الخميس 15 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

تشكيليون ونحاتون فى رحلة بدأت من الذاكرة وانتهت بالأسطورة

أقيم معرض فنى جماعى بعنوان "HUMANS AND ELSE- البشر وغيرهم "، وذلك بقاعة الفنان المعماري أكرم المجدوب Magdoub Design Studio – الزمالك، شارك فيه مجموعة من الفنانين هم: ( حازم المستكاوى – نهى ناجى – عصام درويش - أسماء النواوي - رانيا الحكيم - أكرم المجدوب- دينا مدكور - خالد سراج- رشا سليمان) .



 

من المعارض الفنية الجماعية المميزة التي حققت هدفها من العرض، لعدة أسباب، منها اختيار "التيمة" التي شكلت رابطًا فكريًا وفلسفيًا بين الفنانين باختلاف معالجاتهم ومجالاتهم الفنية ما بين الرسم والتصوير والنحت والخزف، وتوزيع الاضاءة على الاعمال بحذر من أجل المحافظة على هوية العمل، تنسيق متوازن بصريًا لتتابع عرض أعمال الفنانين، وجود موسيقى بالقاعة أضفت على العرض أجواء ومناخًا ملائمًا للتأمل .

 

ذكريات ملهمة

نحن كبشر لا تخلو ذكرياتنا من أشياء ذات دلالة، كلما اشتقنا إليها نستدعيها، فتأتى إلينا بلهفة وكأنها كانت تترقبنا، الفنان "حازم المستكاوى" الذي تعتمد خبرته الفنية منذ عقود على العلاقة الجدلية بين الفن والعمارة والتصميم، وإن اختلفت الابجديات، كشف عن عشقه المختبئ بمخزونه لبدايات الأولى لشريط السينما أو "بكرة الفيلم" بشكلها النحتي والدائري، وبمفاهيمية طرحه، نفذ " المستكاوى" تكوين مجسم متفرد فى معالجته فنيًا وعميقًا فى صياغته نحتيًا، مستخدمًا خامة "الكرتون"، التي دائما ما تمحنه أسرارها، قدم 3 حلول مختلفة للفيلم السينمائى وحالة تقطيع الكادر، جمع فيهما بين الثابت والمتحرك، المنحوتة الاولى: مكونة من قطعتين لـ"بكرة الفيلم- Noir " وبداخلهما رسمة كلاسيكية، والثانية منحوتة لشخص جالس على مقعد كرتوني يمكننا تحريكه فى حدود مكانه، والثالثة 6 حلول لـ" The Doll" أو الدمية  Negative and positive .

 

 

 

 

 

الجسد والتكنولوجيا

 لم يعد هذا العنوان "الجسد والتكنولوحيا" جملة ذات غرابة، لهذا هو عصرنا، وإن اختلفت القناعة والوصف والتأويل، إشكاليّة الجسد وعلاقته بالعالم الخارجى مبحث تشكيلى للأعمال التصويرية للفنانة "نهى ناجى"، ومبحث فلسفي يتفق مع النزعة الفينومينولوجيّة، بأن الجسد هو شاشة العرض الذي يستطيع كل فرد التعبير عن ذاتة وعن مؤثرات العالم من خلالها، واختصت "ناجى" فى لوحاتها حركة الجسد، كرد فعل لتسرب إشارات التكنولوجيا لجسد امرأة وجسدتها بلغة بصرية تشكيلية خطية ومجموعات لونية تبدو درامية، وفى إحدى لوحاتها رسمت أقدامًا تتحرك وفرت هاربة من أثر نتج عن مؤثرات خارجية .

رغم أنها رسمت جسدًا واحدًا فى كل لوحة، إلا أن الحالة الفنية التعبيرية للجسد تحمل ثنائية، جسد موضوعي منه ندرك العالم ونتحرك نحو الاشياء، وجسد ذاتى لإدراك العالم .

 

 

رؤية مغايرة لعلاقة الانسان بإحد مفردات التكنولوجيا "الموبيل" تلك الجهاز الصغير الذي يرافقنا فى كل مكان، الفنان النحات والرسام "عصام درويش" يوزع شغفه الفني بين مجالين متكاملين يحسد عليهما، هما الرسم والنحت، ليؤكد بهما أنه لا نحت متزن بمقايس وأبعاد بدون رسم متقن ودقيق، قدم لوحتين منفذة بخامة الفحم، وصف فيهما حال "فتاة" مستسلمة تستلقى على مقعد وتمسك بيدها "الموبيل"، وملامحها تشير إلى أنها فى حالة انجداب لما تقرأه، إنه الموبيل بقدر ما يربطنا بالعالم بقدر ما يفصلنا عن ذاتنا وذواتنا ويصعب الاستنغناء عنه، المعالجة الفنية والتقنية جمع بين قوة ضربات الازميل ونعومة المساحات الظلية والاضاءة وزوايا منظور ليأتى بحالة تعبيرية يمكن أن تطلق عليها رسمًا منحوتًا.

