الأربعاء 20 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

إبراهيم العشماوي يكتب : ســـــــــاعة غـــــــــــروب

ساعه غروب
ساعه غروب

تتهاوى الشمس ببطء هنالك خلف الأشجار والأسوار البالية ، يميل شفقها الأحمر وقرصها المستدير مستلقيا برفق في فناء ليل يحتوي بخيمته السمراء ما تبقى من حبيبات الضوء الخافت ، بينما الأغنام العائدة من منابت الخضرة في الحقول تعاود أدراجها بعاصفة هوجاء تنشر الأتربة في الأفق وكأنها مقدمة لفيلق من الغزاة  .. بعض السيدات يجمعن على عجل طيورهن المنزلية المتسكعة في الشوارع طوال النهار قبل أن تهيم في ردهات الظلام . 



هل رحل كل هؤلاء الذين أعرفهم إلى العالم الآخر ؟ .. لم يكن مجرد إستفهام طرحته على نفسي وأنا أطوف ببصري فوق لافتات المقابر في " جبانة " قريتي أثناء ترددي على سكان هذه الديار العامرة بعد غياب طويل ..

 

يرسم غبار الزمن خيوطه على المقابر ويغيب لمعان جدرانها المائلة للصفرة والسواد ، وتجدب أعواد الصبار الذابلة فيها حتى أصبحت حطبا جافا مرصوصا في أواني مكسورة متباعدة فوق العتبات والنواصي .. يقتات الصبار بعض قطرات الماء مما يجود به الزوار ويعيش على كثير من الدموع الهاطلة من عيون الفاقدين والثكالى ..

 

أسماء العائلات منقوشة بأقلام الرسم أو محفورة فوق لوحات رخام على جدران تتباين في الإرتفاعات ما بين طابق إلى ثلاثة طوابق .. بعضها تآكلت حوائطها وإستعمرتها الرطوبة والحشرات وغزتها جيوش النمل الجرارة ، والبعض الآخر مغلف بالسيراميك والرخام .. تتزاحم الأسماء في حارات الجبانة وتتشكل شوارعها كما في واقع الحياة تقريبا .. فالأخوة وأبناء العمومة والجيران في الدنيا يتراصون أيضا بالمقابر وكأنهم إتفقوا على أن يكونوا معا في الدارين وتعاهدوا على الحياة والموت سويا.. ينحدر سكان القرية من عائلات قليلة أغلبها مهاجر من مناطق بعيدة قبل مائتي عام تقريبا وبفعل التزاوج والمصاهرة تكاثرت الأسر وتناسلت الأجيال وأصبح لكل منها مقابره الخاصة ، جزء للنساء وآخر للرجال .. يتم دفن السيدات في مقابر أزواجهن ، كما يتم تخصيص بعض عيون " الصدقة " لمن لا يملكون مقابر وعابري السبيل .. 

 

تشدني الذاكرة السحيقة إلى الطفولة حيث تناثرت المقابر بين الزراعات بعيدا عن الكتلة السكنية بعد أن جرى نقل رفات الموتى من أسفل أحد مساجد القرية إليها .. يعتبر الإقتراب من الجبانة ضرب من المغامرة للصغار الذين يتملكهم الخوف عقب سماع قصص وحكايات الجن ، إنها تنتظرهم بعيون مليئة بالشرر لتأكلهم أو تخطفهم إلى حيث لا يرجعون .. تنساب الذكريات المحفورة في الأعماق ، بينما يصك عيناي زحف العمران وتوحش الحجارة والأسمنت وعصبية البشر وملامحهم القاسية الغاضبة التي تنطق تململا وقلقا .. الأطفال حفاة عراة في أغلبهم مشغولون بالانطلاق في الهواء ، والمواشى على ندرتها تقبع في حظائر مطلة على الجبانة تفتح أفواهها وتغلقها بطريقة ميكانيكية منتظمة وتخرج منها رغوة كثيفة  .. يضيق الموتى بالأحياء وصراخهم وشكواهم .. يؤذيهم ضجيج البيوت وخلافات المتزوجين ، ولا تؤنسهم سوى زيارات الخميس المعتادة لقراءة الفاتحة ، أو عند دفن ميت حيث يتسلل المشيعون إلى مقابرهم يلقون السلام سريعا على ذويهم ويطلقون الأدعية ثم يمضون . 

 

وقفت على مقربة من مدخل المقابر وقرأت الفاتحة للسابقين وهمست إليهم بأنني سأحل ضيفا عليهم في وقت ما، لكني تمنيت أن يخبروني عن حالهم .. يتصدر الواجهة  قبر أعلاه قبة خضراء لأحد الأولياء أصحاب الكرامات .. قريتي بها قليل من الأولياء وتعج بكثير من مدعي الصلاح ومتصنعي التقوى والبر والإحسان وأهلها في الأعم عرفوا في الأزمنة الغابرة بالطيبة والكرم والنخوة كصفات فلاحي مصر..  يتداول الأهالي كرامات لبعض الأولياء ترقى إلى حد الأساطير ، منها مثلا أن أحدهم عبر البحر واقفا فوق منديل طرحه على صفحة الماء عندما هاجمه لصوص ، وكان أكثر ما يشدني إستحضار تلك الطقوس المقدسة التي ترافق موت أحد الأولياء أو بعض أبنائهم ، فالأعلام الكبيرة للطرق الصوفية ترفرف والهتافات والذكر يتردد في جنبات النعش ويتجمع الأهالي في الشوارع ، ويتعجل الفلاحون العودة من الحقول بينما تتسلل النساء فوق السطوح ويركض الأطفال خلف الموكب لمتابعة هذا اليوم المشهود الذي يتوقع الناس فيه أن يطير الميت بنعشه محلقا فوق الرؤوس .. حكايات الأجداد تقول أنه يتحرك مرة إلى ناحية اليسار حيث منزل شقيقته فيطلق المشيعون تكبيرات ويرددون أنه يسلم عليها ويودعها .. وتارة أخرى يهرول الكفن إلى ناحية اليمين حيث عمته تقيم في نهاية الشارع  ..  في الحقيقة لم يطر أي نعش ولم تصدق هذه الأكذوبة التي إنتهت يوم قرر بعض شباب القرية الذين تلقوا قسطا من التعليم الحديث وتعهدوا بمحاربة الخرافات أن يمسكوا بزمام الأمور.. في تلك المرة رفض الشباب التخلي عن النعش فسار بهدوء دون أن ينتفض أو يثور أو تظهر له أجنحة سحرية .. وإتضح أن بعض المريدين وخدام المقام يرتبون هذه المشاهد المثيرة بدقة ويتخفون أسفل النعش عن قصد في حركات متشنجة ومفاجئة لإيهام العامة ببركات المتوفي وتقواه ومرتبته في الرفعة والقبول .. يحادث أحد المشيعين الميت بصوت عال ويرجوه ألا يتوقف في الطريق ويربت فوق ظهر النعش راجيا متشفعا أن ينصت الولي إلى كلامه ، بينما يطغى صوت الطبول والمزامير وزغاريد النساء وأحيانا دموعهن على المشهد المؤثر المفعم بالمهابة والخشوع .

 

