الخميس 13 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
سوق المتعة.. أمنية «وحيد» المجمدة

سوق المتعة.. أمنية «وحيد» المجمدة

فى كتالوج الكاتب الراحل وحيد حامد السينمائي (42) فيلمًا، هى فى الحقيقة (42) مقالًا سينمائيًا لموضوعات وقضايا وأزمات تنبأ بها وحذر منها فى المجتمع، والواقع الذي تأمله بعيون «مفكر» مهموم برسالة السينما ودورها وتأثيرها فى مسرح الحياة، فوحيد حامد ليس مجرد كاتب أو مؤلف عادي، بل مفكر سينمائي فذ له أبحاث وآراء ونظريات ووجهات نظر على الشاشة. فقد كان لا يكتب بمنطق ما يطلبه السينمائيون، بل ما يريد أن يقوله أو يراه فى كهفه المطل على ضفاف النيل ودلتا الوطن وترابه النبيل.



 

فى روزاليوسف وطن المبدعين، وبيته ككاتب، وموطنه كمفكر تنويرى، والذي يفتخر بها، محطة أخيرة شاء القدر أن تكون فى صورة آخر حوارين طويلين له، الأول مع رئيس التحرير أحمد الطاهرى، والثانى مع الكاتب طارق الشناوى، وفى الحوار الأول تحدث عن عشقه لتراب مصر التي فى خاطره وفى دمه، وشرح فيه فلسفته وإيمانه بدور الدولة فى بناء مصر الجديدة ومكافحة إرهاب وزيف الجماعة المتأسلمة، فى الحوار الثانى تحدث عن تاريخه السينمائى ومسيرته الإبداعية الطويلة بجراءة ووضوح.

 

وهنا أتوقف عند أحد أهم أفلامه التي تمثل جزءًا من نسيجه الفكرى. وحيد بشجاعة وكبرياء تحدث عن فيلم - وضع تحته خطًا - بعد عرضه منذ 20 عامًا رغم نجاحه تجاريًا وتسببه فى تدشين حفلات منتصف الليل، ولم تكن معمولًا بها من قبل بسبب التزاحم عليه جماهيريًا، لكنه ما زال مُصرًا بأنه غير راضٍ عنه، وتمنى أن يعاد إنتاجه بالرؤية الفلسفية التي وضعها وهو فيلم «سوق المتعة»، الذي قام ببطولته محمود عبدالعزيز، وإلهام شاهين، والفيلم من إخراج صديقه المبدع الراحل سمير سيف، وهو من أكثر المخرجين الذي عمل معه (9أفلام)، (6) منها قبل هذا الفيلم، وفيلمان بعده منهما (معالى الوزير)، فضلًا عن مسلسلين هما (آوان الورد والدم والنار) والأول فيهما خلق جدلاً واسعًا، وهذا التطبيع الفنى هو أبلغ رد، فإن اعتراف «وحيد» بالحق لم ولن يفسد للود قضية، ولا يُقلل فى الوقت من قيمة ومكانة د.سمير سيف، وهذا المعنى أكده الراحل العظيم بنفسه.

 

وحيد قال فى حواره مع الكاتب طارق الشناوى بالحرف الواحد: العيب لم يكن فى المخرج، وإنما فى الإنتاج، وأنا للأسف كنت منتجًا منفذًا له، لكن عندما تعيد إخراجه بتقنية حديثة الموضوع سيختلف، سيحتاج الأمر لميزانية ضخمة تتوافق مع الطموح، وأيضًا الخيال الذي كتبه على الورق.

 

إنها فضيلة الاعتراف بالخطأ - رغم أنه ليس مسؤولًا عنه - تضاف إلى فضائله ودوره فى الأرشيف السينمائى، والمرة الأولى فى تاريخ السينما أن يطالب مبدع بإعادة إنتاج فيلمه لأنه لم يحقق الرؤية الصحيحة والهدف المنشود والرسالة الحقيقية، ولم يتخل «وحيد» عن طلبه سواء بعد عرض الفيلم أو فى حواره الأخير بروزاليوسف، أو فى ندوة تكريمه. فهل يحقق ابنه المخرج الواعد مراون حامد هذا الحلم؟ والإجابة: نعم، بمقدور «مروان» ذلك باعتباره الأقرب لنسيجه الفكرى ونسقه الفلسفى.

 

فيلم «سوق المتعة» تدور أحداثه حول شخصية «أحمد حبيب» (محمودعبدالعزيز) الذي دخل السجن لمدة 20 عامًا ظلمًا، وكان كبش فداء ﻹحدى العصابات التي قررت تعويضه بـ 6 ملايين جنيه بعد خروجه، لكنه لم يستطع التأقلم مع وضعه الجديد، فيقيم سجنًا بأمواله لينفق منها على كل من شارك فى سجنه وتعذيبه، ويطلب منهم أن يبقوه فى السجن بمحض إرادته.

 

الفيلم يحمل فكرة أقرب شبهًا أو توازى بمنظور مختلف أسطورة الكهف الأفلاطونى والإنسان الذي يعيش على خيالات ويظن أنها الحقيقة، وبعد الخروج من الكهف لا يقوى على مواجهة شمس الحقيقة، أو على مستوى الواقع قضية التعويض والوصول إلى الحقيقة بعد فوات الأوان، وقد اتهمه البعض بأنه فيلم مقاولات، ولتحريك العزائز، وهو هدف ليس هو مراده وتهمة برىء منها، ومتعة لا يريدها، ويشهد بهذا كتالوجه السينمائى الذي رفع رايات التنوير والإبداع ومضادات الظلم والقهر والفساد والإرهاب.  

 

من مجلة روزاليوسف