الخميس 26 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
من الخراب والظلام إلى القوة والمجد.. كيف حققت مصر المعجزة؟

رسائل البحر كنا فين وبقينا فين

من الخراب والظلام إلى القوة والمجد.. كيف حققت مصر المعجزة؟

التاريخُ ابنُ الأيام .. والأيامُ والشُّهورُ والسَّنَواتُ كما البَشَر لهَا مَلامحُ وشخصيّة وحُضورٌ متفاوتٌ.. وشهرُ نوفمبر من الشّهور أصحاب الحُضور فى مصر على مدار تاريخها الحديث.. ولكن كان لحضوره هذا العام مَعنى مُختلفٌ.. حَضَرَ الشّهرُ الشّتوىُّ المُمَيَّزُ بصفة شَاهِد. نعم.. شَاهدٌ على مُعجزة حَققها المصريون.. شاهدٌ على شرعية الإنجاز وكرامة وكبرياء الأمَّة الناجحة مثلما كان شَاهدًا على أيّام التيه والفوضَى والخوف والظلام.



 

المقارنة فرضت نفسَها على ذهنى بين نوفمبر 2020 الذي يشهد على عنفوان الدولة، ونوفمبر 2012 عندما نصبت السّلخانة على أسوار الاتحادية لتعذيب المعارضين لحُكم تيار إرهابى، ومن قبله نوفمبر 2011 عندما عرفت القاهرة حربَ الشوارع بهدف إسقاط الدولة.

 

نعم حضرتُ المقارنة وأنا أتابع جولات الرئيس «عبدالفتاح السيسي» فى العاصمة الإدارية وهو يمشى بين الحداثة والعَمَار مُحاطًا بأيادى الحُب والعَطاء العاملة ووجوه زينتها لمعة الشقاء من شمس العمل.. العاصمة الإدارية التي تنقل مصرَ من عصر إلى عصر آخر لم تعد مجرد طموح أو حلم أو أفكار على ماكيت مبهر، ولكنها أمْرٌ واقعٌ يقول إنه إذا توقف العالمُ بفعل «كورونا» فإن مصرَ ليس لديها وقتٌ لتضيّعه.. مصرُ تعمل وتنجز وتنجح رُغْمَ أنف كل أعدائها.

 

المقارنة تفرض نفسَها وأنا أرى الأسطول المصريَّ يبحرُ بعيدًا عن مياهنا الإقليمية وبحارنا ويقطع أربعة من البُحور ويشق قلب اسطنبول ليخوض مناورات جسر الصداقة مع القوات الروسية.

 

المقارنة تفرضُ نفسَها ونحن نتابع تدريبات نسور النّيل العسكرية المشتركة التي تجمع مصر والسودان لأول مرّة.

 

المقارنة تفرض نفسَها عندما يداهمك بيان من رئاسة الجمهورية يقول إن مصرَ حققت فائضًا أوَّليّا من ميزانية السَنة المالية الحالية.

 

المقارنة تفرض نفسَها عندما ترى مصرَ تعلن عن أكبر اكتشاف أثرى فى سقّارة تم بأيدى أولادها.

 

كُنّا فين وبقينا فين.. خط أحمر واضح وفاصل بين زمنَيْن.. خط أحمر يحكى ويروى مما جرَى على أرض مصر.. من أيام الرُّعب والخوف إلى أيام المَجد والقوّة.

 

 

نوفمبر 2011 أحداث محمد محمود بهدف إسقاط الدولة 

 

كانت أيامًا ثقيلة قاسية على كل وطني وهو يشاهد تحالفات سياسية داخلية وخارجية بهدف إسقاط الدولة المصرية واستغلال شباب يمُرُّ بنوبات ثورية ويمضى فى طريقه مُدَمّرًا كل ما فى طريقه.. فى مثل هذه الأيام قبل تسع سنوات شهد محيط ميدان التحرير ما يُشبه حرب الشوارع، تلك الأحداث التي عُرفَتْ بأحداث محمد محمود، والتي خُطط لها من أجل تعظيم الوقيعة بين الدولة وشبابها بهدف اختطاف مصير مصر من قِبَل القوَى الظلامية وفى مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية.

 

كانت أيامًا بطعم الخوف.. شوارع كئيبة.. لوطن ينزف ليس له غد يحلم به لأنه بالكاد يدبر يومه وأقصى طموحه أن يمُرَّ اليومُ بسلام.. نعم هكذا كنّا لو كان البعض قد نسى أو تناسَى أو يَعمد من أجل أن ينسى الناس.

