الأربعاء 2 ديسمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
نساء روز اليوسف (4)

نساء روز اليوسف (4)

الصحافية الروائية والمناضلة الصحافية

فوزية بنت الإسكندرية وفايزة مصرية في الثورة الجزائرية 

 



لا الإسكندرية, هي الإسكندرية، التي تربت فيها فوزية مهران, و ترعرعت و عرفت حكاياتها.

و لا البحر, هو البحر، الذي عشقته بنت الإسكندرية, و كتبت عنه أقصوصاتها و رواياتها.

كانت الإسكندرية كوزموبوليتانية, ترطن بلغات الأرض, فتُسمع اللهجات الغريبة في شوارعها, في أحيائها و حوانيتها, في مقاهيها   ومسارحها... فنسيت الإسكندرية ما كانت تعرفه, هجرها الناس الذين جاءوها بلغاتهم, و ثقافتهم, و عاداتهم, و تقاليدهم, و تركوها وحيدة, فنسيت كل شيء, و ما عادت تتذكر لا اللغات و لا الوجوه.

و من زمان, لم يعد بحر الإسكندرية, يحفظ عن ظهر قلب, قصص الحب. يسترق السمع, فيترك الموج اللعوب يرتمي بدلال على الرمال, و ينسحب, يلملم حكايا العشاق عن الشوق, و العتب و... الحب.

و القمر, الذي كان يغسل وجهه ببحر الإسكندرية, و يتمرى على صفحة الماء متشاوفا, معتدا بنفسه, حوّل دربه عن الإسكندرية.

كان بحر الإسكندرية الذي عرفته فوزية مهران، يفتح قلبه للخير، يحمله الى كل مصر, و للخير يحمله من مصر الى العالم. فأصبح يفتح ذراعيه للرحيل, يسمع حكايات المهاجرين, الذين يغسلون بمائه, ذاكرتهم عن الوطن الذي تركوه خلفهم, و حيث يرسو الرحيل بهم, ينبت وطن آخر ينسيهم الذي تركوه.

في رعشة المغيب, مع أول العتمة, و القمر طري, كان يحلو لفوزية, أن تطل من شباك غرفتها, لترى  كيف تشتعل بين المنازل العمياء أضواء المصابيح, و ترنو الى السماء, ترقب كيف تتلامح النجوم ساهرة في الليل. تفتح كراسا, ترسم فيه أحرفا, تصير كلمات, تنقل على الورق الأبيض, العناق اللحظوي بين الكلمة و الشعور. من بعيد, يحمل الليل أصداء ثرثرة الموج المنغومة.

و ياما في الصباحات, جلست قبالة البحر, على صخرة تتكسر عليها الأمواج, تعيد إكتشاف ذاتها, و علاقتها بالآخرين, و بالأشياء. تراجع نفسها أمامه, و تعاتبها, و تضعها في أماكن الأسئلة. 

البحر بالنسبة الى فوزية مهران كان العلاج لكل ما كان يعتريها من أحزان و أوجاع. و لقد كتبت عنه "أغنية البحر", و"جياد البحر", " نجمة ميناء ", و" مهاجر فوق الماء ", و " بحر 3 ", و" منار الأخوين " و رواية  "السفينة".

و البحر علّم فوزية إكتشاف الكلمات, و إحياء معانيها و نورها. تعرف أن البحر غموض مغلق, هو هياج و هدأة موج, و من يعرف سر البحر يفك رموز عشقه.

و فوزية مهران كانت تعرف سر البحر و... تعشقه.

 

صورة الإسكندرية الرومانسية, التي تعشقها فوزية, تموت بحركة الصبح. الشمس تخون, تمّد يدها على الحيطان, و الأماكن التي لم تنفض عن عينيها نوم الليل, و تنهزم أمامها الظلال  الكئيبة.

كانت فوزية أول من يستفيق في البيت, فتندفع توقظ أشقائها لكي ينزلوا معها لشراء المقرمشات, و خبز "فينو", و القُرَص بالعجوة,  و الكعك المضفر... و كل يوم, لا يَهّزهم صوتها, يلفهُم النوم, فتنزل وحدها الى الفرن في آخر درب الحي, يملكه يوناني يتقن فن العجن و الخبز, تشتري الفطار.

و أحلى الاوقات, كانت عندما تجلس بالقرب من أرفف مكتبة والدها, تسحب منها كتب مصطفى لطفي المنفلوطي, توفيق الحكيم, طه حسين, مكسيم جوركي, وليام فوكنر و إرنست همنجواي... تغوص في صفحات تلك الكتب, تسرح مع أحرفها, تترك نفسها, فتأخذها تلك الكتب الى مطارح الدهشة و الإنبهار, و ينمو فكرها, و يتسع خيالها , و تجرب بنفسها جري القلم على الورق.

 

على أن سعد مكاوي كان أحب الأدباء إليها, تستملح أسلوبه, و تعشق رواياته.

كان والدها من قراء جريدة "المصري", فما كانت فوزية تعيرها إهتماما, إلاَ ذلك الصباح, فوجدت نفسها تفر صفحات الجريدة , و يقع نظرها على قصة بقلم سعد مكاوي, فإلتهمت أحرفها بشغف. و في آخر القصة, طلبت الجريدة آراء القراء فيها.

مشى قلم فوزية يسوح على الورق. كتبت رأيها, أرسلته الى الجريدة, لتفاجأ برأيها منشورا, بين أفضل ثلاثة آراء حول قصة مكاوي.

طارت بزهوها و أيقنت في قرارة نفسها, أن القلم والحبر و الورق هم ما تريد لمستقبلها... و هكذا كان.

 

                                                        

إستحوذ عليها شعور غريب, و هي تنزه عينيها في شوارع المحروسة, وصولا الى الجامعة.

كانت تلك المرة الأولى التي تغادر فيها حبيبتها الإسكندرية, و تغيب عن سمائها, و بحرها , و كل الذكريات.

مسحت المكان بعينيها, و بحركة سريعة, حملت حقيبة  ملابسها, و مشت خلف المرأة البدينة الى غرفتها, في بيت الطالبات- (نقلت فيما بعد، تجربتها فيه الى قصة قصيرة, حوّلها أحمد ضياء الدين الى شريط سينمائي). في كلية الآداب, في جامعة القاهرة,  درست الأدب الإنجليزي, و نالت إجازة فيه, عن جدارة و إمتياز. كان ذلك سنة 1956, سنة ولادة مجلة "صباح الخير".

 

                                                      

كان حبر الشهادة الجامعية لم يجف بعد, عندما دخلت مكتب أحمد بهاء الدين في "روز اليوسف".

لم تكن فوزية مهران, غريبة عن "روز اليوسف", كانت من المدمنات على قراءتها, مولعة بالأقلام التي كانت تطرز مقالاتها و تحقق نجاحه, و شهرتها, و انتشارها.

و عندما علمت أن الدار العريقة تستعد لإصدار مجلة "صباح الخير", شغفت بما قرأت عن المجلة, التي كانت جنينا ينمو تحت أقلام نخبة من الكتاب و الصحافيين,  إنتقاهم أحمد بهاء الدين للوليدة الجديدة.

كان أحمد بهاء الدين يتبين تلك الفتاة الجريئة و شفتاه تنبسطان, و حاجباه فوق نظارته الطبية, ينفرجان, لم يلاحظ على وجهها علائم الارتباك, كانت واثقة من نفسها, و بما كانت تجادل فيه, تنتقي كلماتها بتأن ظاهر, أخرجت من حقيبتها أوراق مقالات لها. مرَ بعينيه على بعض نماذج من كتاباتها, فوجد فيما قرأه, جمالا في الأسلوب, و صحة اللغة و عافية العبارة, و رشاقة السياق, مع غِنى وافر في الملاحظة الدقيقة, و جالت في ذهنه خاطرة, أن يوجهها الى الكتابة الأدبية, و خصوصا النقد الأدبي, فقد كان يُعِد العدّة لإطلاق باب "عصير الكتب", عن الإصدارات الجديدة, و تناولها بالنقد.

و إنضمت فوزية مهران الى الصفوة من الكتاب و الصحافيين, الذين عكفوا على إصدار أعدادا تجريبية, حتى إكتملت عدة "صباح الخير". و في 17/1/1956، صدر العدد الأول من المجلة بشعارها الذي وضعه أحمد بهاء الدين: " للقلوب الشابة و العقول المتحررة".