للعارفين بالله في قرية " كفر السعادة " والتي كان لها قديما من إسمها نصيب مقامات ومساجد وموالد يجري إحياؤها كل سنة .. في أسبوع المولد تنقلب الحياة رأسا على عقب ، ويأتي الطائفون والذاكرون من مختلف العزب والنجوع القريبة والبعيدة بأعلامهم المميزة يجوبون الأنحاء وكأنهم فاتحون أبطال وسط إحترام وتبجيل من كل أهل القرية مع أن بعضهم يدخن الشيشة والحشيشة بجوار سور المسجد ولا يدخلونه وقت صلاة الفروض.. تنعقد حلقات الذكر حول المسجد والخيام والأسواق المؤقتة خصيصا لأجل زفة المولد وتنطلق عصرا ثم تمر بحارات القرية في شكل دائري .. شباب الفلاحين يتسابقون في تنفيذ برامج مضحكة ومسلية للمتفرجين ويستنسخون مشاهد تعبر عن حياتهم الريفية وفنون الزراعة والحصاد .. يضع أحدهم ماسورة طويلة لماكينة الري على مقطورة خلف جرار ثم يخرج منها الدخان ويصوبها نحو السيدات والأطفال أعلى المنازل وكأنها صاروخ يقذف حمما عليهم .. يتميز أحدهم في وضع القطط داخل قفص على حماره ويدلل عليها وكأنها كتاكيت صغيرة ، أما الفقرة المميزة فكانت لشاب يرسم على وجهه بالطين ويحضر جاموستين ومحراث في الشارع يرافقه شاب آخر يلبس زي فتاة يعاقبها بالسوط وسط ضحكات من القلب للمتفرجين . فقرة النار مرعبة هي الأخرى ، ويقوم بها شاب يحيط بجسمه فتيل مشتعل من كل مكان ، وآخر يهبط بجسده كله على مسامير مثبتة بقاعدة خشبية . تدهش فقرة الحاوي الجميع بخفة يده ورشاقة حركته وتسليم الأهالي البسطاء بقدراته الفذة .. في هذه الأجواء الحماسية توزع سيدات القرية وفتياتها بملابسهن الغامقة وأغطية الرأس السوداء الماء بالورد في قلل الفخار على المشاركين في الزفة والضيوف ، أما المشهد المهيب فهو ظهور الخليفة وهو أحد أحفاد الولي ممتطيا صهوة جواد أبيض ملفوفا بعلم لا يظهر وجهه تحيط به الزغاريد والدعوات والهتافات وتنضح منه العطور الفواحة .. تقترب الزفة من نهايتها السعيدة ويتزاحم أهل القرية الذين يعدون الولائم الضخمة لإطعام الضيوف وهي عادة لا يتكاسل عنها أحد مهما كانت أحواله المادية .. عقب صلاة العشاء نترقب وصول الشيخ الذي سوف يحيي الليلة الكبيرة بسيارته الفارهة مع فرقته الموسيقية ويطلق عليه "الصييت ".. وقرب المسجد يتحلق الباعة في صفوف متراصة ، لكن ما يلفت الإنتباه رجل معه عربة صغيرة فوقها آلة تلف بالأرقام عرفنا فيما بعد أنها " قمار"  يوهمنا بأننا سنكسب ويغرينا في البداية ثم ينظف جيوب الصغار جميعا بدهائه وأحيانا تنتهي حكايته بإشتباك مع الأهالي لإعادة القروش المنهوبة للصبية ..

 

تبدأ حفلة الليلة الكبيرة فتصمت القرية وكأنها في معبد أو محراب .. يبدأ "الصييت برنامجه بمدائح نبوية وأناشيد دينية لتهيئة الآذان إلى قصته الدرامية الجذابة والتي غالبا ما تشهد خيانة زوجية أو أمراض خطيرة ومعجزات وتمتزج فيها عظات عن القناعة بالرضا والصبر .. مع إقتراب الفجر ينتهي كل شيء ولا يبقى في موضع الحفل سوى بقايا الطعام وقوالح الذرة المشوى وأطفال يبحثون في التراب عن نقود فضة ربما تكون سقطت من الباعة أثناء الزحام . تصحو القرية كلها في اليوم التالي على أصوات أجهزة التسجيل التي جلبها عمال الزراعة من العراق وهي تشدو بقصة الأمس المشوقة وأداء الشيخ المبدع .  تذكرت كل ذلك وأنا أسير الهوينى بأرض المقابر مرددا مقولة أبي العلاء المعري : خفف الوطء ما أظن أدــــــــــــــــــــيم الأرض إلا من هذه الأجساد  الوقوف على المقابر لا يمثل فقط لحظات خشوع رهيبة وعبرة وموعظة ، وإنما فرصة لطرح أسئلة حائرة عن حال الأموات .. هل يتنعمون أو يعذبون ؟ وكيف رأوا منازلهم من الجنة أو النار ؟ .. ذقت مرارة الموت لأول مرة عند وفاة إبن شقيقي الذي لم يكمل عاما وإبتلى بحمى غامضة واريناه التراب في إحدى الحفر المخصصة لدفن الأطفال وظلت صورة الطفل وهم يهيلون التراب على جسده عالقة أياما طويلة في مخيلتي .. أما الحالة الأخرى فكانت وفاة جارتنا الطيبة الرحيمة التي كانت تعطف علينا وتعطينا الخبز الساخن والجبن والحلوى ..

خالتي لطافة ــ كل أمهات القرية خالاتنا ورجالاتها آباء لنا ــ تركت طفلا رضيعا وسبعة من الأشقاء البنات والذكور .. بكيت بغصة حجبت دموعي وتجمعت زفرات في حنجرتي لم أستطع إطلاقها من هول الموقف .. أدهشني زحام الأهالي حول نعشها وبكاء المعددات النادبات في مراسم الدفن والوداع بوصلات جنائزية ذات ألحان موسيقية مصحوبة باللطم وشق الجيوب لها وقع شديد يخلع القلب ويدمي النفس.. يزداد النشيج واللوعة في حال كان الميت شهيدا حيث خاض عشرات الشباب مختلف الحروب مع إسرائيل وسطروا أسماءهم بحروف من نور في سجل الوطنية والخلود ، بعضهم دفن في ميدان الشرف والبعض الآخر لا أنسى مشهد وصولهم إلى القرية في عربات عسكرية بينما يحمل الأهالي مصابيح الكيروسين و" الكلوبات" ومشاعل النار قبيل دخول الكهرباء إنتظارا للموكب وتطلق الشرطة العسكرية 21 طلقة تحية لروح الشهيد .. فيما بعد قدمت القرية إسهامات جليلة في قوافل الشهداء بمواجهة الإرهاب والتصدي للتكفيريين وخوارج العصر .     

 

كل ذلك جال بخاطري وأنا في حضرة الأموات  .. لماذا هذا الهلع الشديد الذي ينتابني وأنا أقرأ نبأ وفاة أحدهم وأظل شارد الذهن وكأنني ألمح ملك الموت ساخرا يتفحصني في كل مرة يذهب فيها لقبض روح إنسان ؟ .. هل هو خوف الأتقياء التائبين المتعظين ؟ أم قلق الراغبين في الحياة الحريصين على نعيمها ومباهجها  ؟ سؤالان لم أفقه إجابتهما إلى الآن .. علاقتنا مع الله قد يحكمها الخوف من النار أكثر من الرجاء في الجنة ، تشغلنا آيات العذاب عن وعود النعيم ونفكر مليا في جهنم التي إحمرت نارها ألف عام ثم إسودت ألف عام أخرى ومنظر خطاطيف وكلاليب النار وعبوس مالك خازنها والجلود الممزقة والمياه التي تغلي تحت الأرجل والشحوم التي تسيل من فرط العذاب وأشجار الزقوم شديدة المرارة التي تهري البطون .. يمزق القلب سيناريو المرور من فوق حافة الصراط الحادة وإحتمال السقوط والكيفية التي سنمر بها والزمن الذي نستغرقه وفرص النجاة والعبور بسلام .. أما أنهار الجنة ونعيمها وقصورها وأطعمتها الشهية المتنوعة وفواكهها الدانية القطوف ، وحالة السلام والبشاشة والإطمئنان التي يكون عليها أهلها ، والرضا الذي يسكنهم والتشوق لرؤية الرب العظيم فهي أماني وأحلام ودعوات لا تنقطع .. يتملكنا قلق شديد من عذاب القبر وأسئلة الملكين وبصرنا الحديد الذي يظهر الحقيقة الناصعة وقت الممات ونحن نرى ونسمع ولا نستطيع أن نتكلم .. أتذكر كراسات " عذاب القبر " التي إلتقطتها من سور الأزبكية أثناء دراستي الجامعية بالقاهرة وأظل قلقا طوال الليل من حمم العذاب وإختلاف الأضلع المضغوطة والثعابين الكبيرة التي تتحلق حول الجسد .. لا عجب في ذلك فأنا مثل كل التائهين الذين تشغلهم الدنيا ثم تطاردهم أنفسهم باللوم والتوبيخ والندم .. الصفحة البيضاء في الصغر وملامح البراءة البادية على الوجه جعلتني أبدو مشروع شيخ جليل ، لكني في قرارة نفسي رأيتني إماما للمذنبين وزعيما للغارقين في مستنقع المعاصي .