 

كان كل شىء يعمل ضد الدولة.. نُخَبٌ مُمَوّلة وإعلامٌ عميل وأحزابٌ رخيصة والكل فى خدمة الإخوان، أمَّا الاعلامُ الوطنيُّ فكان يُبعَد ويتم إرهابُه.. ولهذه الأيام الكثيرُ من التفاصيل يومًا ما سَتُروَى.

 

ولكن فى مارس 2019 وخلال فعاليات الندوة التثقيفية للقوات المسلحة تحدَّث الرئيس «عبدالفتاح السيسي» عن أحداث محمد محمود وأزاح الستار عن المُخَطط الذي جرَى بهدف إسقاط الدولة، وقال الرئيس: «فى نوفمبر 2011، كانت أحداث محمد محمود، وفى الفترة دى كُنّا احنا موجودين، أنا بذكّركم بمَشاهد وأحداث مرّت علينا، إحنا كُنّا حريصين ألّا يَسقُط مصري واحد، وكان حرصُنا على كل المصريين.. أفتكر من سنين طويلة فاتت.. كُنّا بنشعر أن فى حد فى وسْطِينا دائمًا يُشكِّكنا فى كل شىء، عدا الأمْر الخاص بيه هُوَّ، ده لا من الأمانة ولا الصّدق ولا الدّين فى أى شىء من الأشياء، أنا بقول ده ليه؟.. بصفتى رجُلاً من المخابرات الحربية، كان بيسقط القتلى يوم بعد يوم، أكتر من 6 أيام، مات فيهم عشرات، واتعمل فى الوقت ده منصّة عشان تجيب بقية الدولة الأرض.. كان المَطلب ساعتها أن المجلس العسكرى يمشى، وعشان يمشى نعمل حالة تخلِّى كل الرأى العام رافض لأن القتل اللى بيْتِم ده بيْتِم باسمه. أقسمُ بالله، أنا قلت اعملوا لجنة لدراسة كل الأحداث فى 2011 و2012 عشان تعرفوا إزّاى الدّول بتُدمَّر وبتضيع.. فى اليوم ده، قلت لرئيس اللجنة الهندسية: إذا ماتعَمَلش فاصل بين محمد محمود وميدان التحرير، البلد هتضيع، اتقفل الشارع، انتهَى القتل».

 

مداخلة الرئيس فى الندوة التثقيفية أوضحت حجم المؤامرة رُغْمَ أنه تحدَّث بقَدر يسير من المعلومات كان الهدفُ إسقاط الدولة وكان القتلة حاضرين وسَط الثوّار وهدفهم خَلق حالة رأى عام رافض لوجود المجلس العسكرى الذي كان يُشكّل العَقَبَة الرئيسية أمَام مُخططهم.. هكذا كان نوفمبر 2011.

 

 

نوفمبر 2012 الاخوان يختطفون الدولة 

الإعلان الدستورى وسلخانة الاتحادية 

 

كان يوم 22 نوفمبر من العام 2012 واحدًا من أكثر الأيّام قَسوة على مصير الكيان المصري كله.. فى هذا اليوم قرّر الإخوان الانقضاضَ على الدولة والدُّستور وصَدَرَ ما عُرف بالإعلان الدستورى المُكمل، وجاء الخطابُ من مَقر الحُكم ليقول عَلنًا: «البقاءُ للأقوَى»!.

 

وخرج من وسَطنا أفّاقون يصفونه بأنه إعلان ثورى وقرارات ثورية، وهو فى حقيقته نَكبَة دُستوريّة كبرَى. كان هدفه التخلص من المَحكمة الدُّستوريَّة العُليا التي ظلت مُحاصَرَةً بعناصر الجماعة طيلة عام هو عُمْرُ حُكم الإرهاب لمصر.

 

بموجب هذا الإعلان كان يتم تحصينُ القرارات الرئاسية وجعلها غير قابلة للطعن من أى جهة.. وبموجب هذا الإعلان يتم تحصينُ مجلس الشورَى آنذاك واللجنة التأسيسيّة لكتابة الدُّستور، وبموجبه أيضًا تَخلّصَ الإخوان من المستشار «عبدالمجيد محمود» النائب العام الأسبق، وتم تعيين المستشار «طلعت إبراهيم» بدلاً منه.

 

كان الإعلانُ الدُّستورىُّ بمثابة زلزال سياسى ودُستورى واقتصادى أيضًا؛ حيث تلقت البورصة المصرية ثالث أكبر خسارة فى تاريخها بخسارة 6.1 مليار دولار من رأس مالها السُّوقى. وانطلقت ميليشياتُ الإخوان إلى الشوارع لفرض الأمْر الواقع وتأديب المُعارضين وتحولت أسوارُ قصر الاتحادية إلى سَلخانة.. ضربٌ وسحلٌ وتعذيبٌ وكل ألوان الإهانة كانت تنتظر مَن يقتربُ من دولة المُرشد، أمَّا القتل فكان حاضرًا وسقط شهيد الصحافة الزميل «الحسينى أبوضيف» فى المُظاهرات اللاحقة للإعلان، وتحديدًا فى الرابع من ديسمبر عام 2012.