و سَبَح قلم فوزية مهران في باب "عصير الكتب" و تولاه بعدها علاء الديب. كان لصرير قلمها في النقد رهبة, لا غلو في الإطراء, و لا تجنِ ظالم في النقد, سديدة الرأي, ثاقبة النظر, فاهمة للجهد المبذول من الكتّاب, و غير مهادنة مع الركاكة و الإبتذال.

و أصبح  لباب"عصير الكتب" مريدون, و كيس بريد المجلة يغص بالرسائل التي تطري الباب و كاتبته, كما بالرسائل المنتقدة له   و لها.

و لم يطل بها المقام في "صباح الخير", فضّلت عليها أمها "روز اليوسف" التي عشقت و أدمنت  قراءتها و هي لم تزل على مقاعد الدراسة.

 

                                                            

 

 

 

 

لفت خصرها بتنّورة من لون البحر, تركتها تنزل الى الركبتين, و فوقها بلوزة مزركشة بالأزرق و"البيج" الفاهي, و لفّت شعرها بمنديل.

وقف أمامها ببدلة البحار البيضاء الناصعة, رفع عن رأسه قبعته, وضعها تحت إبطه, كلمها, خرج صوته رقيقا, رفرف قلبها, مشت في جسدها قشعريرة, إستجابت لنداء صوته, كادت أن ترسم إبتسامة على شفتيها, طاف في ذهنها خاطر: حبيبها البحر جاءها بالقبطان الذي يسرح بسفينته فوق موجه.

و أحبت البحّار, في بيت الأسرة همس: أنت رزقي الكثير الموجود في البحر, و البحر نَدَه عليّ, و دلني عليك, فاختارك عقلي     و قلبي, تعالي نُبحر معا الى ضفاف أخرى.

و البحّار الآتي إليها من الحرب المولعة به, أرسل يخطب عليها. وضع خاتم الزواج في خنصرها, وهبها عمره, فوهبته بناته الخمس.

و ذات يوم, راح الى البحر و... لم يعد.

                                                         

 

تعترف, إنها تعلمت من أحمد بهاء الدين الكثير, ليس أقله التروي, و التفكير الهادىْ, و الجرأة. و أنه أعطاها فرصة النشر        و الانتشار.

و تعترف, أنها ناكفته, و جادلته, و إختلفت معه, و رفضت أن يطلق على أدبها أنه أدب نسوي, و لطالما إعتبرت أن أدبها "أدب ملتزم, يحمل قيمة إنسانية".

الصدام الأول مع بهاء الدين, كان بسبب مقال عن مارلين مونرو. فقد إتهمت الغرب الرأسمالي المتوحش, بأنه هو من دفع أجمل إمرأة في الأرض على الإنتحار، مؤكدة علي أن مارلين مونرو كانت تجسد في أفلامها جمر الحب, و روعة الحياة، بينما صنعت منها هوليوود و الغرب سلعة و تناسوا آلامها و حزنها الدائم و هروبها للكحوليات و المهدئات، حتي سارت بوحدتها ما بين حافتي الجنون فهوت صريعة للقهر و اليأس .

إعترض أحمد بهاء الدين علي منهجها و تبريراتها على الرغم من أن معظم وكالات الأنباء العالمية تناقلت الموضوع، و تبادلت الصحف البريطانية و الفرنسية و الأسبانية نشر مقاطع منه، و البعض نشره بالكامل و من دون زيادة أو نقصان.

 

                                                                      

              

                                      فوزية مهران                   بوستر فيلم "بيت الطالبات" قصة فوزية مهران

 

 

الي جانب مؤلفاتها و كتاباتها الصحافية كان لها عطاء و نشاط ثقافي. سافرت .. وسافرت لمشاهدات و تقييمات مغايرة لما كان من نبض تجريبي موهوب كان يقدم في مسرح الثقافة الجماهيرية في قصور و بيوت مصر ، و لها معهم مشاهدات و كتابات عظيمة في هذا الإطار إستمرت عقدين و يزيد، كان فيها المسرح مزدهراً و حاملاً لأحلام و آمال متبنياً لمشكلات الناس، عارضاً بصدق للبسطاء و رجل الشارع قبل المثقف، و تعد واحدة من جيل الرواد الذين أسهموا في إثراء الثقافة الجماهيرية بإسهامها في قوافل سارت الي القري و النجوع بمختلف محافظات مصر.