 

وجدتني أقدم نفسي لأهل القبور وأردد بصوت خفيض .. أنا صالح أبو المكارم رجل خمسيني إشتعل رأسه شيبا في وقت مبكر وإنتفخ جسده من ثقل الأيام وهموم الدهر وربما من قلة الحركة والأطعمة المحفوظة .. أنا إبنكم ونبت أرضكم الذي شيد جبالا من الأحلام في صغره تلاشت وتبخرت .. أغراني شغفي بالكتابة والشعر والأدب أن يكون لي قلم وأن أحمل همومكم وصوتكم إلى علية القوم حتى يعم العدل وينتهي الظلم .. درست الصحافة في إحدى كليات القمة فألفيتني بعدها في القاع بسبب كروت " الواسطة " وكدت أجتر خيبتي في مواجهة سعداء الحظ ممن ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب أو أدخلتهم الحسابات قوس المنافع المتبادلة عند النخب الرفيعة.. تخيلت أن مهنة البحث عن المتاعب ستكون في النهاية صاحبة الجلالة وسلطة الشعب الرابعة في تحقيق العدل والمساواة ولم أكن أعرف أنها مجرد شعارات براقة ونظريات على الورق فحسب.. والنتيجة هروب عاجل إلى فضاء الأرض الواسعة في رحلة طويلة قاسية تعمدت بالعرق والدموع وكثير من المطبات وبعض النجاح .. أنا إبنكم الذي يدفعه الحنين إلى مسقط رأسه وجداول الماء ومرابع طفولة لم يعثر عليها وما يزال في غربة نفسية عميقة وذهول لا ينقطع . ما زلت أجهلني وأعجز عن فهم ما يجري ويسيطر علي روحي وحش قديم إسمه الخوف .   

 

نعم .. الخوف من الأصوات المرتفعة وضجيج الأفراح وصراخ النساء في المآتم ومشاجرات الفلاحين ، وحتى نعيق البوم والغربان في المساء ونقيق الضفادع في الحقول وحفيف الصراصير في أكوام القش ، وأزيز طائرات رش القطن أثناء الهبوط والإقتراب من الأرض .. كل ذلك يزلزل كياني .. صوت البرق والرعد قبيل هطول المطر والأضواء المنبعثة من السماء في صورة وميض أحمر خاطف يشق الفضاء الداكن ويسبق زمجرة السحاب ..  المعلم وهو يحمل عصا غليظة لتأديب التلاميذ والفلاح ومعه فرع صغير من الصفصاف يهش به على المواشي والأغنام والحمير وله فيه مآرب أخرى .. وحتى الكلاب وهي صامتة تخرج لسانها اللاهث قبل أن تتأهب للعدو خلفي وأسابق الريح هربا منها في رحلة مطاردة قاسية وسباق جنوني ربما يكون من نتائجه تمزق الملابس أو الحذاء .. إنني بإختصار شخص مسكون بالخوف السرمدي ، أوثر السلامة مع الكون المحيط ومع كل البشر والأشياء ..

 

في مخزون الطفولة البعيدة عشت ليلة عصيبة وكنت دون السادسة من عمري كلفت فيها بالعودة من الحقول البعيدة منتصف الليل مع الماشية ليتم حلبها في البيت ثم إعادتها في الصباح لتواصل رحلتها في أعمال الري وكانت هذه العملية تستغرق بضعة أيام . في تلك الليلة غاب القمر ونشر الظلام عبابه فحضرت خيالات الذئاب الشرسة والقطط البرية ذات العيون الحادة الملونة .. رأيت حيوانا كبيرا بدت نظراته كرصاصات تخترق حجب السواد.. تخيلت " أم الشعور"  التي تمشط شعرها المنسدل الجميل وهي تجلس فوق سور طيني طويل وتطلب من أحد الأتقياء المتجهين لصلاة الفجر أن يتزوجها فينجح في الإفلات منها بعمله الصالح ، وقد تطأ قدم أحدهم موضعا به عمل سفلي فيلبسه الجان ولا ينقذه منه إلا حجاب أحد المشائخ ، وحكاية طفلة سقطت في بيارة صرف صحي أثناء إحتفالات المولد وتخرج منها جثة هامدة على كتف والدها والنساء يبكينها بحرقة .

 

خزان مياه الشرب " الكولدير " الذي وضعه أحدهم قرب المقابر صدقة جارية على روح والدته المتوفاة من سنوات بات خاليا جافا بسبب تحطم صنابيره وضياع أكوابه.. يكشف الخزان أن نهر الخير بدأ ينضب رويدا رويدا وإن لم يندثر تماما ..  إختفاء طقوس " الرحمة " التي توزع في الخميس الأول بعد وفاة الميت وتشمل مخبوزات وخيارا وبرتقالا وموزا وجرى إستبدالها بظرف صغير به بضعة جنيهات توزع على الفقهاء الذين يتلون سورة ياسين بصوت عال يشاركهم فيها من يحفظها من الأهالي ثم سورة الإخلاص وبعض الأدعية يحرصون فيها على ذكر إسم الميت منتسبا إلى والدته .. غنائم الرحمة في المقابر مبعث سعادة لنا ونحن صغار ، نلهث وراء حاملها راجين بإلحاح أن ينفحنا بواحدة منها .. ما أطيب هذه الرحمة التي صنعت أقراصها من الدقيق واللبن وأحيانا التمر .. ربما لأنها مبروكة ومشفوعة بالأدعية الروحانية أو لأنها تسد جوعنا الشديد بعد ساعات من الجري فوق أسطح المقابر .. على كل حال مذاقها خاص وغريب في فمنا إلى الآن . 

 

تحتشد المقابر بأسماء سيدات وفتيات من القرية أصبحن في دار البقاء .. هذا قبر خالتي نبوية جارتنا التي كنت موفد الأسرة إليها في الصغر لنستعير منها حسب الحاجة منخل الدقيق أو غربال الحبوب أو بعض الأرغفة وأدوات العمل الزراعي .. كل الأشياء قابلة للإعارة وقد تمنح كهبة لا ترد خاصة اللبن عند ولادة الماشية أو مع موسم الحصاد .. يتكاتف الفلاحون عندما يضطر أحدهم إلى ذبح ماشيته لمرضها أو سقوطها في بئر أو تعرضها لحادث ما فيتسابق الجميع على شراء أي جزء منها لتعويض رأسماله أو جزء منه ، عرفت فيما بعد أن صفة التكافل هذه تراجعت كثيرا . 

 

 

يدفعني الشوق دون تردد إلى قبر والدتي التي تربطني بها علاقة روحية خاصة .. أمام قبرها تحتشد أحزاني الكبرى وتتشظى كل إبتسامة على وجهي وأتحول إلى مجرد أشياء مبعثرة على الأرض .. أتأمل رسم القبر وأتخيلها جلست أمامي في ثيابها المشجرة المرصعة بزينة على صدرها وتغطي رأسها بطرحة سوداء تخفي وجها أبيض مشرقا ينبض بحمرة خفيفة وتنظر إلي بعينيها الوديعتين بإبتسامة رضا وإطمئنان ، وكأنها تقول لي أنا في موضع الأمان .. إنه نفس الحلم الذي رأيتها فيه بعد وفاتها بأيام بينما كنت نائما في فراشها وحبست مرارة الحزن دموعي عن الجريان .. جاءت في أبهى إطلالة وقالت لي : لم أمت لماذا تبكي ؟ .. عندها سرت نسمة باردة من السكون في جسدي ترجمها لي أحد المفسرين بأن كل مبطون شهيد وقد توفاها الله بمرض الكبد .. هذه السيدة إمرأة ريفية بسيطة لم تنل أي قسط من التعليم وكل ما أجادته من حروف اللغة رسم إسمها الثلاثي الذي أغناها عن إستعمال الخاتم في التوقيع والبصم ، لكنها مدرسة عريقة في الفهم والذكاء الاجتماعي .. عاشت طفولة منكسرة مغموسة باليتم إذ توفى والدها وهي في بطن أمها ثم لحقت الأم بالأب بسنوات قليلة فإنتقلت إلى كنف جدها ثم عمها وخالتها حتى تزوجت .. لهذا كانت تردد دائما بأن طفولتها رغم مرارتها تشبه الأنبياء .. تزوجت صغيرة وتجرعت شظف العيش والكفاح مع زوجها وهي أم لسبعة أبناء وبنات ومع ذلك قائد محنك ومدير خبير في شؤون الاقتصاد المنزلي فالفلاح لا يتقاضى مرتبا نهاية كل شهر مثل الموظفين ولهذا على زوجته أن تتدبر المصروفات اليومية بنظام المقايضة الذي يقبل سلعا مثل بيض الطيور وما تنتجه الأرض من الفول والبصل والأرز والقمح والسمن والجبن لشراء المواد التموينية المختلفة والإنفاق على التعليم والملبس والعلاج .. رغم مرور سنوات طويلة على غيابها فإن روحها تحلق حولي تغذي أيامي القاحلة بمداد الصبر والأمل .. أشتاق إلى روحها الصافية ودعواتها العذبة ورائحة خبزها الطازج وأنفاسها الدافئة . 

