الخميس 15 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

البعث الفني المعاصر في معرض "لقاء" للفنان محمد صبري

بالتأكيد هذا العنوان "البعث الفني المعاصر"، يجعلك تتساءل، ما هى علاقة عقيدة البعث عند المصري القديم بالفن المعاصر، وما علاقتها بمعرض "لقاء" للفنان التشكيلي والنحات الدكتور محمد صبري.



مفهوم "البعث" عند المصري القديم، نبع من إيمانهم أن الحياة رحلة قصيرة مهما طالت، وأن هناك حياة أخرى بعد الموت، ولأنهم رفضوا موت الروح فقاموا بتحنيط الموتى لحين عودة الروح والبعث من جديد، وهذه العقيدة شكلت جوهر فنون الحضارة المصرية القديمة.

وبمقاربة فلسفية افتراضية فى عصرنا الحالى، وبسبب جائحة "كورونا"، عاش جميع البشر فى العالم فى عزلة، عزلة عن مفردات الحياة، وعزلة عن أقرب المقربين منا، وأصبحت أيامنا مجرد دفتر ذكريات وصور بلا نبضات قلب،  منا أحياء شكلا بلا مضمون، ومنا من يعيش فى ثياب الموتى متعطشًا لونس البشر، وافتقادنا معالم وملامح الإنسانية.

فطرحت أسئلة مشابهة لما طرحه المصري القديم عن رحلة الحياة والموت، ومتى تبعث فينا الروح، والسؤال اليومى المتكرر متى تعود الروح الى ملامحنا وأجسادنا المحنطة، لذا اختيار الفنان لمعرضه عنوان "لقاء" فهو إشارة أمل للقاء المرتقب مع الاهل والأصدقاء والأحباب بدون محازير، ورغبة وأمنية مستقبلية سوف تحقق يومًا ما.

لقاء على ضفاف النهر الخالد

لم يتوقف الفنان محمد صبرى تلك الحكاء التشكيلى عند البعث كفكرة بل حققها فنيًا تصويريًا ونحتيًا، بمعرضه" لقاء" عرض 18 لوحة تصويرية، تشعر مقدار عشقه  وشغفه بمعطيات الحضارة المصرية، وإدراكه بأهمية وضرورة التواصل والإبحار فى نهر الحضارة، تلك النهر الذي لا يجف ولا ينتقص، بل مازال يتدفق لمن أحتمى به فقط، وأكد هذا العشق على مدار مسيرته الفنية التي قدمها بالعديد من المعارض، من خلال فتح آفاق جدلية مع جوهر الحضارة، وارتكز الجدل على التحاور التشكيلي والنحتي بلغة بصرية معاصرة.

بقاعة العرض انجذبت لشخصيات المرسمة باللوحات وكأنى أعرفهم والتقيت بهم من قبل، حالة من الألفة كنت افتقدها منذ زمن، هم وجوه مصرية مبتسمة ومعطرة بالتفاؤل، مع وجود سمة حزن طفيف على ما يبدو أنه حزن عام العزلة وقسوتها مازال عالقًا بالأعين.   

أثناء جولتى سمعت أصواتًا للآت موسيقية وإيقاعات، فسرت أبحث عن مصدر الموسيقى الى أن وصلت الى اللوحة الرئيسة التي اختارها الفنان" صبرى " لبوستر العرض، فى منتصف اللوحة شجرة غنائية يعلوها العازفين بالآت البوق والناى فى وضع رأسى تتطلع الى السماء، وأحفاد الطبيعية من الطيور والزهور وفروع الاشجار تغرد وتشدو أحتفالا ، وعلى يمين الشجرة تجلس سبع فتيات جميلات وعلى يسار الشجرة يجلس سبع شباب وفتيات، جالسون على شكل مصفوفة منتظمة وبناء فنى أفقى يوازي خط الأرض.

العدد متوازٍ كلاهما ينظر إلى الآخر، وكأنه لقاء الأحباب بعد غياب، وأجسادهم ملونة بلون "النهر" الازرق الصافى، بعد أن نفضوا غبار التحنيط الذي قيد وسجن أرواحهم عامًا كاملًا، حقا ما أجمل أن يكون اللقاء المرتقب على ضفاف النهر، فهو كاتم الأسرار والمدون الأول لذكريات رواده.

حضور طاغٍ للخط المنحوت

 نعلم أن الخط قد يحدد العناصر وأغلب المصورين يجتهد فى محو الخط واستبداله بمساحة اللون، المصري القديم قدم ابداعاته الفنية بالارتكاز على الخط ومنحه السيادة البصرية ، فصار الفنان محمد صبرى على نفس الدرب، إلا أنه قدم معالجات وحلول لتنويعات الخط وجعل للخط قيمة جمالية، ومنحة كافة حقوقه فى الحركة والتنقل بين العناصر والمساحات ويصعب بل من المستحيل أن تلغى خطاً لانه وبلغة المصري المصري أصبح له قدسية معاصرة فى أعماله، ويعد من أول العناصر التي بعث روحها من جديد.

