الإثنين 17 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
منزلة العقل في كتاب جابر عصفور "دفاعا عن العقلانية"

منزلة العقل في كتاب جابر عصفور "دفاعا عن العقلانية"

من سفر التكوين استل جابر عصفور صرخة أمل دنقل ووضعها بمكانها اللائق في أولى صفحات الكتاب، صرخة يصف فيها دنقل ما أصبح عليه العقل في وطننا العربي، اذ هو "مغترب يتسول، يقذفه صبية بالحجارة...!". أي بداية مأساوية لوضعية العقل يرصدها الكاتب ليوقظ الغارقين في سبات الجهل.. وفي "مفتتح" الكتاب يجزم عصفور ان الحداثة والتحديث والعقلانية هي طرق المستقبل في حياتنا. وان العقلانية هي التي تحرك الحداثة والتحديث ولا تكتمل إلا في مناخ الحرية.



 

وكما يربط فيكتور هوجو الحرية بالعلم فيقول تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل، فإن عصفور يؤكد أن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية ظل قرين ازدهار العقل والعلم. ويعلن الكاتب عن عقلانيته التنويرية فيجدها مرتبطة بعقلانية المعتزلة من جهة وبعقلانية ابن رشد من جهة ثانية، مدركًا الفارق الزمني (ثلاثة قرون) ما بين العقلانيتين.. يعي عصفور هذا الفارق ويشير إليه فهو، كما عرفته عن قرب، يرى مثل المعتزلة تغليب العقل على النقل، والفكر قبل السمع. وكما ينشد ابو نصر الفارابي السعادة من العلم والمعرفة، ينشد جابر عصفور العدل من العقل والحرية لاقتران العقل بالحرية والعدل.

 

لقد أطلق مؤسسو الصالون الثقافي العربي على أستاذنا الكبير جابر عصفور- بمناسبة عيد ميلاده السبعين- لقب "حارس التنوير"؛ تقديرًا لدوره الرائد في حقل التنوير، فقد خصص عددا كبيرا من كتبه في خدمة التنوير مثل: التنوير يواجه الظلام، محنة التنوير، دفاعًا عن التنوير، هوامش على دفاتر التنوير، للتنوير والدولة المدنية، أنوار العقل، ودفاعا عن العقلانية.. وقد شرفني عصفور بطلب ان اكتب مقدمة لكتابه "جابر عصفور: حارس التنوير" ومما كتبت حينها (2014) أنه "إلى جانب كونه أديبًا وناقدًا ومفكرًا فهو مناضل معتد بأفكاره، ومدافع صارم عن مبادئه، نزيه صادق في الوقت نفسه، ولديه إصرار على محاربة التخلف الفكري والتمسك بفكر التنوير حتى استحق عن مقدرة وجدارة لقب "حارس التنوير".

 

كتابه الأخير "دفاعًا عن العقلانية" موسوعة فكرية قسمها إلى ثلاثة اقسام بأربعة عشر فصلًا، تناول فيها التراث العقلاني من: منزلة العقل لدى المعتزلة وابن رشد إلى ايمان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي بالعقل والعدل وتمثلهما في تجربته الباريسية، إلى العقلانية الإسلامية المحدثة في مناظرة الامام محمد عبده وفرح انطون ومحورية الفكر الاعتزالي في تجربتهما الخاصة بالدين والعلم والمدنية.

 

عشرات الموضوعات الفكرية عالجتها فصول الكتاب بعمق وسلاسة في تفاصيلها، فنرى الكاتب ينقلنا من الشيخ أمين الخولي ونظريته في تجديد الفكر الإسلامي الذي يراه تجديدًا تطوريا في العقائد من خلال مفهوم تطوري للتاريخ، إلى الفكر التجديدي لمحمود زقزوق الذي يهدي الكتاب لروحه، إلى ايمان طه حسين بحرية العقل لأن "العقل الحر هو الذي يتلقى العلم ويستسيغه مهما يكن مصدره" ويسجل عصفور حقيقة ان طه حسين كان متفائلا عندما تكلم عن تحرير العقل عام 1953 ولكن حلمه الليبرالي هذا ضاع.

 

والكتاب كما أسلفنا موسوعي لأنه لا يبحث في تاريخ الافكار العقلانية ومريديها فحسب، ولكنه يبحث ايضا في رمزية الاحداث الكبرى وأثرها في إجراء التحولات، مثل تأسيس جامعة القاهرة التي اعتبرها يقظة العقل الجمعي، ومثل رمزية ان يكون قاسم أمين مؤلف كتابي "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة" سكرتيرًا للجنة الجامعة. وينقلنا عصفور لاحتدام لفظي راهن بين الأزهر داعية الدولة الدينية وجامعة القاهرة داعية الدولة المدنية فيلاحظ تشدد الخطاب الأزهري مما ينم عن صراع بين عقلية الاتباع وعقلية الابتداع.

 

يفخر عصفور بعمله لأكثر من نصف قرن استاذا في جامعة القاهرة و18 عامًا في وزارة الثقافة التي أصبح وزيرا لها مرتين، مشيدًا بالدور الإبداعي الكبير لثروت عكاشة المؤسس الحقيقي لوزارة الثقافة المصرية وواضع استراتيجية ثقافية لدولة مدنية حديثة والمعبر عن طموحات عبد الناصر لتحقيق العدالة الاجتماعية والثقافية.

 

وينصف عصفور- إلى حد كبير- نصر حامد أبو زيد الذي خصص له القسم الثالث بفصوله الثلاثة. تلك هي مكانة العقل عند جابر عصفور التي تكتمل عندما يدافع عن مكانة المرأة وحريتها في المجتمع، على غرار ما فعله الفيلسوف دينيس ديدرو حين جعل تحرير المرأة شرطًا أساسيًا للوطنية وجوهريًا للمواطنة.