 

 

أما قبر والدي الذي لا يبعد كثيرا عن قبرها فيضم رجلا فريدا بين جنباته ، فلاحا أسمرا ممتشق الجسد قوي البنية منحوتا بمهارة فائقة كأن ملامحه صورة من أحمد عرابي بشاربه المفتول ، لا تعرف الإبتسامة إلى وجهه طريقا .. لا يسرف أبدا في عواطفه تجاه أبنائه غير أن أفعاله كانت تنضح حبا والتزاما وحنانا .. حدثنا ونحن صغار عن والده الذي تزوج ثلاث نساء وسجل أرضه لأحد أبنائه من إمرأة أخرى كان يفضلها على زوجتيه ، وعن عمله باليومية في نظام السخرة " الوسية " و" ترحيلة " الأنفار وسوط المسؤول عن جلب العمال وهو يهوي على ظهورهم أو إشتغاله في أراضي الإقطاعيين بالقرية والذين كانوا يختالون كبرا وغطرسة جعلت أحدهم يطلق الرصاص على فلاح لم ينزل من فوق حماره عندما صادفه الإقطاعي على أحد طرق أرضه الشاسعة .. لقد إعتبر أن الفلاح يتحداه ويتطاول على سيده فحكم عليه بالإعدام فورا دون أن يترك له فرصة للدفاع عن نفسه أو الإعتذار عن فعلته " الشنعاء " ..  حدث ذلك قبل أن تعيد ثورة 23 يوليو 1952 إلى الفلاح المصري بعض كرامته وتنصفه من جلاديه ومستغليه وتعيد إليه بعض أرضه المنهوبة عبر التاريخ ، لكن رياح الإنفتاح والخصخصة والتوجه الرأسمالي خيبت آمال الفلاحين وجرتهم إلى عهود الشقاء مرة أخرى .   والدي " فلاح فرعوني " أرضه مثال واضح على حسن الرعاية وشموخ النبات وزيادة الإنتاجية والنظافة من الحشائش ، يحمل نوتة صغيرة عبارة عن تقويم سنوي لأحد علماء الفلك المحليين فيه مواسم " النوات " السنوية ومواقيت رياح الخماسين والمطر ودورات الزراعة ، ويدون فيه بقلمه الجميل ملاحظات عن " حمل " جاموسته حتى يعرف ميعاد وضعها منتظرا إياها بفانوس صغير أو لمبة جاز عدة ليالي حتى يستقبل العجل الذي كنا نحتفل بقدومه أكثر من شقيق جديد في الأسرة بسبب الخير العميم الذي يرتبط به من اللهو البريء معه وتأمل تقاسيم وجهه البديع ومزاحمته في ثدي أمه عنوة لشرب اللبن ناهيك عن إزدهار حالة البيت الاقتصادية من صناعة الأجبان والسمن وغيرها  .. لا يغيب والدي عن صلاة الفجر في المسجد القريب من البيت فهو ينام في تمام الثامنة مساء ولا يستقبل ضيوفا حتى لو طلبوا إليه مصاهرته في إحدى بناته .. يكره أصوات النساء وجلسات النميمة وقصص الثرثرة التي تحفل بها عادة البيوت ، وعند عودته من الحقل تهرول النساء بسرعة من حيث أتين خشية أن يسمعن منه كلمة تثير الحنق والغضب .. كنت أسمعهن يرددن أثناء الهروب .. جاء الرجل .. جاء الرجل !! هذا الرجل قليل الكلام ليس له أصدقاء في القرية وحتى جلسات السمر التي تنعقد في ساحة الحي وقت العصاري أو في الليل لا يرتادها ولا تستهويه .. إنه رجل عجيب كما يرونه ، فقد كان الوحيد الذي يذهب بالمواشي يوم العيد إلى الحقول ولديه في ذلك فلسفة يدافع عنها بأن عيدها في الهواء الطلق وليس في محبس الحظيرة والبقاء وسط الروث المتراكم .. إنه يشعر بأنه عاطل لو جلس يوما واحدا في البيت دون أن يتفقد زراعته أو يبحث عن خيرات الأرض ملتمسا الرزق حتى في مياه الترع وقنوات الري التي كان يجيد صيد الأسماك منها . أما أنا فقد كنت في كل عيد أنتظر عودته من المسجد وهو يرتدي البالطو الأسمر الطويل ليخرج منه بعض القروش ويدسها في أيدينا .. إنها أجمل وأثمن عيدية لم يكن ينافسه فيها سوى خال لنا كنا نتلهف حضوره يوم العيد في الشارع ومعه أوراقه النقدية الجديدة من فئة خمسة قروش التي يجلبها من البنك ونخشى طيها من فرط جمالها ورائحتها المميزة  .  في مناسبات الأعياد يظفر الأولاد والبنات بالملابس الجديدة المصنوعة من الكستور المقلم يجلب من الجمعيات التعاونية الإستهلاكية بأسعار زهيدة عندما كانت الدولة تعتبر الجماهير عيالها أثناء تطبيق التجربة الإشتراكية قبل أن يدهسهم قطار الرأسمالية الغاشم .. الجلباب وأحيانا البيجامة هما الثياب الرسمي للأطفال وهما مخصصان للنوم والتحركات والزيارات وحضور حلقات تحفيظ القرآن وربما السفر إلى البندر . في تركيبة الأسرة الريفية هناك جدول صباحي من الأب يوزع على الأبناء الذكور لأعمال الحقل وتنظيف حظيرة المواشي وجلب الأعلاف بينما الفتيات لهن أشغال أخرى مثل الطبخ والخبيز وغسل الملابس وتنظيف البيت .. في القرية يتدلل الذكور عند تناول الطعام فهم يسبقون الإناث تعبيرا عن الأدب وتنفيذا لعادات غريبة متوارثة .. في طفولتي كنت أمثل ثروة كبيرة وقت الأجازة الصيفية إذ أتعهد المواشي وأقوم على تربيتها والعناية بها وأسهم في الأعمال الحقلية  .   من لم يتعظ بالموت فليس له من واعظ .. تذكرت هذه الحكمة البليغة بينما كنت أقوم بواجب تشييع أحد أصدقائي وزملاء الدراسة القدامى .. الناس يتحدثون خلف النعش بأصوات مرتفعة في أمور الدنيا يتلفتون يمينا ويسارا ، وضحكات من هنا وهناك وصفقات ومصالح تبرم ولقاءات يتم الإتفاق بشأنها ونميمة وغيبة قد تطال بعض الموجودين أو المتوفي وأهله .. اللقطة الإيجابية التي تخفف الأسى تزاحم الشباب ليحملوا النعش فوق أكتافهم وتناوبهم على ذلك وأيضا تراص المشيعين في طابورين متقابلين عند المقابر لتقديم التعازي لأهل الميت.. في دقائق معدودة يفر الجميع كأن جربا سوف يصيبهم أو خشية أن يدركهم ملك الموت .. تناديهم الدنيا والطعام في إنتظارهم إنهم بقدر حزنهم العميق على الميت ، فرحون بأنهم مازالوا أحياء يرزقون وما يزال في جعبة أيامهم القادمة فرصا لحصاد النعم وإغتراف متاع الدنيا . على حجر خرساني كبير على ناصية شارع بالمقابر جلست أستجمع قوتي متأملا هذا الصمت الرهيب ، لا أحد يتكلم هنا بإستثناء صوت الريح وإحتكاك أفرع الأشجار. ألتقط قارورة ماء وأشرب في حركة بدت كأنها لا إرادية فقد حاولت إثبات أني ما زلت حيا فحلقي أشبه بصحراء جافة قاحلة .  مشيت بهدوء مشوب بالحذر في شوارع المقابر .. ظهر لي رجل عجوز نحيل الجسد محني الظهر تهتز يداه إرتعاشا وعيناه غائرتان إلى الداخل وفمه يخلو من الأسنان  ويتوكأ على عصاه .. إقتربت منه ملقيا عليه التحية ..  ــ السلام عليكم يا عم يوسف ..  ــ وعليكم السلام .. هل تعرفني يا بني ؟  ــ ألست الشيخ يوسف الطيب معلمنا في الكتاب وصاحب الصوت الرخيم في صلاة التراويح ومؤذن الجامع الكبير ..  يرد الشيخ يوسف بهدوء وهو يتفحص بتركيز شديد ملامح وجهي  ..  ــ مين ..  صالح إزيك يا بني أنت رجعت من السفر إمتى ؟  ــ من فترة بسيطة وليتني ما رجعت يا مولانا ، الأمور تبدلت رأسا على عقب والحياة التي تربينا علينا لم تعد موجودة .  ــ ليه بس الدنيا بخير ولابد للطائر أن يعود إلى عشه مهما طال الترحال ، وعلى كل التغيير سنة الحياة والأيام دول ولا شيء يبقى على حاله .   جلست مع الشيخ يوسف بعض الوقت ، حدثني فيه عن أبنائه الذين تخرجوا من الجامعات وخروجه على المعاش ووفاة زوجته .. للشيخ يوسف تأثير عظيم على كل جيلنا .. فقد تفتحت عيوننا عليه ، وإنتشلنا في سنواتنا الغضة من عبث الشارع إلى محراب القرآن الكريم ..  هو أول معلم في حياتنا بدون منازع إغترفنا منه قبس العلم قبل دخول المدرسة بسنوات .. دخلنا كتَاب الشيخ يوسف وعلى ألواح خشبية عرفنا حروف اللغة العربية وأصول الوضوء ومبادئ نظافة البدن والملابس ، كانت لديه عصا طويلة من سعف النخيل " جريدة " يستطيع أن ينال بها من رأس كل طفل مشاغب في طرف المضيفة إذا فكر في إشاعة الفوضى والهرج أو عدم الالتزام بنظام التحصيل ، كان يحفظنا غيبا الآيات ثم نعود ونسمعه إياها في اليوم التالي مع مراجعة ما سبق حتى دخلنا الصف الأول الإبتدائي وفي صدرنا أجزاء من كتاب الله الكريم . لم يكن الشيخ يوسف يتعامل مع الأطفال والتلاميذ بعقلية المدرس الخصوصي الذي يتلهف على المقابل المادي بل كانت له رسالة سامية حتى أنه يقبل بثمرات الأرض المختلفة وفي أي وقت بعد حصاد الأرز أو القمح ، وكان أهم ما يغرينا الغداء الذي تحضره زوجته وقت الظهيرة وتغطيه بقطعة من القماش الأبيض ويسيل لعابنا على البيض المسلوق والخيار والطماطم وبعض البطاطس المشوية وهي أغلب مكونات غذائه .. يتحدث الشيخ يوسف بينما كانت أصابعه تنبش في موضع أسفل جدار مقبرة وهو يردد بغضب .. الله يسامحهم بقى ؟  ــــ مين يا عم يوسف ؟ سألته مستغربا ملامحه الثائرة وهو يخرج أوراقا قديمة ممزقة وشعرا وخيوطا ولفافات وأشياء أخرى من بطن الجدار . 