 

 

 

 

 

كان لها صولات و جولات مع الراحل سعد الدين وهبه في إطار لجان تحكيم و فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للسينما لأكثر من 20 سنة،  فقد كانت عضوة بلجنة المشاهدة و إختيار الأفلام في دورات عديدة.

حاولت فوزية في حياتها أن تقترب من الواقع أكثر و تلمس قضاياه الاجتماعية، خاصة في ظل إنكسارات و هزائم متتالية يعانيها الوجود الانساني بشكل عام. حياتها إعترتها أحزان و أوجاع، معانقة الوجود الذي لابد أن تستمر رحلته مهما تلاطمت الأمواج       و إشتدت الأحداث، القليل من أوجاعها عرف بها القليل من المقربين،  و الآخر إحتفظت به في صندوقها الأسود .

كان لها أخت حزنت حين فتقدتها رغم إنها كانت تتجنب الحديث عنها. كانت رشيدة مهران تشغل منصب مستشار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، و كانت من أقرب الشخصيات له و تتمتع بنفوذ متزايد و متصاعد داخل المنظمة، و لها تأثير قوي علي قرارات عرفات.

لم يجرؤ أحد من الدائرة المحيطة بالزعيم الفلسطيني أن يصارحه أو ينتقده أو يواجهه بدور تلك المستشارة المصرية داخل المنظمة، بإستثناء رسام الكاريكاتور ناجي العلي الذي رسم ينتقدها بشكل لاذع, جارح, و كتب تحت الرسم الكاريكاتوري بالبنط العريض:

 " تعرف رشيدة مهران ؟!! "،  و لم يكتف العلي بالرسم, فكتب مقالاً عن رشيدة مهران السيدة المهمة التي تركب طائرة خاصة      و تسكن قصراً في تونس، و كتبت كتاباً عن الزعيم الفلسطيني قالت فيه عن الزعيم " أنه إلهاً " . غضب عرفات و إعتبر ما فعله ناجي إساءة شخصية له.

عندما أُغتيل ناجي العلي في لندن، شملت التحقيقات إستجواب كل من له علاقة من قريب أو بالرسام الكاريكاتوري أو المنظمة أو أبو عمار و رشيدة مهران التي فارقت الحياة بعد عملية جراحية خطيرة في لندن. 

و مع وفاة رشيدة مهران مات لغزها و غموضها  و أسرار حياتها، و بقي في صندوق فوزية مهران الأسود. 

 

 

رشيدة مهران مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات و كاريكاتير ناجي العلي الذي أثار غضبه

 

 

على الرغم من توّعُكِها, ظلت فوزية تكتب  مقالها الأسبوعي في جريدة "الأسبوع", فهي كانت تعتبر بإنه ليس هناك نهاية ، هناك حياة و كتابة و الإثنتان لا تنفصلان .

من يدها ما وقع القلم, لأنها ماتت, و إنما ماتت لأنه كان قد وقع القلم.  

     

 

لم تبق "القومية العربية", إطارا فكريا، رومانسيا, في ذهن جمال عبد الناصر, و هو لم يكن يفصل عنها الوحدة, أو الاستقلال, أو الإصلاح, وهي كانت في تفكيره القوة الدافعة لحياة العرب, و قيمتها, كما كان يُعَبّر دائما, تكمن في إتفاق العرب الشامل على أن هناك شيئا إسمه "الأمة العربية".

 

 

 

و بعدما إستتب له الأمر و تنّسم مقاليد الحكم, مزيحا عن دربه من قد يمنعه من الوصول الى سُدّة الرئاسة و تدبر أمر البلاد, أخذ جمال عبد الناصر "القومية العربية", و جعلها أداة سياسية لنفسه, و أدار الحكم من خلالها. و قد برهن, بما لا يرقى للشك, أنه "فنان" بارع, لا يُبارى في تجربة المنهج السياسي, الى سياسة عملية, بغض النظر عن أخطاء التجربة, التي أدت الى الإنكسار     و الهزيمة.