 

 

بينما انفصل الفنان أكرم المجدوب عن عالم التكنولوجيا ومؤثراتها وتداعياتها، وشارك بلوحة رسم خطية تحمل الهدوء والبساطة والاختزال، معلنًا أنه لا يزال محتفظًا بأحلامه وبين الحين والحين يرسمها ببراح دون ضغوط تكنولوجيا .

 

 

الزمن .. بين القياس والمحسوس

الفنانة التشكيلية "أسماء النواوي"، شاركت بثلاث لوحات تصويرية، تحكى عن المرأة وعلاقتها بالزمن، الاولى تجلس واثقة من وجودها ولا تتهم بدائرة الزمن وتروسه وتعقيداته، الثانية تمردت ونهضت تحاول تقفز قبل فوات الآوان، والثالثة تلقى بتروس الزمن فكل ما تبقى من آثار بعيدًا عن زمنها، رغم أنها فى الثلاث حالات تكاد تكون منتصرة، إلا أن سمة تسأل فلسفيًا فى لوحاتها عن المعضلة الفلسفية الآزلية ماهو الزمن وكيفية قياسه، هل هو مفهوم مجرد ؟ أم واقع محسوس أم كلاهما معا، هل هو دائرى منغلق، أم خط مستقيم، أم متغير، هل يمكن أن نراه ونحصاره ونخترقه ونتحكم بمتغيراته نمنع آثاره السلبية ونحصد إيجابياته، وإذا قبلنا بقياسته العلمية واحتسابه بأدواته كالسنوات والشهور والساعات والدقائق، أو كمراحل الماضى والحاضر والمستقبل فهل كل هذا يعبر عما تسكنه أرواحنا .

 

 

 

الفيل والفراشة بين الأسطورة والرمز 

ما العمل الفنى إلا حلم أبطاله من البشر ومن كائنات لها دلالات، فيحاول الفنان التشكيلى أن يترجم حلمه مع احتفاظه بالحالة السيريالية التي رأها خيالًا، فيأتى التكوين بعناصر يتعذر لقاءهما فى الواقع فيصبح مسطح اللوحة هو مسكنهم الجديد، الكائن الموقر "الفيل" قطعة الشطرنج الخيالية الذي يتحرك أفقيًا ورأسيًا على مربعات هندسية، له رمزية الوادعة والحكمة والامل، وأحد رموز الميثولوجيا والاساطير الرومانية، حيث الاعتقاد أن الفيل حيوان متدين يعبد الشمس، لأنه اعتاد ثنى ركبته، الفنانة التشكيلية "دينا مدكور"، المميزة بأعمالها ذات الطابع السيريالى وتقنيتها المحكمة وتكويناتها البنائية والارتكاز الهندسى ، شاركت بلوحتين اختارت " الفيل" أن يكون بطلًا إحدى لوحاتها يجلس على شنط سفر، ربما استعداد للسفر وربما عائد من السفر، إلا أنه فى كلتا الحالات حملته تصورات خيالية.

 

للفراشة سيرة ساحرة ورسائل للروح، رغم أن عمرها قصير لا يتجاوز 40 يومًا لها حضور قوى فى الأساطير الإغريقية كانوا يعتقدون أن الروح تخرج من الجسد على شكل فراشة، وترمز الفراشة الى المرأة وأجنحتها فى العديد من الاساطير، تتبدل فى أشكالها حتى تصل الى شكلها المعتاد، وهذا التبدل ما جعل من ضمن صفاتها التحول والتغير، من كل هذه المعانى السابقة وجدت الفنانة التشكيلية "رانيا الحكيم" فى الفراشة فلسفة ومعنى وتقاربًا بين ما مرت به "الحكيم" من تحولات وغربة، بين تحولات الفراشة من شرنقة إلى أن تصل لشكل جميل مبهج، فأصبحت الفراشة شريكة إبداعاتها، فقدمت فى لوحاتها عدة مشاهد تعبيرا عن حالة تشبه "حدائق الفراش" ، فى إحدى لوحاتها مجموعة فراشات يحوم حولها كائنات قاسية الملمح وعنيفة الصفة، إلا أنها لا تفقد سحرها وتظل محافظة على تألقها وجماليتها مظهرها .