 

نوفمبر 2020 كيف تحققت المعجزة؟ 

 

النجاحُ الشخصىُّ لا يأتى صُدفَةً.. ما بالك بنجاح الأمَم والشُّعوب، ومصرُ لم تمتلك عصا سحرية لكى تُغيّر حالها وتبدّله من قمة الفشل إلى ذروة النجاح، ولكنها تمتلك ما هو أقوَى من السّحر.. مصرُ لديها إرادة شعب وقيادة وطنية وقوات مسلحة قادرة، ومن هنا تصنع المستحيل وتجعله أمرًا عاديّا فى جدول أعمال يومها.

 

مصرُ حصلت على استقرارها بدم الشهداء، ولهذا؛ فإن الخَط الأحمر الذي عبَرَت به من زمن الفوضَى إلى زمن القوة ملون بدم الشهيد، وبالتالى؛ فإن المساسَ باستقرار مصر هو مساسٌ بدم أولادها ومصرُ لا تُفرّط فى دمها ولا تساوم عليه ولا تجعله وجْهَة نَظر. مصرُ حصلت على استقرارها بتحمُّل الشعب لتبَعَات قرارات الإصلاح الاقتصادى، التي لو لم تُتّخَذ لأفلست مصرُ عام 2017 مثلما كانت تتوقع الجارديان.

 

مصرُ حصلت على استقرارها بعمل شاق تحدَّى كمّا مَهولًا من المؤامرات لضرب مصادر الدخل القومى، لا سيما مصادر دخْل العُملة الصعبة، سواء فيما يخص السياحة أو تحويلات المصريين فى الخارج.

 

مصرُ حصلت على استقرارها بامتلاك القُدرة التي تجعلها تصون ثرَواتها وتحميها من أى تهديد.. وأكبرُ دليل على امتلاك القُدرة هو مَشهد الأسطول المصري وهو يبحرُ بعيدًا عن المياه الإقليمية ويقطع بحورًا أربعة ليُلاقى القوات الروسية فى مناورات جسر الصداقة.. بحور أربعة تطل تركيا على شواطئ ثلاثة منها، وهى: البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجة، أمَّا البحرُ الرابعُ فهو تركى خالص وهو بحر مرمرة، 300 كم، وربما أكثر من المياه التركية شقّتها الفرقاطات المصرية من مَضيق دردنيل إلى بحر مرمرة مرورًا بمَضيق البوسفور فى قلب اسطنبول.. مَشهدٌ يثلج صدورَ الوطنيين ويكوى وجوه الخَوَنَة الذين يعيشون هناك تحت رحمة إردوغان.

 

إردوغان الذي صَوَّرَ للعالم أنه يُبسط نُفوذَه شرقًا وغربًا وصل الردع المصري على أبوابه.. وسيظل هذا المَشهدُ عالقًا فى الذّهن العسكرى التركى.

 

مصرُ حصلت على استقرارها لأنها نجحت فى احتضان شبابها وحفظت نسيجَها الوطني من محاولات الاختراق وتصدّت لمحاولات التمييز التي كان يتم غرسُها فى المجتمع بَعد 2011. مصرُ حصلت على استقرارها لأنها جادّة فى مواجهة الفساد، وتم اقتحام ملفات لطالما كان مسكوتًا عنها وأهمّها أراضى الدولة المنهوبة.

 

مصرُ حصلت على استقرارها لأنها انتبهَت إلى الفئات المُهَمَّشة، وشعرت بوجودهم وتحركت مُجتمعيّا على أعلى مستوَى لإتاحة الفرصة لأصحاب الهمَم وذوى القدرات الخاصة. مصرُ حصلت على استقرارها لأن لديها رئيسًا وطنيّا شريفًا يُقاتل من أجلها.. رَجُلٌ تَحَمَّل مسؤولية بَلد كان فى مَهَبّ الرّيح أصبح اليومَ واحدًا من أكثر الاقتصاديات فى العالم نمُوّا.. بلدٌ كان يُعانى تنمَويّا أصبح يُعرَفُ بأنه بَلدُ «الميجا بروجكت» أو المشروعات العملاقة. المُعجزة المصرية لم تكن صُدفةً.. لكنها قِصّةُ نجاحِ شعبٍ وقيادةٍ.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف