الأحد 11 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
"قَراصِنَةُ" بيروت !

الغربة الأولى 8

"قَراصِنَةُ" بيروت !

تلاعبَ بنظارتهِ وهو  يمسح عينيه بمنديل سحبه من جيب سترته، توقف عن الكلام المُتَمَهِّلِ، حَسا آخر حسوة من فنجان القهوة. إنتظر محمد المعلم أن يقرأ في تقاطيع وجهي أي إنطباع. في تلك اللحظات، شعرتُ أن الأكاديمي، والأستاذ المحاضر في كلية العلوم، تغلَّبَ على الصحافي و الناشر، و عاد يطل بنظراته المتفحصة، المترقبة، التوّاقة لرد فعل من مُحدثه.



يومها زار محمد المعلم مكتب "الهيئة"، و تبادل معنا، إسلام شلبي و أنا، ما يعانيه في بيروت من "مافيا" قراصنة الكتب، و طبعها، و توزيعها، التي باتت تدر أموالاً طائلةً على أصحاب المطابع، و الناشرين "القراصنة"، الذين  يتجاهلون قوانين النشر و حقوق الملكية الفكرية، و على الموزعين المشاركين في لعبة "القرصنة"، فينقلون تلك الكتب الى الأسواق العربية، من دون حسيب أو رقيب!

 

و مع ذلك كله، كان محمد المعلم مولعاً ببيروت، عاشقاً لها، و هي كانت عنده، كما يردد دائماً، عاصمة العرب بلا منازع، و مرقد فكرهم، و طلَّتَهم الحضارية. و هي كانت له، الموئل، لما أتاها مضرجاً بالخيبة، مثخناً بجراح المعتقل، الذي كان دخله، بوشاية، ليس ها هنا منفسح للكلام عنها، فأسس فيها سنة 1968 "دار الشروق"، و لمس فعلاً أهميتها في النشر و صناعة الكتب، إن من ناحية الذوق، و ترف التصميم و فرادته، الذي يحاكي ما يصمم في الغرب و يبزّهُ أحياناً كثيرةً، أم جودة الطباعة، التي يقوم بها مَهَرة في الصنعة، لا تجد من يجاريهمُ حتى في مصر.

 

وكان محمد المعلم يَرٍدُّ ذلك، ليس للآلة، ( و في بيروت تجد دائما أحدث أطرزة آلات الطباعة، من كل جنس ونوع، بسبب حرية الإستيراد، و عشق اللبناني لكل جديد و حديث، و رغبته الجامحة لإستحضاره و إقتنائه)، إنما لطبيعة الفرد اللبناني، الذي لم يعوّل يوماً على الدولة وسياسييها، بل عوَّلَ دائماً على "مبادرته الفردية"، وطموحه، وإستفادته القصوى من النظام السياسي الحر، المنفتح و المتفتح، بلا قيود، على الشرق والغرب، ما دفع الفرد اللبناني الى التنافس، و قوى فيه نزعة التوق الى الوصول، فيغدو إكتساب المهارات، ليس للتكسب فحسب، إنما للوصول الى المراتب العليا في الصنعة التي يزاولها و يتمكن منها ويجيدها. فتجد أن غالبية أصحاب المطابع الكبرى، تعلموا الصنعة بالممارسة، و أدى بهم طموحهم الى إمتلاك مشاغل تصوير و مونتاج، و مطابع فيها أحدث الآلات، تتبارى على الجودة، و إقتناص العقود.

 

خلافاً لما كان يجري في بعض الدول العربية، و في مصر تحديداً، التي كانت "بولاق" و مطبعتها و كتبها، في الصدارة، تخلّفت، و أصبحت تاريخاً يذكر. فالنظام السياسي، المنغلق، الذي يتصرف بكل شيء، يمنع و يسمح، يبيح ويحرم، خطف المبادرة الفردية، فأصبح العامل بلا طموح،  كل ما يهمه الحصول على راتب بالكاد يأتيه بالكفاف.

 

وإنغلاق النظام، أوقف الإستيراد، و أصبحت العملة الصعبة نادرة، فلم تجدد المطابع آلاتها، لتواكب ما كان يجري في عالم الطباعة، و صناعة الكتب، و حتى المواد الطباعية الأساسية، من أحبار و أفلام ، و ما يتبع... كانت دائماً في شح، و غير متوفرة في الأسواق المحلية، و لا مصانع تنتج بدائل الإستيراد. و العامل لا يعرف سوى آلات أَكَل الدهر عليها و شَرَب، و لم يواكب في صنعته الجديد و الحديث، لتطوير المنتوج الذي يخرج من تحت أسنان الطابعة.

 

إلاَّ أنَّ "الحرية" التي يتمتع بها لبنان كانت سيفاً ذو حدين: فمن جهة، عززت مكانته الاقتصادية و الفنية، والثقافية،  وإنفتاحه على الحضارات الأخرى، فأصبح مركزاً مهماً يربط الشرق بالغرب، و من جهة أخرى جعلت بعضهم يستغل "نعمة" الحرية، لإستباحة  كل شيء، وضرب القوانين المرعية الإجراء عرض الحائط. و قد كان قطاع الطباعة والنشر، الأكثر إختراقاً، وإستفادة من مناخ الحرية ذاك. فأخذت المطابع تجني الأموال الطائلة، غير المنظورة. 

 

ففي لبنان، حالياً، 900 مطبعة تعمل في صناعة الكتاب، مقابل مئة و خمسين مطبعة في بلد مثل مصر، مساحته أضعاف مساحة لبنان، و تعداد سكانه يربو عن 100 مليون نسمة، (في وقت عدد سكان لبنان بمن فيهم اللاجئين فيه 6ملايين نسمة). و هذا العدد الكبير من المطابع، المتفاوتة في حجم الانتاج، كما في نوعية الآلات المستخدمة من تصوير، و فرز ألوان، و طباعة ، و تخريز و تجليد، و هو الدليل الواضح على أن لبنان، لم يزل في الصدارة، ومطبعة العرب التي لا تجاري في الجودة و الرونق.

 

و على الرغم من المنافسة التي أخذت تلوح في الأفق، ليس من مصر وحدها، انما من بعض الدول العربية، إلاَّ أن بيروت  لا تزال الأهم و الأقدر على الإبداع الفني الطباعي، و الجودة في صناعة الكتاب، و الأكثر إنتاجاً، و جنياً للمداخيل     و الأرباح، التي من الصعوبة بمكان معرفتها.

 

فقد أشارت دراسة صدرت سنة 2002 عن "المركز اللبناني للدراسات" الى أن مجموع مداخيل "الصناعات الثقافية" في لبنان تصل إلى 685 مليون دولار سنويا، لصناعة الكتاب منها نصيب يصل إلى مليوني دولار ويزيد. إلاّ أنّ الرقم الحقيقي يفوق ذلك بكثير. و لا أحد يستطيع أن يرفع إصبعه و يقول أنه يعرف المداخيل الحقيقية لهذه الصناعة الناجحة في لبنان.  لقد صرفنا، إسلام شلبي و أنا، أياماً بنهاراتها و لياليها، نبحث و ننقب، نسأل، ونتساءل، نراجع، و نقرأ الإحصاءات، والتقارير الرسمية، و مضابط المخالفات،  و الملاحقات ، وما أصدرته المحاكم ضد القراصنة ، و تقارير المؤسسات الخاصة اللبنانية و الأوروبية عن القرصنة الثقافية في لبنان، و مع ذلك لم نستطع إختراق عالم القرصنة المافياوي،  و لم نتمكن من كشف المستور عن كل خبيئة.

 

كيف لك أن تحصي  عدد النسخ التي تتم قرصنتها  في المطابع اللبنانية من "منشورات أوكسفورد" باللغة الإنجليزية؟ ومنها: Oxford Thesaurus و  The Oxford Dictionary of Quotationsو هذه تُرسَل بالأطنان إلى دول عربية، هي تمولها في الأصل؟ كيف لك أن تعرف كم تبلغ مداخيل التعدي على العديد من منشورات "كامبريدج" و منها، على سبيل التعداد: The Cambridge Biographical Encyclopaedia؟  من بمقدوره أن يحصي كتب التراث التي تُصور بتقنية رفيعة و  تُصمم بحرفة و ذوق، و  تُطبع بجودة عالية، "          و  يُقرصن" المحقق منها، و تُرسل إلى كل أنحاء العالم العربي؟

 

الكتب المدرسية الإفريقية - العربية، في غالبيتها الساحقة تطبع في لبنان. من يعرف مثلا أن الكتاب المدرسي الموريتاني يطبع في "دار الفكر اللبنانية"؟ 

 

المصاحف التي توزعها سورية، و تبيعها بكميات هائلة هي في غالبيتها، إن لم تكن كلها،"مطبوعة في لبنان... لقد تبين لي، على مدار السنوات،  أن مداخيل الطباعة، و حركتها في المنطقة العربية، طولا و عرضا، قد تكون الأكثر سرية، أو "المتستَّر" عليها، من بين الصناعات الموجودة في لبنان.

 

و لأن في بيروت إمكانيات، ليست متوفرة عند غيرها، تزدهر صناعة الطباعة،  ويبرز ناشرون يتحولون ، كما كان يقول سليم اللوزي ناشر و رئيس تحرير "الحوادث"، الى"حيتان الطباعة"، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر،"مكتبة لبنان"، فهي التي تطبع الكتب العلمية للمدارس القطرية. و ممول معروف في لبنان، يملك  دار نشر و إذاعة في ليبيا، يطبع كتب المناهج الليبية برمتها. وناشر آخر يطبع في بيروت كتب تربوية لصالح إحدى حكومات دولة مغاربية.

 

إن سر بقاء لبنان قادرا على إختراق "سوق الطباعة"، يكمن في الأسعار و التي ما تزال الأفضل، نسبة إلى الجودة التي تقدمها، فالكتاب اللبناني تقنيا و فنيا، هو بمستوى الكتاب الأوروبي من حيث التصميم، و إنتقاء الورق، والتصوير الدقيق، و الطبع العالي الجودة ، و التجليد الفني الذي لا يجارى.

 

صحيح أن في الخليج، مطابع تحوي تجهيزات آلية متميزة و حديثة، إلاَّ  أن اليد العاملة هندية أو باكستانية ، وليست عربية، و هذا ما يؤثر سلباً على المنتوج الذي يخرج من تلك المطابع. فالآلة وحدها لا تكفي في الإبداع الطباعي.

 

 المغرب العربي يعاني ضعفا في المجالات كلها، في التصميم و الإخراج، و" تجهيزات أوفست" (التصوير، فرز الألوان، المونتاج...). لبنان إستفاد من الحرية الفكرية المتاحة، و من الروح التجارية القوية و اليد العاملة الماهرة، و شكّل شبكة على إمتداد العالم العربي، منذ عشرات السنوات، لا تزال قائمة إلى اليوم، و لا أحد يمكنه مجاراتها.