمان وترجمهما للعربية د. عادل سلامة ويمكن العودة إليهما في ملاحق مسرحية انتصار حورس الصادرة عن سلسلة المسرح العالمي، وزارة الإعلام، الكويت، مايو 1972.