لقد مارس جمال عبد الناصر "الزعامة" في العالم العربي, لأنه إستطاع أن يفهم فهما جيدا, نفسية "الشعب" العربي, فأتقن اللعب على الوتر الحساس لآمال العرب, و طموحاتهم, و تطلعاتهم, و مخاوفهم, التي كانت تعتمل في نفوسهم, تضعفهم, فيمضون سادرين في تخلفهم و تأخرهم.

و أدرك عبد الناصر, متأخرا, أن هناك "زعماء عرب" آخرين, يتقنون, مثله و أكثر, "فن" اللعب السياسي الممنهج, لتحقيق أغراض  و أهداف أخرى.

و لم يكن غريبا, أو مستغربا, بعد هذا كله, أن يحتضن عبد الناصر, ما سمي وقتها, "حرب التحرير الجزائرية". ففي سنة 1953, تمكّن أحمد بن بلة من الهرب عن طريق ليبيا, الى مصر, قبل إلقاء القبض عليه, و تنفيذ الحكم بحبسه سنوات سبع. و في خلوة طالت الى ما يزيد عن الساعات الثلاث, تم التفاهم على سبل دعم مصر للثورة الجزائرية ضد الإحتلال الفرنسي, بالمال و السلاح    و العتاد و الخبراء العسكريين.

فأقيمت في مصر معسكرات لتدريب المقاتلين في جيش التحرير على حرب الشوارع و الجبال, و حرب العصابات.

و أول شحنة سلاح و عتاد وصلت من مصر الي الجزائر قُدِرَت بحوالي 8000 جنيه, في عملة هاتيك الزمن.

كان يجري كل ذلك, في وقت كان بيار منديس - فرانس Pierre Mendes – FRANCE , رئيس الحكومة الفرنسية, يحاول إيجاد حل سياسي يضمن سلامة مليون فرنسي ممن يُطلق عليهم   Pieds- Noirsأي الذين هم من أصول فرنسية أو أوروبية ولدوا في الجزائر و تربوا و إستوطنوا فيها.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، إندلعت حرب التحرير في وجه منديس- فرانس, سقطت حكومته, ليشكل إدغار فور حكومة كانت مهمتها الوحيدة مواجهة ما كان يدور و يجري في الجزائر.

كل شيء في مصر أُستُنفر لدعم "حرب التحرير", "صوت العرب" زادت ساعات البث, و الصحف و المجلات كان شغلها الشاغل تغطية  إنتفاضة الشعب الجزائري.

 

بين اللآئي إنضممن مع فوزية مهران الى "روز اليوسف", كانت فايزة سعد. برزت بسرعة،  لم تجذبها المناصب الإدارية, و لا إستملحت المناصب الرفيعة في المؤسسة العريقة, , على الرغم من جدارتها لتولي مثل تلك المناصب و المسؤوليات. فضلت فايزة القلم و الورق و رائحة الحبر, فأقبلت على الصحافة بكليتها, تعالج المواضيع السياسية, فراحت تتمايز في نوع جديد في الكتابة الصحافية, و هي, "الكتابة المعلوماتية", و التحري, فكانت غواصة على معميات المواقف, دؤوبة على كشف المستور, و ما استغلق حول العديد من القضايا السياسية.

و قد أسعفها في ذلك أسلوبها السردي البسيط, الرصين, و تفكيرها المنطقي المنظم, و قد إستطاعت فايزة سعد بجهدها و دأبها المتواصل, و تتبعها الدقيق, أن تسطر و تحبر تحقيقات آسرة, ملفتة, يدعمها الأصيل من الحقائق الدافعة, و الحِجّة الدامغة,       و الدليل القاطع, تسند الرأي الى صاحبه, و ترد الشاهد الى مصدره, و القول الى قائله... فغدت من أهم كتّاب التحقيقات المعلوماتية, ليس في "روز اليوسف" و حسب, بل في الصحافة المصرية كلها.

و كان أن اُختيرت فايزة سعد, بطلب من وزارة الإعلام و الإرشاد القومي، وزارة الإعلام فيما بعد, لتغطية حرب التحرير في الجزائر, فأصبحت فايزة سعد أول "محررة حرب" عرفتها الصحافة المصرية, فعملت على مقربة من السلطة, و بحمايتها, و رعايتها, تنقل في تقارير إضافية ما يجري, ليس في ميادين القتال, حيث الكلام للبنادق و المدافع و الرصاص و حسب, إنما خلف الأبواب الموصدة, حيث تحاك خيوط الديبلوماسية, و الصفقات السياسية.