 

قال عم يوسف : اللي بيعملوا أعمال سفلية .  قلت له : أما تزال هذه الأفعال قائمة في زمن الحياة الرقمية وفضاءات التعليم وتكنولوجيا الإتصال .. كارثة أن ترى الأذهان في أغلب القرى ما تزال أسيرة لمعتقدات راسخة في الدجل والشعوذة وتحت رحمة سماسرة " البيضة والحجر " وبيزنس الدجالين الذين يرتكبون أفحش الجرائم وصلت حد إغتصاب السيدات وممارسة النصب اليومي تحت زعم إبطال الأعمال الشريرة . 

 

ــ وماذا تتضمن أعمال السحرة المخبأة في المقابر ؟ ــ أجاب عم يوسف وهو يسحب بيده في الهواء بعض الأوراق الملفوفة مكتوب عليها بخطوط حمراء ومرسوم عليها رسوم طيور وعقارب وصور فوتغرافية لبعض الفتيات والشباب ... 

ــ ياه يابني كثير قوي .. منها التفريق بين الأزواج وإفساد حياة الغير والخراب والدمار ، وأحيانا تكون في شكل عروس وكتابات وأحجبة ودماء حيض وغيرها وتستهدف قلة الرزق وتدمير الحياة الزوجية وبث الخلافات.. القبور يا ولدي بدلا من أن تكون مكانا للموعظة والعبرة أصبحت منصة لبث السموم والأحقاد . 

 

بعد رحلة سفر طويلة بحثت عن أصدقاء الطفولة والصبى وبالذات حسن زهران الذي أصبح موجها كبيرا في التربية والتعليم وبنى مسكنا من عدة أدوار بفضل الدروس الخصوصية .. في نفس موقع إستذكار الدروس بين الحقول إصطحبت رفيق دربي مع ذكريات الأيام الغابرة وحكايات النضال والنميمة على زملاء الفصل . تذكرنا أقراننا الذين إشتهروا بالشغب وإفتعال الشجار مع طوب الأرض ، وبعض الرفاق إحترف السطو على حظائر المواشي والمحاصيل وآخرون إستهوتهم سرقة الحمام من فوق الأبراج  أو الطيور من المنازل ، دائما نتجنب الإحتكاك بهم أو مصادقتهم .. وعندما تنشب مشاجرة نفضل الهرب بعيدا عن مكانها ، ولم نشترك في نزاع واحد حتى لو كان أحد أشقائنا طرفا فيه ونكتفي بالصراخ وطلب النجدة من المارة للفصل بين القوات المتحاربة  .

 

الخوف من الخفير وكل صاحب سلطة يسكن صديقي حسن ، قد يكون سبب صداقتنا العميقة أننا نخاف كثيرا وسويا وفي آن واحد ، فقد نشأنا في بيئة جعلت الفلاح عبدا لأصحاب الأطيان وملاك الأراضي .. هذا الرجل الضخم الذي يلبس زيا من القماش الخشن الكاكي ويحمل بندقية طويلة عابس الوجه وله شارب طويل يغطي شفته العليا يتعسف في التعامل مع أهل القرية ولديه القدرة على إحتجاز أي شخص في غرفة صغيرة مظلمة وتقييد حريته . بينما كان حسن يلهو بجوار ماكينة الطحين التي كانت تعمل بالأخشاب المحروقة دفعه أحد الأطفال إلى ساحة النار المجاورة ، ولأنه ليس إبراهيم الخليل فلم تكن النار بردا وسلاما عليه بل إحترقت أصابع يديه وقدميه ، وعندما حملته إحدى النساء على كتفها ومرت على نقطة الشرطة تضاعف صراخه ليس من شدة الألم ، لكن لأن كبير الخفراء نادى عليها ليعرف ما الخبر ، فإنشغل الطفل عن جرحه ووجعه بخوف مضاعف من صوت الخفير ومن إحتمال حبسه . 

 

في بواكير صباه إشتعلت الحرب مع إسرائيل ، عرف حسن ذلك من صوت الطائرات الحربية النفاثة والتي كانت تتصدى لسرب من طائرات العدو حاولت التوغل فوق شمال الدلتا وجرى تدمير عشرات الطائرات الإسرائيلية ، في ذلك اليوم إنبطح حسن على بطنه في الحقول خوفا من صوت الطائرات ووضع أصابعه في أذنيه وكل تصوره أن الطائرات سترمي بحممها من المقذوفات فوق رأسه ، لكنه بعد ساعات قليلة إنشغل مع أبناء القرية بمتابعة طائرة إسرائيلية مشتعلة في الآفاق سقط جزء منها في حقول البرسيم وتزاحم الجميع للحصول على قطعة منها دون النظر إلى العواقب المحتملة وكانت حصته قطعة تتحرك تروسها الحديدية مثل لعب الأطفال .. حظ صاحب الأرض كان الأكبر إذ فاز بهيكل الثلث الأخير من الطائرة ووضعه كبرج حمام في منزله صار معلما متميزا . 

 

بينما كان حسن يمهد التراب لجلسة قرب شجرة لم تطلها مقصلة القطع والتدمير بجانب ساقية الماء التي دفنت بالتراب وصارت مثل الآثار القديمة . قلت له : ـ أتذكر يا حسن عندما قتل الرئيس السادات في حادث المنصة بكيناه سويا مع صبية يلعبون في الشارع ونحن لا نعرف من قتله ولا نفقه معنى أن يموت الرئيس . 

 

أجاب حسن وهو يمسح نظارته بمنديل ورقي جلبه من جيب جلبابه الأبيض .  ـــ نعم .. أذكر يا صديقي ، ولا أنسى كيف بكته مصر رغم مقاطعة العرب له بسبب إتفاقية السلام التي أظهرت بعد نظره وتجاوزه لعصره .  

