الخميس 15 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الباقيات الصالحات

الباقيات الصالحات

كل شيء زائل، إلا الباقيات الصالحات، فما الحياة الدنيا، إلا مزرعة للحياة الآخرة، محطة نعبر منها دار الفناء، إلى دار البقاء، التي ينعم فيها الصادقون الصالحون، الذين وقر في قلوبهم الإيمان وصدقه العمل.



 

كثيرون هم في الحياة الدنيا، الذين أتاهم الله العمل، ورزقهم القلوب النقية الطاهرة، العطوفة، الرحيمة، لكن قليلًا منهم من أنعم الله عليه، بقدرة إنجاز عمل مؤسسي، يخدم البسطاء الفقراء، يرعى المسنين، ويخفف آلام المرضى ويُطعم المسكين.

 

هذا المقال عزمت على كتابته، وهي في حياتها، فور علمي بأنها في وعكة صحية ألزمتها العناية المركزة، ولكن همومًا وضغوطًا يومية، أقلها العمل، وأعظمها عبء مشروع علاج الصحفيين وأسرهم، في ظل جائحة كورونا، تلك التي جعلتنا على مدار الساعة نهرول لدعم من يستغيث، حفظًا لأمانة المسؤولية.

 

هو مقال شرعت في كتابته، منذ أيام، وقطع استرسالي استغاثة زميل لإنقاذ آخر تعرض لحادث، فانصرفت للاتصالات والمتابعة، فما أحوجنا لأن ندعم العظماء في حياتهم ومرضهم حتى بالكلمة، ما أحوجنا لأن نقول لهم في حياتهم، بعضًا مما تذكرنا به وفاتهم، بعد أن يكونوا رحلوا إلى دار البقاء كعادتنا.

 

مناسبة ذلك الحديث، هي رحيل العالمة الجليلة الدكتورة عبلة الكحلاوي، تلك الصالحة البشوشة، المؤمنة الداعية إلى الله، العاملة بما تدعو وما تقول.

 

عرفت الدكتورة عبلة الكحلاوي، عبر شاشات الفضائيات، وجدتها وسطية الفكر، بشوشة الوجه، داعية إلى الله بالموعظة الحسنة، تحث على الخير، وبر الوالدين، والرحمة والتكافل، والعطف على اليتيم، تُبسِّط مبادئ وتعاليم الدين.

 

ظاهرها بثوبها الأبيض، يتوافق مع باطنها، فما حب الناس لها إلا من حب الله، هكذا نحتسبها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض..» صدق رسول الله.

 

ثم سمعت عن برها وخيرها، ممن عرفوها عن قرب، واقتربت أكثر عندما حاولت مساعدة حالة بلا مأوى لإيجاد مكان في دار مسنين، فطرقت باب الدكتورة عبلة الكحلاوي، وهو باب خير من أبواب كثيرة، فوجدته مفتوحًا يرحب بالمساعدة، ذهبت إلى دار رعاية مرضى الزهايمر، التابعة لجمعية "الباقيات الصالحات" بالمقطم فوجدت ما يشرح الصدر.

 

وجدت مؤسسة خير، تحوي دار مسنين من مرضى الزهايمر، يرعاهم فريق قمة في الأخلاق، رعاية كاملة، من لا يملك نفقات تتحمل الدار نفقات إقامته ورعايته كاملة.

 

وجدت في حديقة الجناح الآخر أطفالًا، يلعبون تحت رعاية أمهاتهم وذويهم والعاملين بالمكان، هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثلاث سنوات والثماني سنوات، جميعهم حليقو الرأس، إنهم أطفال يقاتلون مرض السرطان، فما قصة تواجدهم في هذا المكان؟

 

هؤلاء الأطفال مرضى سرطان، يأتون للعلاج من ريف وصعيد مصر، يتلقون جلسات في المعهد القومي للأورام ومستشفى سرطان الأطفال ٥٧٣٥٧، وتخفيفًا عليهم، فمنهم من يأتي وينتظر دوره لأيام أو بين كل جلسة وأخرى أسبوع أو أكثر، فيضطر للسفر ذهابًا وإيابًا أو تكبد نفقات إيجار سكن، فرأت العالمة الجليلة، الأم الحنونة الرحيمة عبلة الكحلاوي، رحمها الله، أن توفر لهم مكان استضافة مجانًا.

 

لا تستضيفهم فقط، بل توفر لهم سيارات، تنقلهم من مكان الاستضافة إلى الجهة الطبية وإعادتهم، فما أحوج المريض للراحة والدعم، وإلى جوار ذلك عيادات للكشف المجاني، أو برسوم بسيطة للقادرين، تقدم خدمة طبية لمن يطلبها.

 

ما أروعها تلك التي تقول وتفعل، من وقر في قلبها الإيمان وصدقه العمل، عالمة تقدم الخير بالكلمة والعمل، تؤمن بربها ووطنها، لم تتاجر يومًا بدينها سياسيًا، لم تتربح من علمها، فقد علمت أنها كانت تحول أجر عقد برنامجها التليفزيوني "الباقيات الصالحات"، لحساب دعم مشروعاتها الخيرية، بجمعيتها "الباقيات الصالحات"، التي أسستها لخدمة الأيتام والمسنين والمرضى.

 

لم تكن عالمة ترسخ وسطية الدين، تقدم الخير لوطنها ومجتمعها فقط، بل لأمتها العربية والإسلامية، فهي أستاذة جامعية درّست العلم لفتيات الأزهر، وفتيات المملكة العربية السعودية، وبرامجها تنشر العلم في ربوع العالم.

 

لم تكن عالمة وفاعلة للخير فقط، بل هي نموذج لزوجة الشهيد، التي كافحت لتقدم للوطن أبناء صالحين، تولت مهمة تربيتهم بعد استشهاد زوجها لواء مهندس ياسين بسيوني في حرب أكتوبر عام 1973م.

 

هي أم مصرية صالحة، وزوجة وفية، وعالمة جليلة، وفاعلة خير، علمت أن الحياة ما هي إلا مزرعة للآخرة، فزرعت الباقيات الصالحات لتثمر الخير في حياتها، وبعد انتقالها لدار البقاء.

 

لعل كل من يملك علمًا يعمل به، لا يتاجر به، وكل من يملك مالًا، يزرع بعضه باقيات صالحات، لخدمة وطنه ومجتمعه، كما فعلت، رحمها الله.

 

«ألا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».. صدق الله العظيم.

 

نسأل الله للدكتورة عبلة الكحلاوي الرحمة والمغفرة وجنات النعيم، لقاء خيرها وما تركته من باقيات صالحات، ولبناتها الدكتورة مروة ياسين، ورودينا وهايدي، وأسرتها وذويها ومحبيها، الصبر والسلوان.