فوجدنا فى لوحاته خطوطًا رشيقة مرنة تشبه خيوط الحرير، يقابلها خطوط قوية حادة توحى أن العناصر انبثقت من كتلة صلبة، ويظهر تأثر النحت على أعماله التصويرية، تحتار فى حسم التصنيف هل هى رسوم جدارية يجادل بها جداريات المعابد الفرعونية، أم رسم منحوت، أم نحت مرسوم.

بعض المعالجات والصياغات الفنية للعنصر البشرى فى لوحاته تقترب من المدرسة التكعيبية والهندسية، وفى بناء اللوحة اختص المصفوفة والترصيع (الأفقى والرأسى)، وأقرب إلى نصوص التدوين فى الكتابات التصويرية للمصري القديم، والبعض الآخر من المعالجات يضفى عليه التعبيرية حيث المبالغة والاستطالة لتأكيد على عظمة وكبرياء الإنسان بصفة عامة.

من جانب وضعية العنصر البشرى فى لوحاته تتلاقى مع وضعية المصري القديم لشخصيات، مع الفارق الكبير فى الحلول التشريحية للفنان محمد صبرى، نجد أن الكتفان من الأمام وباقي تفاصيل الوجه فى الوضع الجانبي، كالأذن والفم والذقن، والذراعين والاطراف والاصابع بحالة من التبيسط  البليغ العميق، والساقان والقدمان مبالغة فى الاطوال لتتسق مع مضمون العمل، ويلون العنصر البشرى بدرجة لونية واحدة زاهدًا فى استخدام مجموعات لونية عديدة، كما استغنى عن  الظل والنور، بعض اللوحات سيطر اللون الازرق، والأحمر، والبرتقالى، كلها ألوان معبرة عن العاطفة ونابعة من الشمس وحرارتها.

إحياء ذاكرة الرمز

باللوحات التصويرية والمنحوتات، الفنان رموز من الحضارة المصرية القديمة، التي قام الفنان باستدعها من أجل إحياء ذاكرة الرمز، ولم يكن استدعاء الرمز بنفس الشكل المطابق لمعالجة المصري القديم، بل قام الفنان بالعديد من العمليات الفنية والفكرية من تحوير وتلخيص واختزال وتبيسط ومبالغة وخذف واضافة، أصبح الرمز حديث المولد، ولكن رغم خروج الرمز من بيئته الأصلية الذي خلق فيها، وإضافة متغيرات الصياغة، ووضعية الرمز فى نسق فنى معاصر وتكوينات جديدة، إلا أن المعنى العقائدى للرمز ظل متواجدًا ضمنيًا، فقد صنع الفنان من رموز المصري القديم لغة معاصرة ، ورغم وجود السمك كرمز إلا أن الثور "أبيس" تصدر كل الأعمال المعروضة.

"أبيس"  يعود إلى رفقائه

فى القرى نشأ نوع من الألفة والارتباط بين الانسان والحيوان كتقليد متوارث، ليس ارتباطًا عاطفيًا بل معايشة وحياة يومية، وأيضًا المصري القديم منح بعض الحيوانات القداسة والاهتمام والتبجيل، نظرًا لما تقدمه له من عطاء، لم يقدس المصري القديم الحيوان بل اعتبره وسيطًا بينه وبين الإله.

الفنان "صبري" يدرك قيمة العنصر الحيوانى وحقه فى الحياة بالعودة للقاء رفقائه من البشر، ففى لوحاته التصويرية ومنحوتاته وجدنا الآلهة "أبيس" في سياق معاصر وجديد بفعل متغيرات إبداعية من الفنان محمد صبرى، حيث تجسد "أبيس" كرمز وعنصر جوهرى ، فى التصوير منح "أبيس" الحياة والدفء وجعل الرفقاء يتزاحموا ليفوز بمصاحبته ، كما أضفى عليه البهجة البصرية فى استبدال لونه الاسود المعتاد فى المصري القديم، "أبيس" صورًا على هيئة "ثور" مقدس، وأحد أهم الرموز في الميثولوجيا والاساطير المصرية القديمة.

أما "أبيس" فى المنحوتات فكتلة صلبة متماسكة ليس بها فراغات، فهو وضعية رشاقة وهدوء وكبرياء ووقار وثباتت وملامح مختزلة، قدم بالمعرض ثمانية تماثيل من خامة البازلت، وتمثال من الجرانيت، واثنين من الحديد، وتمثال من البرونز، وتمثال حديد استانلس، إن كنا فى السطور السابقة ذكرنا أن الفنان محمد صبرى يستدعى المصري القديم بلغة معاصرة، ولكنه كنحات نقول إن المصري القديم هو من استدعاه ليكمل مسيرته، مخطى من يظن أن الحضارة انتهت وتوقفت  من 7000 عام، وباعتباره أحد الأمناء المخلصين للحضارة يكمل مسيرة فن النحت.