 

ــ وهل تذكر خوفك من السياسة والحديث فيها ؟  باغتته بهذا السؤال فتلفت حسن حوله وكأنه يتوقع أن يختبئ مخبر في الأرض الزراعية للتنصت على ما يتفوه به .. ثم أجاب : أنت تعلم أنني لست ثوريا ومذهبي في السياسة يميل إلى التوافق والمعالجة الهادئة للأمور ولا أثق في الأحزاب والتنظيمات فهي قلاع ديكتاتورية يتحكم فيها مؤسس الحزب ويعتبرها من أملاكه الخاصة .. يا صديقي لقد علمتني تجربة الحياة أنه لا أحد يملك الحقيقة وحده ، والتاريخ لا يكتب دفعة واحدة أو بصيغة نهائية حاسمة بل يكتبه المنتصرون ثم يتبدل وفقا للأهواء والرغبات والمصالح .. عند إطلاعه على أشعار وأدب محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ونضالات أحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ، تخيل حسن نفسه بطلا مثلهم حتى أنه  كان يعد كلمات الصباح عن هذه الرموز الوطنية في الصفوف الدراسية الأولى .. حسن زهران في أعماقه شخص مسالم يمكن أن تراه إبن النظام السياسي ، مطيع ومنافح عنه فهو يتأثر كثيرا بخطابات الزعماء ، لكنه يعتقد أن الإشتغال بالسياسة مغرم لا مكسب فيه وفي كل الأحوال لا ينجو من نارها أحد ، إنه مع ذلك يحمل جذوة الرفض لكثير من الأوضاع السيئة والخاطئة ، يكره الظلم والظالمين ويمقت الفساد والتسيب والقهر ، ويتفرج بألم على الفئات الطفيلية الصاعدة التي تتاجر بالأوطان وجاهزة للهتاف لكل الأنظمة والعصور ، هو أجبن من أن يخوض معارك كبيرة أو ينخرط في مغامرات تكلفه ثمنا كبيرا يطيح بسمعته ومصالحه كمدرس .. كما أنه يعيش حالة الإزدواج الشخصية كأغلب من حوله فهو يشكو حال التعليم ويمارس مع غيره سياسة مص دماء الأسر في الدروس الخصوصية .. يعيش صراعا داخليا بين ما ينبغي أن يقال وبين ما يستحيل قوله ولسان حاله صرخة حافظ إبراهيم :   

فإن نطقت فقاع السجن متكأ .. وإن سكت فإن النفس لم تطب  يستحضر حسن متلازمة خوفه فيطير دخان الشجاعة منه ويستفيق من أوهامه وعباراته المنمقة وهو يلملم بقايا جلبابه الريفي الفضفاض.

 

إقترب حسن من التيارات الإسلامية بمسحة التدين التقليدي وليس بمفهوم الإنتهازية السياسية ثم ابتعد عنها عندما لاحظ أنها تتاجر بالدين وتستثمر المشاعر الجياشة في إتجاهات أخرى وأغراض خفية وشعارات عابرة للحدود .. يتذكر وهو يطلق ضحكة عالية بصوت متقطع قصة قديمة عمرها أربعين عاما عندما ظهرت في القرية بوادر تيارات دينية بعضها سلفي وآخر جهادي توصم الفلاحين بعدم فهم الدين والمجتمع كله بالجاهلية .. هذه الجماعات ركزت على التدين الشكلي فحاولت أن تغير في صيغة الآذان وطريقة أداء الصلاة وأثارت جدلا بشأن رفع اليدين أثناء الصلاة أم خفضهما وملامسة أصابع القدمين للمتجاورين في صلاة الجماعة ، وعندما ضاق الفلاحون بهم ذرعا كانت نهايتهم علقة ساخنة ونتف لحاهم باللبان .

 

في القرية ينتشر هواة السياسة ومهرجو الأحزاب والمشتاقون إلى المناصب ويتعالى ضجيجهم أيام الإنتخابات ، في مقدمة هؤلاء " عارف الفتك " .. نعم شهرته الفتك ولا نعرف إسمه الحقيقي بالكامل لما يتميز به من قدرات خارقة وفهلوة فريدة مع أن والدته الخالة صابحة مزينة العرائس سيدة بسيطة متواضعة .. عارف أصبح ظاهرة لافتة فهو يرى نفسه خلاصة العباقرة وسليل النابغين بينما يراه الناس فقاعة صغيرة ينفثها طفل يلهو على قارعة الطريق . يتوهم أنه مناضل وسياسي بارع وأديب وشاعر فذ لمجرد أنه يحتفظ بصور له مع مشاهير السياسة والفن والأدب يلاحقهم في المناسبات الاجتماعية ويتحلق حولهم في المؤتمرات ويردد بعض الأشعار نصفها مسروق ومكرر . هو منتفخ في ذاته ويصل إعتقاده عن نفسه حد الزعامة والفرادة والندرة ، يرى نفسه محورا للكون ، أو نبيا تأخر الوحي عنه قليلا ، لا سؤال يجهل إجابته ، ولا قضية لا يفتي فيها بثقة عمياء مستبطنا خوافي الأمور ، مستعرضا مصادره السرية الرفيعة العميقة الكثيرة ، ولا مسألة لا يدلو فيها برأيه السديد وحكمته الزاهية وعصاره فكره الذي يسيل على الأرض الجرداء فتتحول إلى بستان أخضر .

 

هذا الرجل البالونة استغل مناخ العقم والضحالة وإرتفع فوق الأكتاف وطفا أعلى سطح الحياة الثقافية والسياسية . هو جاهز دائما لكل مرحلة ومستعد لتأجير نفسه لمن يدفع له مقابل أكثر ، يمدح المرشحين بمعلقات تنافس النابغة الزبياني وزهير بن أبي سلمى ويقدح منافسيهم بمهجيات أشد من جرير والفرزدق ولديه قدرات عجيبة في التنقل بين أحضان التنظيمات حتى تلك التي يستحيل أن تجتمع معا كالناصرية والإخوان المسلمين .. صعد نجم عارف الفتك حتى وصل إلى عضوية البرلمان وصارت له صولات وجولات تحت القبة متغنيا في بلاغة يحسد عليها بأوجاع الفقراء والمساكين وفي الوقت نفسه تضخمت ثروته فإشترى ثلاثين فدانا زراعية ومساكن فاخرة في الساحل الشمالي وأصبح شريكا لبعض رجال الأعمال الكبار في تجارة الخردة والحديد والبلاستيك وبنى في مدخل القرية فيلا كبيرة تدخلها السيارات الفارهة وتتخللها الزهور وأشجار الليمون والجوافة والبرتقال .. تابع حسن سيرة عارف الفتك " غاوي الشهرة "  بكثير من الدهشة والعجب جعلته ينفر من الإقتراب من السياسة التي ظلت في إعتقاده فن الكذب والإحتيال . 

 

غاصت قدما صديقي حسن زهران في الرمال بل دفن رأسه فيها عندما خفق فؤاده لأول مرة وهام بفتاة كان يراها خلاصة العالم.. أبصر نور الحياة على هواها وإستودع قلبه عندها دون أن يبوح لأحد سواي .. كم تعثرت قدماه وتسمرت أمام منزل ليلى محمود زميلته في سنوات البكارة الأولى ليقطف لحظة تطل فيها شمسها على نهاره المثقل بالغيوم ، نقش في قلبه صورتها وفي كراسته القديمة دون إسمها بقلم رصاص .. إنها صاحبة الحسن الأعظم ، باهرة الخطوات والقسمات ، البداية حيث لا نهايات ، على الطريق إنتظرها وتناثرت روحه خلف ضياء أثرها دون إنقطاع .. يردد إسمها في خلوته فيسمع لحنا خالدا عذبا رقراقا تطرب معه الكائنات .. يناجيها بدموعه ، يمتص رحيق ذكراها ويشم رائحة عرق ملبسها المدرسي كعطر نفاذ .. يتسمر في وقفته عندما تلوح أمام ناظريه بإبتسامتها الساحرة فيهرب الكلام وتتصافح العيون ، من أجلها كان يكره يوم الأجازة الأسبوعية وشهور العطلة الصيفية لأنها ستحرمه لذة النظر إلى ملامحها الطفولية الشقية وشعيرات رفيعة كزغب البط تنمو فوق شفتها العليا تبدو بوضوح عندما تعرق وخال رائع يرتسم فوق وجنتيها عندما تبتسم . 

 

 ولما حانت لحظة يمكنه أن يبوح فيها بمكنون قلبه خذلته شجاعته وإرتد إليه خوفه الدائم وتردده القديم .. ضاعت حبيبته التي كانت تبحث عن فارس لم يأت ، وأمير شيد لها قصورا من الأوهام ولم يدافع عن حبه أو حتى يقتحم الميدان بخطوة واحدة للتعبير عن مشاعره على الملأ .. إنه يفتش عن السبب المريح له وهو خوفه على كرامته وقد أبرم إتفاقا مع الفقر والعوز في سنين عمره الأولى ، وما تناهى إليه من تطلعات والدها المادية وشروطه لزوج المستقبل .. يبتسم حسن إبتسامة بلهاء فيها كثير من الإستسلام لما رسمته الأقدار له من الزواج بأخرى وتكوين أسرة ، وفي خريف العمر يلتقي ليلاه أثناء مناسبة اجتماعية جمعتهما ويكتفى بالنظر إلى الأرض من شدة الخجل .. ومضى وهو يردد معزيا نفسه :  لا تحزن فكل قصص العشق الخالدة لم تكتمل . 