و في حركة مكوكية, أمضت فايزة سعد, وقتا بين الجزائر و المحروسة, ناقلة بحرفة صحافية مآسي سنوات الدم في الجزائر.

 

 

 

 

في وقت كانت النيران تحرق الأخضر واليابس في الجزائر, و الموت يحصد الناس في الطرقات و المنازل, و على الجبهات, وقف جمال عبد الناصر, خطيبا, يعلن "تأميم" قناة السويس. فأخطأ في حساباته, حينما قدّر موقفه إزاء رد فعل فرنسا, التي كانت تملك معظم أسهم شركة القناة, و لم تتنبه الديبلوماسية المصرية, يومها, لتصريح كريستيان بينو Christian Pino , وزير الخارجية الفرنسية, الذي قال بصريح العبارة:

" إن التمرد في الجزائر لا تحركه إلا المساعدات المصرية, فإذا توقفت تلك المساعدات, فإن الأمر سيهدأ".

كما لم يستطع, جمال عبد الناصر, أن يتنبأ بأن الحال النفسية لرئيس الحكومة الفرنسية, جي موليه Guy Mollet  نتيجة تفاقم التمرد و الحرب في الجزائر, سوف تجعله أكثر ضراوة  و شراسة من أنطوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني، و رغبة في الإقدام على

عمل عسكري شامل ضد مصر، خصوصا بعد قرار عبد الناصر بتخصيص المداخيل الأولى من تأميم القناة للمجهود الحربي الجزائري, و قُدّر المبلغ بما يزيد على ثلاثة ميليارات فرنك فرنسي قديم!

و وقعت بين يدي فايزة سعد, نسخة من رسالة كان أرسلها خالد محيي الدين للرئيس عبد الناصر, في سبتمبر (ايلول) 1956, أخبره فيها أنه وفقا لما أعلمه أحد أصدقائه في الحزب الشيوعي الفرنسي, فإن جي موليه يخطط و يعُد العدّة لشنّ هجوم على مصر, بالإشتراك مع إسرائيل.

إلا أن عبد الناصر لم يعر هذا الامر إهتماما, و إعتبره مجرد مخطط لحثّه على إجراء بعض التحركات الزائفة نحو الدولة العبرية,   و أسقط عبد الناصر من حساباته تورط إسرائيل في أي حرب ضد مصر, فقام بسحب حوالى 30 ألف جندي من منطقة سيناء, لتدعيم دفاعات القناة, و الطرق الموصلة الى الإسكندرية و المحروسة.

كان ما كشفته فايزة سعد, و نشرها مضمون الرسالة, طنطنة و دوي, خاصة بعدما تبين أن "الريس" أخطأ, و لم يكن على صواب.

 

 

                               

 

 

في خريف عام 1978 بدأت الصحافة العالمية تبحث سر غياب الرئيس هواري بومدين , و عدم مشاركته في العديد من المناسبات, و تطايرت الإفتراضات من كل حدب و صوب, و إنتشرت التكهنات , و حبلت أعمدة الصحف بالتأويلات, و جدلت وكالات الأنباء الكلام ناسبة بعضه الى "مصادر مطّلعة", و بعضه الآخر الى تسريبات مُقربين من الرئيس الجزائري ... و سرت شائعات تؤكد إصابة الرجل برصاصة بعد محاولة إنقلاب فاشلة ، أو توعكه بعلّة خبيثة, و تفننوا في إختيار كل الأمراض الخطيرة التي قد تكون أصابت الرئيس بومدين مثل مرض شديد داخل البلعوم كما أفادت الصحف المصرية ، و منهم من حدّد نوع المرض في المسالك البولية، و سرطان، و فشل كلوي، و هناك من تكهن عن وجوده في روسيا لعقد صفقة سلاح.

 

في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1978، حسم قصر الرئاسة الأمر, و شرح منه أن الرئيس بومدين يعاني من مرض و هو "والدنستروم", و أنه قد لا يتعافى منه, إذ أنه في مرحلة متقدمة, و ما عاد العلاج ينفع للحد منه. و توفي بومدين متأثرا بذلك المرض.