 

أشعر أني هبطت بعد سنين الغربة على كوكب آخر وليس قريتي .. وقفت على ناصية الشارع الرئيسي أرقب المارة الذين لا يبتسمون من ثقل الهموم ثم أطلقت تنهيدة كبيرة من صدري كأنها زفرات ما قبل الموت .. ماذا جرى  ؟ ..  لم أعد ألمح تلك المساحات الخضراء من الزراعات التي كانت تشبه رياض الجنة بقنواتها وأشجارها .. تآكلت الأرض بفعل فاعل وأصبح حوض الزراعة لا يزيد عن ثلث مساحته القديمة ... المباني تزاحم بعضها حتى دخلت كردون التنظيم وأغلبها ما يزال ضمن قائمة التعديات ..

 

وقفت أضرب كفا بكف وإرتفع صوتي بشكل لافت وأنا أتحدث مع نفسي حتى وجدت مهندس الري عبد الصبور خضر يتدخل في الحوار وكأنه يترجم ما بداخلي قائلا : 

*  إنها حرب وجود للدولة التي تحافظ على الرقعة الزراعية كمصدر لطعام الأجيال القادمة ، وبين الفلاحين الذين أنجبوا عيالا كثر كبروا ويحتاجون إلى مساكن للزواج وليس لديهم حل سوى إقتطاع مساحة من الأرض الزراعية ولو كلفهم ذلك دخول السجن أو دفع رشاوى كبيرة .. 

 

* إذن هي لعبة القط والفار ؟  قلت له فأجاب وهو يهز رأسه بنعم  يستطرد المهندس عبد الصبور : تحارب الدولة المخالفات وتغلظ العقوبات فلا يزيد ذلك الفلاحين إلا تعديا خاصة وقت الإنتخابات أو إنشغال أجهزة الحكومة في أمور أخرى .. إنه إرهاب من نوع آخر يبدو فيه الفلاحون جناة وضحايا معا.  

 

 ترتفع الشوارع عن سطح الأرض بفعل حطام الردم وبقايا الهدم حتى صارت أزقة وممرات تتسع لمرور السيارات بصعوبة رغم أنها معبدة ومرصوفة في الدفاتر الرسمية .. ملاعب وأجران الأرز والقمح إختفت هي الأخرى والأحياء العشوائية تتناثر في كل إتجاه . 

 

أين أشجار التوت التي كنا نصعدها ونهزها بقوة أو نرميها بحصوات تسقط معها حباتها السمراء والبيضاء ، وأشجار الجميز التي تفرد ضفائر أفرعها لتحتضن أكبر قدر من الثمرات .. كيف إختفت الأشجار الكبيرة المعمرة على حدود الأراضي الزراعية وعلى حواف قنوات الري بعد أن قطعها الفلاحون .. أشجار الجنزوير بكبريائها وهامتها المرفوعة والصفصاف بأغصانه المتدلية على صفحة الماء ، واللبلاب ينسج من أوراقه الخضراء مظلة واسعة حانية يتناول الفلاحون تحتها طعام الغداء المكون من الخبز والبصل وبعض المش والجبن ويتم طيه في صرة من القماش ومعه " قلة " الفخار ثلاجة ذلك الزمان ، نهر النيل يمكنك أن تنهل منه بأحد كفيك وترتوي وطعمه أفضل من المياه المعدنية المعبأة في أغلفة بلاستيكية .  

 

في زيارة إلى منزل شقيقتي الكبرى نجلاء لاحظت أن البنات والصبية يمشون في جماعات وأسراب متراصة ما بين الهرولة والتنطع إلى أماكن الدروس الخصوصية .

 

 سألتها عن سر هذا التزاحم فأجابت :  كل التلاميذ يحصلون على تعليمهم هنا ، والمدارس باتت مجرد أماكن لإمضاء المعلمين على دفاتر الحضور والإنصراف وأحيانا نادي للدردشة والنميمة بين الموظفين .. ربما ظلت مباني المدارس علامة على وجود تعليم  بلافتة كبيرة وعنوان فخم للمهرجانات الكرنفالية والمناسبات .. كان المعلم رسولا يوفى التبجيل لكن أغلب المعلمين دخلوا دائرة الإنتقام المجتمعية ، فهم يرفعون أسعار الدروس على أبناء الأطباء والذين بدورهم يضاعفون أسعار الكشف على أبناء الجزارين فيبيعون اللحم بتسعيرة عالية ثم ينتقم منهم جميعا السباك والعامل والفني والمهندس والصنايعي .. إنها دائرة الإنفتاح التي صنعت الفتنة بين فئات المجتمع وألهبت ظهور الناس دون رشاد حتى تلاشت معها الطبقة المتوسطة وسقطت في بئر الفاقة والحرمان .  جلست مع شقيقتي عدة ساعات وهي تتحدث عن حالة زوجها المزارع البسيط الذي يعيش بطالة مقنعة وسدت كل أبواب الرزق في وجهه . 

 

قالت نجلاء : الفلاح لم يعد فلاحا بفعل تكنولوجيا الري والحصاد والكسل الذي جعل لكثير منهم كروشا من كثرة النوم والرحرحة ، وقد يكون نتيجة الأمراض التي هاجمتهم قديما وحديثا من زمن البلهارسيا حتى فيروسات الكبد وأمراض الجهاز الهضمي .. توقفت نجلاء عن الحديث بينما لمحت دمعة حارة تذرف من عينيها وتحاول إخفاءها بطرحة طويلة ثم أكملت كلامها :  أهم عمل يقوم به زوجي ذهابه بعد صلاة الفجر إلى فرن الخبز قبل التزاحم في طوابير ، وأراحني من خوض معركة العجن وتجهيز الفرن وإحضار القش للخبيز .. الدنيا تغيرت يا حبيبي لكن أنت ما زلت تعيش في الماضي الجميل . ثم أدخلتي في مقارنات كثيرة .. ألم يكن رش مياه غسيل الملابس في الشارع وقت الظهيرة كافيا لنشر أجواء طرية في قيلولة مريحة ..  المراوح وأجهزة التكييف تملأ البيوت وكأن الطقس يجاري طبائع البشر في التبدل والتغير والقسوة .. لقد " تحضرت " القرية بأسوأ أدوات العصرنة " .

 

شقيقتي الكبرى مثل بنات الريف لم تحصل سوى على قسط بسيط من التعليم الأولي لكنها ورثت النباهة والفصاحة من والدتنا .. تزوجت قبل عقود أربعة وكل جهازها دولاب خشبي متوسط يسع أواني الفخار ، وطشت نحاس أصفر لغرض الغسيل والإستحمام قبل إختراع الدش وأدوات مطبخ تضمها فاترينة صغيرة متواضعة بها أكواب زجاجية وبلاستيكية وفوقها حلل ألمونيوم بيضاء ولا يحفظ حقوقها كزوجة سوى قائمة صغيرة للمنقولات لا تتجاوز قيمتها 100 جنيها و4 أساور وطوق ذهب من " أربعة أدوار " كما يطلقون عليه ، وعندما أرادت تزويج إبنتها باعت كل ما تملك من الأرض التي ورثتها عن والدها ، وغرقت ــ كما الجميع ــ في تفاصيل أسعار جهاز وتجهيز عش الزوجية والأدوات الكهربائية وقطع المطبخ والملابس والستائر والسجاد وخلافه .. الآن فقط عرفت كيف يتعثر قطار الزواج وكيف يسقط الشباب والشابات في براثن العنوسة واليأس  ؟ فهمت لماذا تزيد المشاكل والخلافات الأسرية وحوادث العنف والطلاق والسرقات وتعاطي المخدرات ، فإذا جمعت معها البطالة المتفشية بين الخريجين وفرص التشغيل القليلة فأنت تتحدث عن قنابل اجتماعية موقوتة ومفارخ للتطرف وإستقطاب جماعات الإرهاب .  

 

أثناء تجولي في شوارع الجبانة لمحت إسم الحاج أدهم منصور واحد من كبار العصاميين في القرية وركيزة النشاط الزراعي ، بني نفسه بشكل مثير للتقدير حتى تجاوزت أطيانه الزراعية عشرين فدانا نافس بها كبار الملاك .. كل فترة يشتري بضعة قراريط وترك كل ذلك لأبنائه ... آه لو يعرف الحاج أدهم أن أغلب أبنائه باعوا أرضهم الزراعية وبنوا بيوتا كبيرة بالخرسانة المسلحة ووضعوا ثمنها في البنك وينتظرون ما يجود عليهم ريع المال .. خلع الأبناء ــ وبعضهم لم يحصل على أي تعليم ــ رداء الفلاحة ..  ــ فدان الأرض معدش بيجيب حاجة ..

 

قالها سعد إبن الحاج أدهم وهو يتلقى اللوم من بعض الأهالي بعد بيع الأرض .. نزرع ونشتري السماد والبذور ونتحمل التكلفة وفي النهاية العائد " فتافيت " ، أما وضع المال في البنك فهو مضمون الربح بلا تعب ..  يتجاور الأشقاء وأبناء العمومة في السنين الخوالي في بقعة واحدة حيث بيت العائلة الذي يتزوج فيه الرجال في غرف متراصة ، وتعمل النساء في الحقول وتربية المواشي والطيور ضمن منظومة صارمة لا يرتفع فيها سوى صوت رب الأسرة الكبير .

 

هذا الواقع صار أثرا بعد عين .. فأغلب البيوت تغلي فوق قدور من الصراع والحسد والتنافس والقطيعة وكأن قابيل وهابيل عاودا سيرتهما الأولى .. 

 

" فتش عن النساء في كل المصائب "  .. قالها الحاج فايز عبد الصمد كاتب العقود ودلال المساحة في القرية والذي تجاوز عمره سبعين عاما .. نعم يا بني أغلب المشاحنات بين الأشقاء سببها المرأة والأطماع .. الكل يريد أن يكون الأفضل والأغنى حتى لو خطف لقمة العيش من فم أخيه . الأخوة يقاطعون بعضهم بسبب أفعال النساء وهيمنتهم على مقاليد الأمور بل ويمنعون كل خير أو صلة رحم .. سرد عم فايز حكاية لاثنين من الأشقاء في القرية متخاصمان من عقدين من الزمن رغم أنهما جيران ومتزوجان من شقيقتين.. لقد صنعت النساء جدرانا عالية سدت بسببها كل أبواب الصلح ولم تعد المياه إلى مجاريها حتى بعد وفاة والديهما .. ــ الشيطان يعبث يا بني بعقول الرجال والنساء معا وقطع أوصال الأسرة ..

 

ــ كيف حدث هذا يا عم فايز ؟  ــ البلد إتغير حالها يا بني ، هل تعلم أن بعض النساء يتفرغن للأعمال الشيطانية ضد بعضهن البعض ، أكثر من العناية بأبنائهن ، وينتظرن بفارغ الصبر كارثة تحل بالجارات أو السلايف والضراير أو شقيقات الزوج .. ولك أن تتخيل أي جيل متباعد من الأبناء سيتربى في هذه البيئة وأي أواصر ستتمزق .  

 

قريتنا تنقسم تضاريسها الجغرافية إلى أربعة أو خمسة أقسام لإقطاعيين كبار بعضهم ليس من أبناء القرية أصلا وما يربطه بها تحصيل الإيرادات السنوية من ناظر العزبة ثم الرحيل إلى المدينة والعودة في الموسم الجديد .. بقية المساحة يعيش عليها الفقراء ويشتغلون لدى الأغنياء ولا يحصلون على شيء يذكر ، ومع ذلك نجح أبناء الفقراء في تجاوز أبناء الإقطاعيين في التعليم فأصبحوا أطباء ومهندسين وفنيين وخبراء بينما ظل أبناء الأغنياء يتنعمون في كنف المال حتى باعوا أغلب أراضيهم أو توارثها جيل جديد من بعدهم تعليمه متواضع ونفوذه متآكل  .

 

وبين هؤلاء وأولئك نشأ جيل ثالث في القرية ينتمي إسما إلى الطبقة الفقيرة لكنه إشتغل بتجارة السلاح والمخدرات وسمسرة العملة الصعبة وأصبحت هذه الشريحة في المقدمة .. يملكون العقارات والسيارات الفخمة والمحلات والمباني الفارهة والأراضي الزراعية .. فهموا لغة العصر ومفاتيح الثراء السريع ونظريات " السوق عاوز كدا "  فعادت التركيبة الاجتماعية إلى الخلل من جديد .. يتوارى العلم والفضيلة إلى الخلف وأصبحت الغلبة للمال والوجاهة التي تظهر جيدا في الأفراح والمآتم والمناسبات . يمثل أحمد شرف شاب في الثلاثينات من عمره هذا النموذج الثري لديه سيارة فارهة أحدث موديل ونظارة شمية غالية نظارته ولباس فاخر ، أحمد والده كان يشتغل ناظرا في عزبة أحد الإقطاعيين وحصل على تعليم متوسط لكنه حقق طفرة مادية في سنوات قليلة تثير تساؤلات وتعجب كثير من أهل القرية .

 

بعضهم يقول أنها تجارة المخدرات والبعض الآخر يقول السلاح وهناك من يقول أنه جمع بين التجارتين ويرتبط بعلاقات حميمة مع المستويات الأعلى من رجال الشرطة وربما هو من يشيع ذلك .. افتتح أحمد شرف معرضا كبيرا للسيارات وبنى عمارات شاهقة خصص واحدة منها كعيادات للأطباء ومعامل التحاليل كما شيد مسجدا ويغسل صورته وتاريخه المعتم بموائد الرحمن في رمضان والتصدق على الفقراء ولا تمر أعوام قليلة إلا وهو معتمر أو حاج .. لم يمنع هذا أهل القرية أن يطرحوا سؤالهم الدائم .. من أين لك كل هذا ؟ بينما يتجاهل أحمد هذه التساؤلات الساذجة برأيه ، فهؤلاء القوم لا يعرفون قواعد العصر الجديدة وأسرار النجاح ..

 

المشكلة أن طيفا واسعا من شباب القرية أصبح يرى في أحمد شرف قدوته ومثله الأعلى ويتمنون أن يصلوا إلى مرتبته في الثراء ، في الوقت نفسه يبكى الأطباء والمهندسون ورجال العلم والقضاء حظهم العاثر الذي جعل كثيرا منهم يحشرون أجسادهم في الباصات ووسائل المواصلات العامة لصعوبة إقتناء سيارة ويعجزون عن الزواج في مسكن مناسب قبل أن يدهمهم قطار العنوسة .

 

تعبت من السير بلا هدف في شوارع القرية وبلغ مني الإرهاق مبلغه ، بينما كنت أتفحص وجوها حزينة كالحة مطموسة في العرق والغبار تتنقل في خيمات سوداء إسمها " توكتوك " ترتع في كل فج بلا عقل ولا نظام ، ومحلات تجارية على الجانبين محشوة بأدوات المطبخ وأجهزة العرائس بخلاف المطاعم والبقالات ومتاجر الخدمات . 

 

وجدت نفسي من جديد بحماس عجيب أتجه نحو المقابر مختنقا من رائحة القمامة المنتشرة على جانبي الطريق والحرائق الصغيرة المشتعلة من مكوناتها كوسيلة للتخلص منها .. عدت مرة أخرى إلى حضرة الأموات تمنيت أن أقبل التراب الذي تحللت منه أجسادهم . قرأت لهم الفاتحة وتفقدت مقبرتي المنتظرة بين رجالات العائلة وتفحصت أسراب النمل والحشرات التي تنتظر جسدي كوجبة دسمة .. وعندما مال قرص الشمس نحو الغروب وتوارى تدريجيا بحمرته الخجولة خلف أسوار المدافن وكأنه يدخل قبرا كبيرا حتى الصباح ، كانت أوراق الصبار الجافة تعصف بها الريح مجددا بعد أن عزت المياه عليها وتباطأت أقدام الزوار وتحجرت في مآقيهم الدموع على أهليهم .. تلوت في ساعة الشفق تراتيل الوداع وسمعت نوح السواقي وبوح العصافير المتجهة إلى أعشاشها وتابعت إنتحار الضوء على مصلب الليل ، رددت من سورة ياسين " يا حسرة على العباد .. " .. سلمت على الراقدين الطيبين وأنا أعتذر لهم عن ثرثرتي الفارغة في حضرة صمتهم البليغ وحضورهم البهي المفعم بالحياة الحقيقية .. غادرت مكانا سأعود إليه محمولا على الأعناق متمددا على خشبة في آخر عرض حزين .. أطوي بسرعة شوارع القرية ، أحاول لملمة ما تبقى مني وأهرول إلى موقف سيارات الأجرة باحثا عن أوراق السفر مرة أخرى  .