 

 

 

 

وما أن إنتهت الجنازة الرسمية للرئيس حتى عاد التساؤل: السؤال هل أُغتيل بومدين أم مات موتاً طبيعياً؟.

لم يهدأ القلم بين أصابع فايزة سعد, فراحت تكشف المستور, فكتبت في 27 من ديسمبر (كانون الأول) سنة 1978 تحقيقا مدعما بالحجج, كشفت فيه أن بومدين مات مسموما بسم "ثاليوم" الفتاك , فالرئيس قُتل و لم يمت متأثرا بمرضه العضال!

 و لم تكف فايزة سعد بسط قلمها في وفاة الرئيس الجزائري, فنشرت في 30 من مارس (آذار) سنة 1992 مقالا تمدد على صفحات كررت فيه المعلوات السابقة و زادت على ما كانت ذكرت و فنّدت, معلومات حصلت عليها من جهات إستخباراتية, تؤكد بأن الرئيس بومدين أُغتيل, و لم يمت موتا طبيعيا.

و أحدث التحقيق دويا, و أثار جدلا, لم تستملحه جهات, كانت تريد طي الموضوع.

فسكتت فايزة عن الكلام المباح.

عرفت فايزة سعد أن تتسلل الى مداخل السياسيين الجزائريين, و أن تستل منهم ما عندهم, فتحقق معهم السبق الصحافي, في أحاديث تتهافت وكالات الانباء على نقلها.

قبل إغتياله بأشهر قلائل, أجرت فايزة حديثا مع الرئيس  محمد بوضياف ، و سبق أن أجرت حديثا مطولا مع الرئيس الشاذلي بن جديد و كان معها الصحافي عادل حمودة  و نشر الحديث وقتها  في "روز اليوسف" .

 

 

و مالت الى تأليف الكتب, تُفرغ فيها ما جنته من علاقات مع أجهزة الإستخبارات. تعاونت مع عادل حمودة في تقديم حملات صحافية منها حملة " الصحافة " جُمعت في كتاب صدر عن "روز اليوسف" بعنوان " إنقلاب في بلاط صاحبة الجلالة ".

و كان لفايزة باع في نشر الكتاب السياسى، فصدر لها عن دار " الخيال " للنشر منها " البارود الضائع " ، " 10 سنوات في كواليس الأنظمة العربية " و كتاب يحمل ثلاث عناوين " إغتيال صحافي " و عملية قتل صديق الرؤساء " و" أسرار الصحافة و المخابرات " و الكتاب عن الصحافي اللبناني سليم اللوزي, و قصة اغتياله و علاقاته بالرؤساء و زعماء العالم.

و لهذا الكتاب قصة, بدأت لما زارتني فايزة في لندن, لتطلعني عن رغبتها في نشر ما إستحصلت عليه من معلومات إستخباراتية عن إغتيال صاحب "الحوادث"، و كانت فايزة تعرف علاقتي مع اللوزي بحكم تولي الشأن التقني و الطباعي للمجلة, و كانت لنا جلسات طويلة, أجبتها فيها على الكثير من الأسئلة و الإستفسارات, و إستكمالا لعملها, سعيت لها لمقابلة أميّة اللوزي,  التي حكت لها في ثلاث لقاءات شاركت فيها، عن زوجها و علاقاته مع الزعماء العرب .

و أكتفي ها هنا بهذا القدر من الحديث عن سليم اللوزي, و ملابسات إغتياله الشنيع, فلي عودة الى كل ذلك, متى كان الكلام يتناول غربتي الثانية الى لندن.

 

 

تعرضت فايزة سعد للإعتقال في سجون " الأردن " مع الزميل الكاتب الصحافي سعد زغلول فؤاد بعد إنخراطهما في سلك الكفاح تحت راية " منظمة التحرير الفلسطينية " و تعرضا لألوان التعذيب في السجون الأردنية ، سعد زغلول فؤاد لانضمامه الي صفوف الفدائيين ، و فايزة سعد كمناضلة تدافع عن القضية الفلسطينية. 

.. وغادرت فايزة دنيانا منذ سنوات مقهورة بعد حياة حافلة بالعطاء لما آمنت به ، ماتت و هي تعاني الجحود و نسيان التضحيات.